المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تفسير القران كاملا


MERAMADA
2008-11-29, 03:01 AM
بصوا يا جماعه انا هدخل اكتب تفسير كل سورة من سور القرآن الكريم
لحد لما اوصل للجزء الثلاثين
, وياااريت تدخلوا تشوفوا التفسير

منقول من كتاب (صفوة التفاسير) وهو تاليف الاستاذ محمد علي الصابوني الاستاذ بكلية الشريعة و الدراسات الاسلامية مكة المكرمة - جامعة الملك عبد العزيز ، دار الصابوني .
وقد وافق علي هذا الكتاب الدكتور عبد الحليم محمود - شيخ الجامع الازهر /الشيخ عبد الله بن حميد - رئيس مجلس القضاء الاعلى - الرئيس العام للاشراف الديني على المسجد الحرام /الشيخ ابي الحسن علي الحسني الندوي - رئيس ندوة العلماء بلكنهو - الهند /الدكتور عبد الله عمر نصيف - مدير جامعة الملك عبد العزيز /الدكتور راشد بن راجح - عميد كلية الشريعة و الدراسات الاسلامية بمكة المكرمة /فضيلة الشيخ عبد الله خياط - خطيب المسجد الحرام /الشيخ محمد الغزالي - رئيس قسم الدعوة واصول الدين بكلية الشريعة بمكة المكرمة /
وربنا يجازى كل من ساهم في هذا العمل خييرا يارب ويجزيكم خير
وربنا يهدينا ويهدى المسلمين آجمعين يارب
ويتقبل منا ومنكم يارب

ونبدا بسوره الفاتحه
سورة الفاتحة
مكية وآياتها سبع آيات باتفاق
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

===============
تفسير الاستعاذة:
===============
المعنى: أستجير بجانب الله، وأعتصم به من شر الشيطان العاتي المتمرد، أن يضرني فى دينى أو دنياى، أو يصدنى عن فعل ما أمرت به، وأحتمى بالخالق السميع العليم من همزه ولمزه ووساوسه، فإن الشيطان لا يكفه عن الإنسان، إلا الله رب العالمين. عن النبى (ص) أنه كان إذا قام من الليل، استفتح صلاته بالتكبير، ثم يقول: (أعوذ الله السميع العليم، من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه. (أخره أصحاب السنن).

===============
تنبيه:
===============
لفظة "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" ليست آية قرآنية، وإنما هو أدب أدبنا الله به، عند إرادة قراءة القرآن بقوله سبحانه
[فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم] فلهذا لم تكتب فى القرآن الكريم بخلاف البسملة.
بسم الله الرحمن الرحيم

===============
تفسير البسملة:
===============
أبدأ بتسمية الله وذكره قبل كل شئ، مستعيناً به جل وعلا فى جميع أموري، طالباً منه وحده العون، فإن الرب المعبود، ذو الفضل والجود، واسع الرحمة كثير التفضل والإحسان، الذى وسعت رحمته كل شئ، وعم فضله جميع الأنام.

===============
تنبيه:
===============

[بسم الله الرحمن الرحيم] افتتح الله بهذه الآية سورة الفاتحة وكل سورة من سور القرآن – ما عدا سورة التوبة – ليرشد المسلمين إلى أن يبدأوا أعمالهم وأقوالهم باسم الله الرحمن الرحيم، التماساً لمعونته وتوفيقه، ومخالفة للوثنيين الذين يبدأون أعمالهم بأسماء آلهتهم أو طواغيتهم فيقولون: باسم اللات، أو باسم العزى، أو باسم الشعب، أو باسم هبل.
قال الطبرى: "إن الله تعالى ذكره وتقدست أسماؤه، أدب نبيه محمداً (ص) بتعليمه ذكر أسمائه الحسنى، أمام جميع أفعاله، وجعل ذلك لجميع خلقه سنة يستنون بها، وسبيلاً يتبعونه عليها، فقول القائل: بسم الله الرحمن الرحيم إذا افتتح تالياً سورة، ينبئ عن أن مراده: أقرأ بسم الله، وكذلك سائر الأفعال".

===============
تفسير سورة الفاتحة
===============
بين يدى السورة الكريمة:
===============
هذه السورة الكريمة مكية، وآياتها سبع بالإجماع، وتسمى "الفاتحة" لافتتاح الكتاب العزيز بها، حيث إنها أول القرآن فى (الترتيب) لا فى (النزول)، وهى – على قصرها ووجازتها – قد حوت معانى القرآن العظيم، واشتملت على مقاصده الأساسية بالإجمال، فهى تتناول أصول الدين وفروعه، تتناول العقيدة، والعباد، والتشريع، والاعتقاد باليوم الآخر، والإيمان بصفات الله الحسنى، وإفراده بالعبادة، والاستعانة والدعاء، والتوجه إليه جل وعلا بطلب الهداية إلى الدين الحق، والصراط المستقيم، والتضرع إليه بالتثبيت على الإيمان ونهج سبيل الصالحين، وتجنب طريق المغضوب عليهم والضالين، وفيها الأخبار عن قصص الأمم السابقين، والاطلاع على معارج السعداء ومنازل الأشقياء، وفيها التعبد بأمر الله سبحانه ونهيه، إلى غير ما هنالك من مقاصد وأغراض وأهداف، فهي كالأم بالنسبة لبقية السور الكريمة، ولهذا تسمى "أم الكتاب" لأنها جمعت مقاصده الأساسية.

===============
فضلها:
===============
أ – روى الإمام أحمد فى المسند أن "أبي بن كعب" قرأن على النبى (ص) أم القرآن فقال رسول الله (ص): "والذى نفسى بيده ما أنزل فى التوراة، ولا فى الإنجيل، ولا فى الزبور، ولا فى الفرقان مثلها، هى السبع المثانى والقرآن العظيم الذى أوتيته" فهذا الحديث الشريف يشير إلى قوله تعالى فى سورة الحجر:
[ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم].
ب- وفى صحيح البخارى أن النبى (ص) قال لأبى سعيد بن المعلى: "لأعلمنك سورة هى أعظم السور فى القرآن: الحمد لله رب العالمين، هى السبع المثاني، والقرآن العظيم الذى أوتيته".

===============
التسمية:
===============
تسمى "الفاتحة، وأم الكتاب، والسبع المثاني، والشافية، والوافية، والكافية، والأساس، والحمد" وقد عددها العلامة القرطبي وذكر أن لهذه السورة الكريمة اثنى عشر اسماً.

===============
اللغة:
===============

[الحمد] الثناء بالجميل على جهة التعظيم والتبجيل، مقروناً بالمحبة،وهو نقيض الذم وأعم من الشكر، لأن الشكر يكون مقابل النعمة بخلاف الحمد
[الله] اسم علم للذات المقدسة لا يشاركه فيه غيره، قال القرطبي: هذا الاسم
[الله] أكبر أسمائه سبحانه وأجمعها، وهو اسم للموجود الحق، الجامع لصفات الإلهية، المنعوت بنعوت الربوبية، المنفرد بالوجود الحقيقي لا إله إلا هو سبحانه
[رب] الرب: مشتق من التربية وهى إصلاح شؤون الغير ورعاية أمره، قال الهروي: "يقال لمن قام بإصلاح شئ وإتمامه: "قد ربه، ومنه الربانيون لقيامهم بالكتب" (تفسير القرطبى 1/133) والرب يطلق على عدة معان وهى "المالك، والمصلح، والمعبود، والسيد المطاع"
[العالمين] العالم: اسم جنس لا واحد له من لفظه كالرهط، وهو يشمل: الإنس والجن واللائكة والشياطين كذا قال الفراء، وهو مشتق من العلامة لأن "العالم" علامة على وجود الخالق جل وعلا
[الرحمن الرحيم] صفتان مشتقتان من الرحمة، وقد روعى في كل من
[الرحمن] و
[الرحيم] معنى لم يراع فى الآخر، فالرحمن بمعنى عظيم الرحمة لأن "فعلان" صيغة مبالغة فى كثرة الشيء وعظمته، ولا يلزم منه الدام كغضبان وسكران، والرحيم بمعنى دائم الرحمة لأن صيغة "فعيل" تستعمل فى الصفات الدائمة، ككريم وظريف فكأنه قيل: العظيم الرحمة، الدائم الإحسان.
قال الخطابي: الرحمن ذو الرحمة الشاملة التى وسعت الخلق فى أرزاقهم ومصالحهم، وعمت المؤمن والكافر، والرحيم خاص بالمؤمن كما قال تعالى:
[وكان بالمؤمنين رحيما]ٍ ،
[الدين] الجزاء ومنه الحديث "كما تدين تدان" أى كما تفعل تجرى
[نعبد] قال الزمخشري: العبادة أقصى غاية الخضوع والتذلل، ولذلك لم تستعمل إلا فى الخضوع لله تعالى، لأنه مولي أعظم النعم فكان حقيقاً بأقصى الخضوع
[الصراط] الطريق وأصله بالسين من الاستراط بمعنى الابتلاع، كأن الطريق يبتلع السالك، قال الشاعر:
شحنا أرضهم بالخيل حتى تركناهم أذل من الصراط

[المستقيم] الذي لا عوج فيه ولا انحراف "آمين" أى استجب دعاءنا، وهي ليست من القرآن الكريم إجماعاً، ولهذا لم تكتب فيه، وإنما هى من تعليم رسول الله وهديه.

===============
التفسير:
===============
علمنا البارى جل وعلا كيف ينبغى أن نحمده تعالى ونقدسه، ونثني عليه بما هو أهله فقال
[الحمد لله رب العالمين] أي قولوا يا عبادي إذا أردتم شكري وثنائي الحمد لله، اشكروني على إحساني وجميلي إليكم، فأنا الله ذو العظمة والمجد والسؤدد، المتفرد بالخلق والإيجاد، رب الإنس والجن والملائكة، ورب السموات والأرضين، فالثناء والشكر لله رب العالمين، دون ما يعبد من دونه
[الرحمن الرحيم] أي الذي وسعت رحمته كل شئ وعم فضله جميع الأنام، بما أنعم على عباده من الخلق، والرزق، والهداية إلى سعادة الدارين، فهو الرب الجليل عظيم الرحمة دائم الإحسان
[مالك يوم الدين] أي هو سبحانه المالك للجزاء والحساب، المتصرف فى يوم الدين تصرف المالك في ملكه
[يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله]
[إياك نعبد وإياك نستعين] أي نخصك يا ألله بالعبادة، ونخصك بطلب الإعانة، فلا نعبد أحدا سواك، لك وحدك ربنا نذل ونخضع، ونستكين ونخشع، وإياك ربنا نستعين على طاعتك ومرضاتك، فإنك المستحق لكل إجلال وتعظيم، ولا يملك القدرة على عوننا أحد سواك
[إهدنا الصراط المستقيم] أي دلنا وأرشدنا يا رب إلى طريقك الحق، ودينك المستقيم وثبتنا على الإسلام الذي بعثت به أنبياءك ورسلك، وأرسلت به خاتم المرسلين، واجعلنا ممن سلك طريق المقربين
[صراط الذين أنعمت عليهم] أي طريق من تفضلت عليهم بالجود والإنعام، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا
[غير المغضوب عليهم ولا الضالين] أي لا تجعلنا يا ألله من زمرة أعدائك الحائدين عن الصراط المستقيم السالكين غير المنهج القويم، من اليهود المغضوب عليهم، أو النصارى الضالين، الذين ضلوا عن شريعتك القدسية، فاستحقوا الغضب واللعنة الأبدية. اللهم آمين.

===============
البلاغة:
===============
1- [الحمد لله] الجملة خبرية لفظاً، إنشائية معنى أي قولوا "الحمد لله" وهى مفيدة لقصر الحمد عليه تعالى كقولهم: الكرم فى الرعب.
2- [إياك نعبد وإياك نستعين] فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، ولو جرى الكلام على الأصل لقال: إياه نعبد، وتقديم المفعول يفيد القصر – أعني الاختصاص – أي لا نعبد سواك كما فى قوله تعالى [وإياي فارهبون].
3- قال فى البحر المحيط: وفى هذه السورة الكريمة من أنواع الفصاحة والبلاغة أنواع:
الأول: حسن الافتتاح وبراعة المطلع، حيث بدأ بجوامع الشكر والثناء.
الثانى: المبالغة فى الثناء لإفادة "ال" الاستغراق.
الثالث: تلوين الخطاب إذ صيغته الخبر، ومعناه الأمر، أي قولوا الحمد لله.
الرابع: الاختصاص فى قوله [الله] أي الحمد كله خاص به جل وعلا.
الخامس: الحذف كحذف "صراط" من قوله [غير المغضوب عليهم] تقديره غير صراط المغضوب عليهم وغير صراط الضالين، أى غير طريق الفريقين.
السادس: التقديم والتأخير فى [إياك نعبد].
السابع: التصريح بعد الإبهام [الصراط المستقيم] ثم فسره بقوله:
[صراط الذين أنعمت عليهم].
الثامن: الالتفات فى [إياك نعبد وإياك نستعين].
التاسع: طلب الشئ، والمراد به دوامه واستمراره فى [إهدنا الصراط] أى ثبتنا عليه، كقوله تعالى
[يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله] أى اثبتوا على الإيمان.
العاشر: السجع المتوازى فى قوله: [الرحمن الرحيم، الصراط المستقيم] وقوله: [نستعين.. الضالين].

===============
الفوائد:
===============
الأولى: الفرق بين [الله] و [الإله] أن الأول اسم علم للذات المقدسة ذات البارى جل وعلا، ومعناه المعبود بحق، والثاني معناه المعبود بحق أو باطل، فهو اسم يطلق على الله تعالى وعلى غيره، بخلاف "الله" فإنه المعبود بحق.
الثانية: وردت الصبغة بلفظ الجمع "نعبد ونستعين" ولم يقل "إياك أعبد وإياك أستعين" بصيغة المفرد، وذلك للاعتراف بقصور العبد عن الوقوف فى باب ملك الملوك، فكأنه يقول: أنا يا رب العبد الحقيق الذليل، لا يليق بي أن أقف هذا الموقف فى مناجاتك بمفردي، بل أنضم إلى سلك المؤمنين الموحدين، فتقبل دعائى فى زمرتهم، فنحن يا رب جميعا نعبدك ونستعين بك.
الثالث: نسب النعمة إلى الله عز وجل [أنعمت عليهم] ولم ينسب إليهم الإضلال والغضب، فلم يقل: غضبت عليهم أو الذين أضللتهم، وذلك لتعليم العباد الأدب مع الله تعالى، فالشر لا ينسب إلى الله تعالى أدباً، وإن كان منه تقديراً، كما ورد فى الدعاء المأثور "الخير كله بيديك" والشر لا ينسب إليك".

===============
خاتمة فى بيان الأسرار القدسية فى فاتحة الكتاب العزيز
===============
يقول شهيد الإسلام الشيخ حسن البنا في رسالته القيمة "مقدمة فى التفسير" ما نصه: "لا شك أن من تدبر الفاتحة الكريمة رأى من غزارة المعاني وجمالها، وروعة التناسب وجلاله، ما يأخذ بلبه، يضيء جوانب قلبه، فهو يبتدئ ذاكراً تالياً متيمناً باسم الله، الموصوف بالرحمة التى تظهر آثار رحمته متجددة فى كل شيء، فإذا استشعر هذا المعنى، ووقر فى نفسه انطلق لسانه بحمد هذا الإله
[الرحمن الرحيم] وذكره الحمد بعظيم نعمه، وكريم فضله، وجميل آلائه، البادية فى تربيته للعوالم جميعاً، فأجال بصيرته فى هذا المحيط الذى لا ساحل له، ثم تذكر من جديد أن هذه النعم الجزيلة والتربية الجليلة، ليست من رغبة ولا رهبة، ولكنها عن تفضل ورحمة، فنطق لسانه مرة ثانية بـ
[الرحمن الرحيم] ومن كمال هذا الإله العظيم أن يقرن الرحمن بـ "العدل" ويذكر بالحساب بعد "الفضل"، فهو مع رحمته السابغة المتجددة سيدين عباده ويحاسب خلقه يوم الدين
[يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله] فتربيته لخلقه قائمة على الترغيب بالرحمة، والترهيب بالعدالة والحساب
[مالك يوم الدين] وإذا كان الأمر كذلك فقد أصبح العبد مكلفاً بتحري الخير، والبحث عن وسائل النجاة، وهو فى هذا أشد ما يكون حاجة إلى من يهديه سواء السبيل، ويرشده إلى الصراط المستقيم، وليس أولى به في ذلك من خالقه وولاه، فليلجأ إليه وليعتمد عليه وليخاطبه بقوله:
[إياك نعبد وإياك نستعين] وليسأله الهداية من فضله إلى الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم بمعرفة الحق واتباعه، غير المغضوب عليهم بالسلب بعد العطاء، والنكوص بعد الاهتداء، وغير الضالين التائهين، الذي يضلون عن الحق أو يريدون الوصول إليه فلا يوفقون للعثور عليه، آمين. ولا جرم أن "آمين" براعة مقطع فى غاية الجمال والحسن، وأي شيء أولى بهذه البراعة من فاتحة الكتاب، والتوجه إلى الله بالدعاء؟ فهل رأيت تناسقا أدق، أو ارتباطاً أوثق، مما تراه بين معاني هذه الآية الكريمة؟ وتذكر وأنت تهيم فى أودية هذا الجمال ما يرويه رسول الله (ص) عن ربه فى الحديث القدسي (قسمت الصلاة بينى وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل..) الحديث وأدم هذا التدبر والإنعام، واجتهد أن تقرأ فى الصلاة وغيرها على مكث وتمهل، وخشوع وتذلل، وأن تقف على رؤوس الآيات، وتعطي التلاوة حقها من التجويد أو النغمات، من غير تكلف ولا تطريب، واشتغال بالألفاظ عن المعاني، فإن ذلك يعين على الفهم، ويثير ما غاض من شآبيب الدمع، وما نفع القلب شئ أفضل من تلاوة فى تدبر وخشوع

MERAMADA
2008-11-29, 03:06 AM
سورة البقرة
سورة البقرة جميعها مدنية بلا خلاف ، وهى من أوائل ما نزل، وآياتها مائتان وثمانون وسبع آيات .

===============
بين يدي السورة
===============
- سورة البقرة أطول سور القرآن على الإطلاق، وهي من السور المدنية التي تعني بجانب التشريع، شأنها كشأن سائر السور المدنية، التى تعالج النظم والقوانين التشريعية، التى يحتاج إليها المسلمون فى حياتهم الاجتماعية.

- اشتملت هذه السورة الكريمة على معظم الأحكام التشريعية: فى العقائد، والعبادات، والمعاملات، والأخلاق، وفى أمور الزواج، والطلاق، والعدة، وغيرها من الأحكام الشرعية.

- وقد تناولت الآيات فى البدء الحديث عن (صفات المؤمنين)، و(الكافرين)، و(المنافقين)، فوضحت حقيقة الإيمان، وحقيقة الكفر والنفاق، للمقارنة بين أهل السعادة وأهل الشقاء.

- ثم تحدثت عن بدء الخليقة فذكرت قصة أبي البشر "آدم" عليه السلام، وما جرى عند خلقه وتكوينه، من الأحداث والمفاجآت العجيبة، التى تدل على تكريم الله جل وعلا للنوع البشري.

- ثم تناولت السورة الحديث بالإسهاب عن أهل الكتاب، وبوجه خاص بني إسرائيل "اليهود" لأنهم كانوا مجاورين للمسلمين فى المدينة المنورة، فنبهت المؤمنين إلى خبثهم ومكرهم، وما تنطوي عليه نفوسهم الشريرة من اللؤم، والغدر، والخيانة، ونقض العهود والمواثيق، إلى غير ما هنالك من القبائح والجرائم التى ارتكبها هؤلاء المفسدون، مما يوضح عظيم خطرهم، وكبير ضررهم على البشرية، وقد تناول الحديث عنهم ما يزيد على نصف السورة الكريمة، بدءاً من قوله تعالى: [يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم] إلى قوله تعالى: [وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن].

- أما بقية السورة الكريمة فقد تناولت جانب التشريع، لأن المسلمين كانوا فى بداية تكوين (الدولة الإسلامية) وهم فى أمس الحاجة إلى المنهاج الرباني، والتشريع السماوي، الذى يسيرون عليه فى حياتهم، سواء ما كان منها فى العبادات أو المعاملات، ولذا فإن جماع السورة يتناول الجانب التشريعي، وهو باختصار كما يلي:
"أحكام الصوم" مفصله بعض التفصيل، أحكام الحج والعمرة، أحكام الجهاد في سبيل الله، شؤون الأسرة، وما يتعلق بها، من (الزواج، والطلاق، والرضاعه، والعدة)، تحريم نكاح المشركات، والتحذير من معاشرة النساء فى حالة الحيض، إلى غير ما هنالك من أحكام تتعلق بالأسرة، لأنها النواة الأولى للمجتمع الأكبر، وفى صلاح الأسرة صلاح المجتمع !!.

- ثم تحدثت السورة الكريمة عن "جريمة الربا" التى تهدد كيان المجتمع وتقوض بنيانه، وحملت حملة عنيفة شديدة على المرابين، بإعلان الحرب السافرة من الله ورسوله، على كل من يتعامل بالربا أو يقدم عليه [يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين – فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله، وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون].

- وأعقبت آيات الربا بالتحذير من ذلك اليوم الرهيب، الذى يجازى فيه الإنسان على عمله إن خيرا فخير، وإن شرا فشر [واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله، ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون] وهي آخر ما نزل من القرآن الكريم، وآخر وحي تنزل من السماء إلى الأرض، وبنزول هذه الآية انقطع الوحي، وانتقل الرسول الأعظم (ص) إلى جوار ربه، بعد أن أدى الرسالة وبلغ الأمانة ونصح الأمة، وجاهد فى الله حق جهاده، حتى أتاه اليقين!.

- وختمت السورة الكريمة بتوجيه المؤمنين إلى التوبة والإنابة، والتضرع إلى الله جل وعلا برفع الأغلال والآصار، وطلب النصرة على الكفار، والدعاء لما فيه سعادة الدارين [ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به، واعف عنا، واغفر لنا، وارحمنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين] وهكذا بدأت السورة بأوصاف المؤمنين، وختمت بدعاء المؤمنين ليتناسق البدء مع الختام، ويلتئم شمل السورة أفضل التئام!!.

===============
التسمية:
===============
سميت السورة الكريمة "سورة البقرة" إحياء لذكرى تلك المعجزة الباهرة، التي ظهرت فى زمن موسى الكليم، حيث قتل شخص من بني إسرائيل ولم يعرفوا قاتله، فعرضوا الأمر على موسى لعله يعرف القاتل، فأوحى الله تعالى إليه أن يأمرهم بذبح بقرة، وأن يضربوا الميت بجزء منها فيحيا بإذن الله ويخبرهم عن القاتل، وتكون برهانا على قدرة الله جل وعلا فى إحياء الخلق بعد الموت، وستأتي القصة مفصلة فى موضعها إن شاء الله.

===============
فضلها:
===============
عن رسول الله (ص) أنه قال: (لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة). وقال (ص): (اقرأوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة) يعنى السحرة.


###############
قال الله تعالى: [ألم – ذلك الكتاب لا ريب فيه.. إلى .. وأولئك هم المفلحون]. من آية (1) إلى نهاية آية (5).
###############


===============
اللغة:
===============
[ريب] الريب: الشك وعدم الطمأنينة يقال: ارتاب، وأمر مريب إذا كان فيه شك وريبة، قال الزمخشري: الريب مصدر رابه إذا أحدث له الريبة وهى قلق النفس واضطرابها، ومنه ريب الزمان لنوائبه

[المتقين] أصل التقوى مأخوذ من اتقاء المكروه بما تجعله حاجزاً بينك وبينه، قال النابغة: سقط النصيف ولم ترد إسقاطه فتناولته واتقتنا باليد
فالمتقى هو الذي يقي نفسه مما يضرها، وهو الذى يتقى عذاب الله بطاعته، وجماع التقوى أن يمتثل العبد الأوامر، ويجتنب النواهي

[الغيب] ما غاب عن الحواس، وكل شئ مستور فهو غيب، كالجنة، والنار ، والحشر والنشر قال الراغب: الغيب ما لا يقع تحت الحواس

[المفلحون] الفلاح: الفوز والنجاح قال أبو عبيدة: كل من أصاب شيئا من الخير فهو مفلح وقال البيضاوي: المفلح: الفائز بالمطلوب كأنه الذى انفتحت له وجوه الظفر، وأصل الفلح فى اللغة: الشق والقطع، ومنه قولهم فى الأمثال "إن الحديد بالحديد يفلح" أي يشق، ولذلك سمى الفلاح فلاحاً، لأنه يشق الأرض بالحراثة

[كفروا] الكفر لغة: ستر النعمة ولهذا يسمى الكافر كافراً لأنه يجحد النعمة ويسترها، ومنه قيل للزارع ولليل كافر، قال تعالى [أعجب الكفار نباته] أي أعجب الزراع، وسمى الليل كافرا لأنه يغطي كل شيء بسواده

[أنذرتهم] الإنذار: الإعلام مع التخويف، فإن خلا من التخويف فهو إعلام وإخبار، لا إنذار

[ختم] الختم: التغطية على الشئ والطبع عليه حتى لا يدخل شيء ، ومنه ختم الكتاب.

[غشاوة] الغشاوة: الغطاء من غشاه إذا غطاه، ومنه الغاشية وهى القيامة ، لأنها تغشى الناس بأهوالها وشدائدها!!.

MERAMADA
2008-11-29, 03:11 AM
التفسير:
===============
ابتدأت السورة الكريمة بذكر أوصاف المتقين، وابتداء السورة بالحروف المقطعة [ألم] وتصديرها بهذه الحروف الهجائية، يجذب أنظار المعرضين عن هذا القرآن، إذ يطرق أسماعهم لأول وهلة، ألفاظ غير مألوفة فى تخاطبهم، فينتبهوا إلى ما يلقى إليهم من آيات بينات، وفى هذه الحروف وأمثالها تنبيه على "إعجاز القرآن" فإن هذا الكتاب منظوم من عين ما ينظمون منه كلامهم، فإذا عجزوا عن الاتيان بمثله، فذلك أعظم برهان على (إعجاز القرآن)!! يقول العلامة ابن كثير رحمه الله: إنما ذكرت هذه الحروف فى أوائل السور بيانا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التى يتخاطبون بها، وهو قول جمع من المحققين، وقد قرره الزمخشري فى تفسيره الكشاف، ونصره أتم نصر، وإليه ذهب الإمام "ابن تيمية" ثم قال: ولهذا كل سورة افتتحت بالحروف، فلابد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن، وبيان إعجازه وعظمته، مثل [الم، ذلك الكتاب] [المص، كتاب أنزل إليك] ، [الم، تلك آيات الكتاب الحكيم] ، [حم، والكتاب المبين، إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين] وغير ذلك من الآيات الدالة على إعجاز القرآن. ثم قال تعالى:

[ذلك الكتاب لا ريب فيه] أي هذا القرآن المنزل عليك يا محمد، هو الكتاب الذي لا يدانيه كتاب [لا ريب فيه] أي لا شك في أنه من عند الله، لمن تفكر وتدبر، أو ألقى السمع وهو شهيد

[هدى للمتقين] أي هاد للمؤمنين المتقين، الذين يتقون سخط الله، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ويدفعون عذابه بطاعته، قال ابن عباس: المتقون هم الذين يتقون الشرك، ويعملون بطاعة الله، وقال الحسن البصري: اتقوا ما حرم عليهم، وأدوا ما افترض عليهم.. ثم بين تعالى صفات هؤلاء المتقين فقال:

[الذين يؤمنون بالغيب] أي يصدقون بما غاب عنهم ولم تدركه حواسهم، من البعث، والجنة، والنار، والصراط، والحساب، وغير ذلك من كل ما أخبر عنه القرآن أو النبى عليه الصلاة والسلام

[ويقيمون الصلاة] أي يؤدونها على الوجه الأكمل بشروطها وأركانها، وخشوعها وآدابها قال ابن عباس: إقامتها: إتمام الركوع والسجود، والتلاوة والخشوع

[ومما رزقناهم ينفقون] أي ومن الذي أعطيناهم من الأموال ينفقون ويتصدقون، في وجوه البر والإحسان، والآية عامة تشمل الزكاة، والصدقة، وسائر النفقات، وهذا اختيار ابن جرير، وروي عن ابن عباس أن المراد بها زكاة الأموال، قال ابن كثير: كثيرا ما يقرن تعالى بين الصلاة والإنفاق من الأموال، لأن الصلاة حق الله، وهى مشتملة على توحيده وتمجيده والثناء عليه، والإنفاق هو الإحسان إلى المخلوقين وهو حق العبد، فكل من النفقات الواجبة، والزكاة المفروضة داخل الآية الكريمة

[والذين يؤمنون بما أنزل إليك] أى يصدقون بكل ما جئت به عن الله تعالى

[وما أنزل من قبلك] أى وبما جاءت به الرسل من قبلك، لا يفرقون بين كتب الله، ولا بين رسله

[وبالآخرة هم يوقنون] أي ويعتقدون اعتقاداً جازماً لا يلابسه شك أو ارتياب بالدار الآخرة التى تتلو الدنيا، بما فيها من بعث، وجزاء وجنة، ونار، وحساب، وميزان، وإنما سميت الدار الآخرة لأنها بعد الدنيا

[أولئك على هدى من ربهم] أى أولئك المتصفون بما تقدم من الصفات الجليلة، على نور وبيان وبصيرة من الله

[وأولئك هم المفلحون] أي وأولئك هم الفائزون بالدرجات العالية الرفيعة فى جنات النعيم.

===============
البلاغة:
===============
تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
1- المجاز العقلي [هدى للمتقين] أسند الهداية للقرآن وهو من الإسناد للسبب، والهادي فى الحقيقة هو (الله رب العالمين) ففيه مجاز عقلي.

2- الإشارة بالبعيد عن القريب [ذلك الكتاب] ولم يقل: هذا الكتاب، للإيذان بعلو شأنه، وبعد مرتبته فى الكمال، فنزل بعد المرتبة منزلة البعد الحسى.

3- تكرير الإشارة [أولئك على هدى] [وأولئك هم المفلحون] للعناية بشأن المتقين، وجئ بالضمير [هم] ليفيد الحصر كأنه قال: هم المفلحون لا غيرهم.


###############
قال الله تعالى:
[إن الذين كفروا سواء عليهم.. إلى .. ولهم عذاب عظيم] من آية (6) إلى نهاية آية (7).

###############


===============
المناسبة:
===============
لما ذكر تعالى صفات المؤمنين فى الآيات السابقة، أعقبها بذكر صفات الكافرين، ليظهر الفارق الواضح بين الصنفين، على طريقة القرآن الكريم فى المقارنة بين الأبرار والفجار، والتمييز بين أهل السعادة وأهل الشقاوة، فبالمقارنة تظهر الحقائق، كما قيل: "وبضدها تتميز الأشياء".

===============
التفسير:
===============
[إن الذين كفروا] أي إن الذين جحدوا بآيات الله وكذبوا رسالة محمد (ص)

[سواء عليهم] أي يتساوى عندهم

[أأنذرتهم أم لم تنذرهم] أي سواء أحذرتهم يا محمد من عذاب الله وخوفتهم منه أم لم تحذرهم

[لا يؤمنون] أي لا يصدقون بما جئتهم به، فلا تطمع فى إيمانهم، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات، وفى هذا تسلية للنبى (ص) حول تكذيب قومه له.
ثم بين تعالى العلة فى سبب عدم الإيمان فقال

[ختم الله على قلوبهم] أي طبع على قلوبهم فلا يدخل فيها نور، ولا يشرق فيها إيمان. قال المفسرون: الختم: التغطية والطبع، وذلك أن القلوب إذا كثرت عليها الذنوب، طمست نور البصيرة فيها، فلا يكون للإيمان إليها مسلك، ولا للكفر عنها مخلص كما قال تعالى: (بل طبع الله عليها بكفرهم).

[وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة] أي وعلى أسماعهم وعلى أبصارهم غطاء، فلا يبصرون هدى، ولا يسمعون، ولا يفقهون، ولا يعقلون!! لأن أسماعهم وأبصارهم كأنها مغطاة بحجب كثيفة، لذلك يرون الحق فلا يتبعونه، ويسمعونه فلا يعونه. قال أبو حيان: شبه تعالى قلوبهم لتأبيها عن الحق، وأسماعهم لإضرابها عن سماع داعي الفلاح، وأبصارهم لامتناعها عن تلمح نور الهداية، بالوعاء المختوم عليه، المسدود منافذه، المغطى بغشاء يمنع أن يصله ما يصلحه، وذلك لأنها كانت – مع صحتها وقوة إدراكها – ممنوعة عن قبول الخير وسماعه، وتلمح نوره، وهذا بطريق الاستعارة

[ولهم عذاب عظيم] أي ولهم فى الآخرة عذاب شديد لا ينقطع، بسبب كفرهم وإجرامهم، وتكذيبهم بآيات الله.

للموضوع بقيه

Eng.Shapon
2008-11-29, 06:09 PM
جزاك الله كل خير

وموضوع جميل جدا جدا

واستمر لنهاية وربنا معاك

بس في حاجة عايز اقولك عليها,,

ان التفسير دا ياريت يكون منقول من كتاب او شيخ او اي مصدر يكون صحيح

باجماع العلماءوذالك لتجنب الشبهات ,,

طبعا اكيد فاهم وجهة نظري

وشكرا لك
وتقبل مروري

MERAMADA
2008-11-29, 06:29 PM
===============
1- التيئيس من إيمان الكفار [سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون] فالجملة سيقت للتنبيه على غلوهم فى الكفر والطغيان، وعدم استعدادهم للإيمان، ففيها تيئيس وإقناط من إيمانهم، وفي الآية طباق السلب.

2- الاستعارة التصريحية اللطيفة [ختم الله على قلوبهم] شبه تعالى قلوبهم لتأبيها عن الحق، وأسماعهم وأبصارهم لامتناعها عن تلمح نور الهداية، بالوعاء المختوم عليه، المسدود منافذه، المغشى بغشاء يمنع أن يصله ما يصلحه، واستعار لفظ (الختم والغشاوة) لذلك، بطريق الاستعارة التصريحية.


###############
قال الله تعالى: [ومن الناس من يقول آمنا بالله واليوم الآخر.. إلى .. إن الله على كل شئ قدير] من آية (8) إلى نهاية آية (20).

###############


===============
المناسبة:
===============
لما ذكر تعالى فى أول السورة صفات المؤمنين، وأعقبها بذكر صفات الكافرين، ذكر هنا "المنافقين" وهم الصنف الثالث، الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، وأطنب بذكرهم فى ثلاث عشرة آية، لينبه إلى عظيم خطرهم، وكبير ضررهم، ثم عقب ذلك بضرب مثلين، زيادة فى الكشف والبيان، وتوضيحا لما تنطوى عليه نفوسهم من ظلمة الضلال والنفاق، وما يئول إليه حالهم من الهلاك والدمار.

===============
اللغة:
===============
[يخادعون] الخداع: المكر، والاحتيال، وإظهار خلاف الباطن، وأصله الإخفاء ومنه سمى الدهر خادعاً لما يخفي من غوائله، وسمى المخدع مخدعا لتستر أصحاب المنزل فيه

[مرض] المرض: السقم وهو ضد الصحة وقد يكون حسيا كمرض الجسم، أو معنوياً كمرض النفاق، ومرض الحسد والرياء، قال ابن فارس: المرض كل ما خرج به الإنسان عن حد الصحة من علة، أو نفاق، أو تقصير فى أمر

[تفسدوا] الفساد:العدول عن الاستقامة وهو ضد الصلاح

[السفهاء] جمع سفيه وهو الجاهل ،الضعيف الرأى،القليل المعرفة بمواضع المنافع والمضار، وأصل السفه: الخفة، والسفيه: الخفيف العقل. قال علماء اللغة: السفه: خفة وسخافة رأي، يقتضيان نقصان العقل والحلم يقابله.

[طغيانهم] الطغيان: مجاوزة الحد فى كل شيء، ومنه قوله تعالى:[إنا لما طغى الماء] أي ارتفع وعلا وجاوز حده، والطاغية: الجبار العنيد

[يعمهون] العمه: التحير والتردد فى الشيء، يقال: عمه يعمه فهو عمه. قال رؤبة: "أعمى الهدى بالحائرين العمه". قال الفخر الرازي: العمه مثل العمى، إلا أن العمى عام فى البصر والرأي، والعمه فى الرأي خاصة، وهو التردد والتحير، بحيث لا يدري أين يتوجه

[اشتروا] حقيقة الاشتراء: الاستبدال، وأصله بذل الثمن لتحصيل الشئ المطلوب، والعرب تقول لمن استبدل شيئا بشئ اشتراه، قال الشاعر: فإن تزعمينى كنت أجهل فيكم فإنى اشتريت الحلم بعدك بالجهل

[صم] جمع أصم وهو الذى لا يسمع

[بكم] جمع أبكم وهو الأخرس الذي لا ينطق

[عمي] جمع أعمى وهو الذى فقد بصره

[صيب] الصيب: المطر الغزير مأخوذ من الصوب وهو النزول بشدة، قال الشاعر: "سقتك روايا المزن حيث تصوب"

[الصواعق] جمع صاعقة وهى نار محرقة لا تمر بشيء إلا أتت عليه، مشتقة من الصعق وهو شدة الصوت

[السماء] السماء فى اللغة: كل ما علاك فأظلك، ومنه قيل لسقف البيت سماء، ويسمى المطر سماء لنزوله من السماء قال الشاعر:
إذا سقط السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابا

[يخطف] الخطف: الأخذ بسرعة ومنه قوله تعالى: (إلا من خطف الخطفة) وسمى الطير خطافا لسرعته، والخاطف الذي يأخذ الشئ بسرعة شديدة.

===============
سبب النزول:
===============
قال ابن عباس: نزلت هذه الآيات فى المنافقين من أمثال "عبد الله بن أبي ابن سلول، ومعتب بن قشير، والجد بن قيس" كانوا إذا لقوا المؤمنين يظهرون الإيمان والتصديق ويقولون: إنا لنجد فى كتابنا نعته وصفته.

===============
التفسير:
===============
[ومن الناس من يقول آمنا بالله] أي ومن الناس فريق يقولون بألسنتهم: صدقنا بالله، وبما أنزل على رسوله من الآيات البينات

[وباليوم الآخر] أي وصدقنا بالبعث والنشور

[وما هم بمؤمنين] أي وما هم على الحقيقة بمصدقين ولا مؤمنين لأنهم يقولون ذلك قولاً دون اعتقاد، وكلاماً دون تصديق. قال البيضاوي: هذا هو القسم الثالث المذبذب بين القسمين، وهم الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، وهم أخبث الكفرة وأبغضهم إلى الله، لأنهم موهوا الكفر، وخلطوا به خداعا واستهزاءً، ولذلك أطال القرآن فى بيان خبثهم وجهلهم، واستهزأ بهم وتهكم بأفعالهم، وسجل عليهم الطغيان والضلال، وضرب لهم الأمثال

[يخادعون الله والذين آمنوا] أي يعملون عمل المخادع، بإظهار ما أظهروه من الإيمان مع إصرارهم على الكفر، يعتقدون – بجهلهم – أنهم يخدعون الله بذلك، وأن ذلك نافعهم عنده، وأنه يروج عليه كما قد يروج على بعض المؤمنين، وما علموا أن الله لا يُخدع، لأنه لا تخفى عليه خافية، قال ابن كثير: النفاق هو إظهار الخير، وإسرار الشر وهو أنواع: (اعتقادي) وهو الذي يخلد صاحبه فى النار، و(عملى) وهو من أكبر الذنوب والأوزار، لأن المنافق يخالف قوله فعله، وسره علانيته، وإنما نزلت صفات المنافقين في (السور المدنية)، لأن مكة لم يكن بها نفاق بل كان خلافه

[وما يخدعون إلا أنفسهم] أي وما يخدعون في الحقيقة إلا أنفسهم لأن وبال فعلهم راجع عليهم

[وما يشعرون] أي ولا يحسون بذلك ولا يفطنون إليه، لتمادى غفلتهم، وتكامل حماقتهم

[في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا] أي فى قلوبهم شك ونفاق، فزادهم الله رجساً فوق رجسهم، وضلالا فوق ضلالهم، والجملة دعائية، قال ابن أسلم: هذا مرض فى الدين، وليس مرضا فى الجسد، وهو الشك الذى دخلهم فى الإسلام، فزادهم الله رجسا وشكا

[ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون] أي ولهم عذاب مؤلم بسبب كذبهم في دعوى الإيمان، واستهزائهم بآيات الرحمن.
ثم شرع تعالى في بيان قبائحهم، وأحوالهم الشنيعة فقال:

[وإذا قيل لهم لا تفسدوا فى الأرض] أي وإذا قال لهم بعض المؤمنين: لا تسعوا في الأرض بالإفساد بإثارة الفتن، والكفر والصد عن سبيل الله، قال ابن مسعود: الفساد فى الأرض الكفر، والعمل بالمعصية، فمن عصى الله فقد أفسد فى الأرض

[قالوا إنما نحن مصلحون] أي ليس شأننا الإفساد أبداً، وإنما نحن أناس مصلحون، نسعى للخير والصلاح، فلا يصح مخاطبتنا بذلك، قال البيضاوي: تصوروا الفساد بصورة الصلاح، لما فى قلوبهم من المرض فكانوا كمن قال الله فيهم (أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا) ولذلك رد الله عليهم أبلغ رد، بتصدير الجملة بحرفي التأكيد [ألا] المنبهة، و[إن] المقررة، وتعريف الخبر، وتوسيط الفصل، والاستدراك بعدم الشعور فقال:

[ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون] أي ألا فانتبهوا أيها الناس، إنهم هم المفسدون حقاً لا غيرهم، ولكن لا يفطنون ولا يحسون، لانطماس نور الإيمان فى قلوبهم

[وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس] أي وإذا قيل للمنافقين: آمنوا إيمانا صادقا، لا يشوبه نفاق ولا رياء، كما آمن أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وأخلصوا فى إيمانكم وطاعتكم لله

[قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء]؟ الهمزة للإنكار مع السخرية والاستهزاء، أي قالوا: أنؤمن كإيمان هؤلاء الجهلة، أمثال "صهيب، وعمار، وبلال" ناقصي العقل والتفكير؟! قال البيضاوي: وإنما سفهوهم لاعتقادهم فساد رأيهم، أو لتحقير شأنهم، فإن أكثر المؤمنين كانوا فقراء، ومنهم موالى كصهيب، وبلال

[ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون] أي ألا إنهم هم السفهاء، حقاً، لأن من ركب متن الباطل، كان سفيهاً بلا امتراء، ولكن لا يعلمون بحالهم فى الضلالة والجهل، وذلك أبلغ فى العمى، والبعد عن الهدى.. أكد ونبه وحصر السفاهة فيهم، ثم قال تعالى منبهاً إلى مصانعتهم ونفاقهم

[وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا] أي وإذا رأوا المؤمنين وصادفوهم، أظهروا لهم الإيمان والموالاة نفاقاً ومصانعة

[وإذا خلوا إلى شياطينهم] أي وإذا انفردوا ورجعوا إلى رؤسائهم وكبرائهم، أهل الضلال والنفاق

[قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون] أي قالوا لهم نحن على دينكم، وعلى مثل ما أنتم عليه من الاعتقاد، وإنما نستهزئ بالقوم ونسخر منهم بإظهار الإيمان، قال تعالى رداً عليهم:

[الله يستهزئ بهم] أي الله يجازيهم على استهزائهم بالإمهال ثم بالنكال.. قال ابن عباس: يسخر بهم للنقمة منهم ويملي لهم كقوله: [وأملي لهم إن كيدي متين] قال ابن كثير: هذا إخبار من الله أنه مجازيهم جزاء الاستهزاء، ومعاقبهم عقوبة الخداع، فأخرج الخبر عن الجزاء مخرج الخبر عن الفعل الذي استحقوا العقاب عليه، فاللفظ متفق والمعنى مختلف ، وإليه وجهوا كل ما في القرآن من نظائر مثل [وجزاء سيئة سيئة مثلها] ومثل [فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه] فالأول ظلم، والثاني عدل

[ويمدهم فى طغيانهم يعمهون] أي ويزيدهم – بطريق الإمهال والترك – فى ضلالهم وكفرهم يتخبطون ويترددون حيارى، لا يجدون إلى المخرج منه سبيلا، لأن الله طبع على قلوبهم وأعمى أبصارهم، فلا يبصرون رشداً، ولا يهتدون سبيلا

[أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى] أي استبدلوا الكفر بالإيمان، وأخذوا الضلالة ودفعوا ثمنها الهدى

[فما ربحت تجارتهم] أي ما ربحت صفقتهم فى هذه المعاوضة والبيع

[وما كانوا مهتدين] أي وما كانوا راشدين فى صنيعهم ذلك، لأنهم خسروا سعادة الدارين.. ثم ضرب تعالى مثلين، وضح فيهما خسارتهم الفادحة فقال:

[مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً] أى مثالهم فى نفاقهم وحالهم العجيبة فيه، كحال شخص أوقد ناراً ليستدفئ بها ويستضئ، فما اتقدت حتى انطفأت، وتركته فى ظلام دامس، وخوف شديد

[فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم] أى فلما انارت المكان الذى حوله فابصر وامن ، واستانس بتلك النار المشعه المضيئه [ذهب الله بنورهم ] اى أطفأها الله بالكلية، فتلاشت النار وعدم النور

[وتركهم فى ظلمات لا يبصرون] أي وأبقاهم فى ظلمات كثيفة، وخوف شديد، يتخبطون فلا يهتدون، قال ابن كثير: ضرب الله للمنافقين هذا المثل، فشبههم فى اشترائهم الضلالة بالهدى، وصيرورتهم بعد البصيرة إلى العمى، بمن استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله وانتفع بها، واستأنس بها وأبصر ما عن يمينه وشماله. فبينما هو كذلك إذ طفئت ناره، وصار فى ظلام شديد، لا يبصر ولا يهتدى، فكذلك هؤلاء المنافقون فى استبدالهم الضلالة عوضاً عن الهدى، واستحبابهم الغي عن الرشد، وفى هذا المثل دلالة على أنهم آمنوا ثم كفروا، ولذلك ذهب الله بنورهم وتركهم فى ظلمات الشك والكفر والنفاق لا يهتدون إلى سبيل خير، ولا يعرفون طريق النجاة

[صم] أي هم كالصم لا يسمعون خيرا

[بكم] أي كالخرس لا يتكلمون بما ينفعهم

[عمى] أى كالعمى لا يبصرون الهدى ولا يتبعون سبيله

[فهم لا يرجعون] أي لا يرجعون عما هم فيه من الغي والضلال.. ثم ثنى تعالى بتمثيل آخر لهم، زيادة فى الكشف والإيضاح فقال:

[أو كصيب من السماء] أي أو مثلهم فى حيرتهم وترددهم كمثل قوم أصابهم مطر شديد، أظلمت له الأرض، وأرعدت له السماء، مصحوب بالبرق والرعد والصواعق

[فيه ظلمات ورعد وبرق] أي فى ذلك السحاب ظلمات داجية، ورعد قاصف، وبرق خاطف

[يجعلون أصابهم فى آذانهم من الصواعق] أي يضعون رؤوس أصابعهم فى آذانهم لدفع خطر الصواعق، وذلك من فرط الدهشة والفزع، كأنهم يظنون أن ذلك ينجيهم

[حذر الموت] أى خشية الموت من تلك الصواعق المدمرة

[والله محيط بالكافرين] جملة اعتراضية أي والله تعالى محيط بهم بقدرته، وهم تحت إرادته ومشيئته لا يفوتونه، كما لا يفوت من أحاط به الأعداء من كل جانب

[يكاد البرق يخطف أبصارهم] أي يقارب البرق لشدته وقوته وكثرة لمعانه، أن يذهب بأبصارهم فيأخذها بسرعة

[كلما أضاء لهم مشوا فيه] أي كلما أنار لهم البرق الطريق مشوا فى ضوئه

[وإذا أظلم عليهم قاموا] أي وإذا اختفى البرق وفتر لمعانه، وقفوا عن السير وثبتوا فى مكانهم.. وفي هذا تصوير لما هم فيه من غاية التحير والجهل، فإذا صادفوا من البرق لمعة – مع خوفهم أن يخطف أبصارهم – انتهزوها فرصة فخطوا خطوات يسيرة، وإذا خفي وفتر لمعانه وقفوا عن السير، وثبتوا فى أماكنهم خشية التردى فى حفرة

[ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم] أي لو أراد الله لزاد فى قصف الرعد، فأصمهم وذهب بأسماعهم، وفى ضوء البرق فأعماهم وذهب بأبصارهم

[إن الله على كل شئ قدير] أي إنه تعالى قادر على كل شئ، لا يعجزه أحد فى الأرض ولا فى السماء، قال ابن جرير: إنما وصف تعالى نفسه بالقدرة على كل شئ فى هذا الموضع، لأنه حذر المنافقين بأسه وسطوته، وأخبرهم أنه بهم محيط، وعلى إذهاب أسماعهم وأبصارهم قادر

MERAMADA
2008-11-29, 06:35 PM
[
بس في حاجة عايز اقولك عليها,,

ان التفسير دا ياريت يكون منقول من كتاب او شيخ او اي مصدر يكون صحيح

باجماع العلماءوذالك لتجنب الشبهات ,,

[/quote]


اخى فى الله لقد ذكرت فى بدايه الموضوع مصدر التفاسير وهو

منقول من كتاب (صفوة التفاسير) وهو تاليف الاستاذ محمد علي الصابوني الاستاذ بكلية الشريعة و الدراسات الاسلامية مكة المكرمة - جامعة الملك عبد العزيز ، دار الصابوني .
وقد وافق علي هذا الكتاب الدكتور عبد الحليم محمود - شيخ الجامع الازهر /الشيخ عبد الله بن حميد - رئيس مجلس القضاء الاعلى - الرئيس العام للاشراف الديني على المسجد الحرام /الشيخ ابي الحسن علي الحسني الندوي - رئيس ندوة العلماء بلكنهو - الهند /الدكتور عبد الله عمر نصيف - مدير جامعة الملك عبد العزيز /الدكتور راشد بن راجح - عميد كلية الشريعة و الدراسات الاسلامية بمكة المكرمة /فضيلة الشيخ عبد الله خياط - خطيب المسجد الحرام /الشيخ محمد الغزالي - رئيس قسم الدعوة واصول الدين بكلية الشريعة بمكة المكرمة /
وشكرا لك على توجيهاتك

Eng.Shapon
2008-11-29, 10:37 PM
اخي العزيز شكرا لتوضيح

وربنا يعينك

MERAMADA
2008-11-29, 11:17 PM
البلاغة:
===============
تضمنت الآيات الكريمة وجوها من البلاغة والبديع نوجزها فيما يلى:

أولا: المبالغة فى تكذيب المنافقين فى دعوى الإيمان [وما هم بمؤمنين] وكان الأصل أن يقول: "وما آمنوا" ليطابق قوله [من يقول آمنا] ولكنه عدل عن الفعل إلى الاسم، لإخراج ذواتهم من عداد المؤمنين، وأكده بالباء للمبالغة فى نفي الإيمان عنهم.

ثانياً: الاستعارة التمثيلية [يخادعون الله] شبه حالهم مع ربهم فى إظهار الإيمان وإخفاء الكفر، بحال رعية تخادع الملك، واستعير اسم المشبه به للمشبه بطريق الاستعارة، أى يعملون عمل المخادع الذى يضحك على نفسه.

ثالثا: صيغة القصر [إنما نحن مصلحون] وهذا من نوع "قصر الموصوف على الصفة" أى نحن مصلحون ليس إلا.

رابعا: الكناية اللطيفة [فى قلوبهم مرض] المرض فى الأجسام حقيقة وقد كنى به عن النفاق لأن المرض فساد للبدن، والنفاق فساد للقلب.

خامسا: تنويع التأكيد [ألا إنهم هم المفسدون] جاءت الجملة مؤكدة بأربع تأكيدات [ألا] التى تفيد التنبيه، و[إن] التى هى للتأكيد، وضمير الفصل [هم] ثم تعريف الخبر [المفسدون] ومثلها فى التأكيد [ألا إنهم هم السفهاء] وهذا رد من الله تعالى بأبلغ رد وأحكمه.

سادسا: المشاكلة
[الله يستهزئ بهم] سمى الجزاء على الاستهزاء استهزاء بطريق (المشاكلة) وهى الاتفاق فى اللفظ، مع الاختلاف فى المعنى.

سابعاً: الاستعارة التصريحية [اشتروا الضلالة بالهدى] المراد استبدلوا الغي بالرشاد، والكفر بالإيمان، فخسرت صفقتهم ولم تربح تجارتهم، فاستعار لفظ الشراء للاستبدال ثم زاده توضيحاً بقوله: [فما ربحت تجارتهم] وهذا هو الترشيح الذى يبلغ بالاستعارة الذروة العليا من البيان.

ثامنا: التشبيه التمثيلى [مثلهم كمثل الذى استوقد نارا] وكذلك فى [أو كصيب من السماء فيه ظلمات] شبه فى المثال الأول المنافق بالمستوقد للنار، وإظهاره الإيمان بالإضاءة، وانقطاع انتفاعه بانطفاء النار، وفى المثال الثانى شبه الإسلام بالمطر، لأن القلوب تحيا به كحياة الأرض بالماء، وشبه شبهات الكفار بالظلمات، وما فى القرآن من الوعد والوعيد بالرعد والبرق... الخ ((قال الفخر الرازي: والتشبيه ههنا فى غاية الصحة، لأنهم بإيمانهم أولا اكتسبوا نورا، ثم بنفاقهم ثانيا أبطلوا ذلك النور، ووقعوا فى حيرة عظيمة، لأنه لا حيرة أعظم من حيرة الدين، لخسران نفسه أبد الآبدين)).

تاسعاً: التشبيه البليغ [صم بكم عمي] أي هم كالصم، وكالبكم وكالعمى، في عدم الاستفادة من هذه الحواس، حذفت أداة التشبيه ووجه الشبه فأصبح بليغا، كقول القائل: هو بدر، وقول الشاعر:
كأنك شمس والملوك كواكب إذا طلعت لم يبد منهم كوكب

عاشرا: المجاز المرسل [يجعلون أصابعهم فى آذانهم] وهو من إطلاق الكل وإرادة الجزء، أى رؤوس أصابعهم، لأن دخول الأصبع كلها فى الأذن لا يمكن، ففيه مجاز بالجزئية.

الحادى عشر: توافق الفواصل مراعاة لرؤوس الآيات، وهذا له وقع فى الأذن حسن، وأثر فى النفس رائع، مثل [بما كانوا يكذبون] [إنما نحن مصلحون] [ويمدهم فى طغيانهم يعمهون] إلخ وهو من المحسنات البديعية.

===============
الفوائد:
===============
الأولى: الغاية من ضرب المثل: تقريب البعيد، وتوضيح الغامض حتى يصبح كالأمر المشاهد المحسوس، وللأمثال تأثير عجيب فى النفس، كما قال تعالى [وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون]

الثانية: وصف تعالى المنافقين فى هذه الآيات بعشرة أوصاف، كلها شنيعة وقبيحة، تدل على رسوخهم فى الضلال وهى (الكذب، الخداع، المكر، السفه، الاستهزاء، الإفساد فى الأرض، الجهل، الضلال، التذبذب، السخرية بالمؤمنين) أعاذنا الله من صفات المنافقين.

الثالثة: حكمة كفه عليه الصلاة والسلام عن قتل المنافقين، مع أنهم كفار وعلمه (ص) بأعيان بعضهم، ما أخرجه البخاري أن النبي (ص) قال لعمر: "أكره أن يحدث العرب أن محمدا يقتل أصحابه

===============
لطيفة:
===============
قال العلامة ابن القيم: تأمل قوله تعالى [ذهب الله بنورهم] ولم يقل: "ذهب الله بنارهم" مع أنه مقتضى السياق ليطابق أول الآية [استوقد نارا] فإن النار فيها إشراق وإحراق، فذهب الله بما فيها من الإشراق وهو "النور" وأبقى ما فيها من الإحراق وهو "النارية"!! وتأمل كيف قال: [بنورهم] ولم يقل بضوئهم، لأن الضوء زيادة فى النور، فلو قيل: (ذهب الله بضوئهم) لأوهم الذهاب بالزيادة فقط دون الأصل!! وتأمل كيف قال: [ذهب الله بنورهم] فوحد النور ثم قال: [وتركهم فى ظلمات] فجمعها، فإن الحق واحد، هو (صراط الله المستقيم)، الذى لا صراط يوصل سواه، بخلاف طرق الباطل، فإنها متعددة ومتشعبة، ولهذا أفرد سبحانه "الحق" وجمع "الباطل" فى آيات عديدة مثل قوله تعالى: [يخرجونهم من الظلمات إلى النور] وقوله: [وجعل الظلمات والنور] وقوله: [وأن هذا صراطى مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله] فجمع سبل الباطل، ووحد سبيل الحق.



###############
قال الله تعالى:
[يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم.. إلى .. وهم فيها خالدون] من آية (21) إلى نهاية آية (25).

###############


===============
المناسبة:
===============
لما ذكر تعالى الأصناف الثلاثة (المؤمنين، والكافرين، والمنافقين) وذكر ما تميزوا به من سعادة أو شقاوة، أو إيمان أو نفاق، وضرب الأمثال، ووضح طرق الضلال، أعقبه هنا بذكر الأدلة والبراهين، على وحدانية رب العالمين، وعرف الناس بنعمه ليشكروه عليها، وأقبل عليهم بالخطاب فقال: [يا أيها الناس] وهو خطاب لجميع الفئات ممتناً عليهم بما خلق ورزق، وأبرز لهم (معجزة القرآن) بأنصع بيان وأوضح برهان، ليقتلع من القلوب جذور الشك والارتياب.

===============
اللغة:
===============
[خلقكم] الخلق: الإيجاد والاختراع بلا مثال، وأصله فى اللغة التقدير، يقال: خلق النعل إذا قدرها وسواها بالمقياس، وخلق الأديم للسقاء إذا قدره، قال الحجاج: "ما خلقت إلا فريت، ولا وعدت إلا وفيت" أى ما قدرت شيئا إلا أمضيته، ولا وعدت بشيء إلا وفيت به.

[فراشا] الفراش: الوطاء والمهاد الذى يقعد عليه الإنسان وينام

[بناء] البناء: ما يبنى من قبة أو خباء أو بيت

[أندادا] جمع ند وهو الكفء والمثيل والنظير، ومنه قول علماء التوحيد "ليس لله ند ولا ضد" قال حسان: أتهجوه ولست له بند فشركما لخيركما الفداء . وقال الزمخشري: "الند: المثل، ولا يقال إلا للمخالف المناوئ"، قال جرير: أتيما تجعلون إليّ ندا؟

[وقودها] الوقود: الحطب الذى توقد به النار، قال القرطبي: الوقود بالفتح الحطب، وبالضم مصدر بمعنى التوقد

[أعدت] هيئت، وأعددنا: هيأنا، قال البيضاوي: [أعدت] هيئت لهم وجعلت عدة لعذابهم

[وبشر] البشارة: الخبر السار الذى يتغير به بشرة الوجه من السرور، وإذا استعمل فى الشر فهو تهكم، مثل [فبشرهم بعذاب أليم]

[أزواج] جمع زوج، ويطلق على الذكر والأنثى

[اسكن أنت وزوجك الجنة] فالمرأة زوج الرجل، والرجل زوج المرأة، قال الأصمعي: لا تكاد العرب تقول زوجة، وإنما يقولون زوج، لكل من الذكر والأنثى

[خالدون] باقون دائمون، لا يخرجون منها.

===============
التفسير:
===============
يقول تعالى منبهاً العباد إلى دلائل القدرة والوحدانية [يا أيها الناس اعبدوا ربكم] أي يا معشر بني أدم اذكروا نعم الله الجليلة عليكم، واعبدوا الله ربكم، الذى رباكم وأنشأكم بعد أن لم تكونوا شيئا، اعبدوه بتوحيده، وشكره، وطاعته

[الذى خلقكم والذين من قبلكم] أي الذي أوجدكم بقدرته من العدم، وخلق من قبلكم من الأمم

[لعلكم تتقون] أي لتكونوا فى زمرة المتقين، الفائزين بالهدى والفلاح، قال البيضاوي: لما عدد تعالى فرق المكلفين، أقبل عليهم بالخطاب على سبيل الالتفات، هزا للسامع، وتنشيطا له، واهتماما بأمر العبادة وتفخيما لشأنها، وإنما كثر النداء فى القرآن بـ [يا أيها] لاستقلاله بأوجه من التأكيد، وكل ما نادى الله له عباده من حيث إنها أمور عظام، من حقها أن يتفطنوا لها، ويقبلوا بقلوبهم عليها وأكثرهم عنها غافلون، حقيق بأن ينادى له بالآكد الأبلغ، ثم عدد تعالى نعمه عليهم فقال

[الذى جعل لكم الأرض فراشا] أي جعلها مهادا وقرارا، تستقرون عليها وتفترشونها كالبساط المفروش مع كرويتها، وإلا ما أمكنكم العيش والاستقرار عليها، قال البيضاوي: جعلها مهيأة لأن يقعدوا ويناموا عليها كالفراش المبسوط، وذلك لا يستدعي كونها مسطحة، لأن (كروية) شكلها مع عظم حجمها، لا يأبى الافتراش عليها

[والسماء بناء] أي سقفا للأرض مرفوعا فوقها، كهيئة القبة والبناء

[وأنزل من السماء ماء] أي مطرا عذباً فراتا، أنزله بقدرته من السحاب

[فأخرج به من الثمرات رزقا لكم] أي فأخرج بذلك المطر، أنواع الثمار والفواكه والخضار غذاء لكم

[فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون] أي فلا تتخذوا معه شركاء من الأصنام والبشر، تشركونهم مع الله فى العبادة، وأنتم تعلمون أنها لا تخلق شيئا ولا ترزق، وأن الله هو الخالق الرازق وحده، ذو القوة المتين، قال ابن كثير: شرع تعالى فى بيان وحدانية ألوهيته بأنه هو المنعم على عبيده بإخراجهم من العدم، وإسباغه عليهم النعم، والمراد بالسماء هنا (السحاب) فهو تعالى الذى أنزل المطر من السحاب فى وقته عند احتياجهم إليه، فأخرج لهم به أنواع الزروع والثمار، رزقاً لهم ولأنعامهم، ومضمونه أنه الخالق الرازق مالك الدار وساكنيها ورازقهم، فبهذا يستحق أن يعبد وحده ولا يشرك به غيره . ثم ذكر تعالى الحجة على النبوة، بعد ذكر أدلة التوحيد، وأقام البرهان على إعجاز القرآن فقال:

[وإن كنتم فى ريب مما نزلنا على عبدنا] أي وإذا كنتم أيها الناس فى شك وارتياب من صدق هذا القرآن، المعجز فى بيانه، وتشريعه، ونظمه، الذي أنزلناه على عبدنا ورسولنا محمد (ص)

[فأتوا بسورة من مثله] أي فأتوا بسورة واحدة من مثل هذا القرآن، في البلاغة والفصاحة والبيان

[وادعوا شهداءكم من دون الله] أي وادعوا أعوانكم وأنصاركم الذين يساعدونكم على معارضة القرآن، غير الله سبحانه، والمراد استعينوا بمن شئتم غيره تعالى. قال البيضاوي: المعنى: ادعوا للمعارضة من حضركم أو رجوتم معونته من إنسكم وجنكم وآلهتكم غير الله سبحانه وتعالى، فإنه لا يقدر أن يأتى بمثله إلا الله

[إن كنتم صادقين] أي أنه مختلق، وأنه من كلام البشر، وجوابه محذوف دل عليه ما قبله

[فإن لم تفعلوا] أي فإن لم تقدروا على الاتيان بمثل سورة من سوره، وعجزتم فى الماضي عن الإتيان بما يساويه أو يدانيه، مع استعانتكم بالفصحاء والعباقرة والبلغاء

[ولن تفعلوا] أي ولن تقدروا فى المستقبل ايضا على ا?تيان بمثله والجمله [ولن تفعلوا] اعتراضيه للاشاره بعجز البشر فى الحاضر والمستقبل كقوله تعالى: [لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا] أي معيناً. قال ابن كثير: تحداهم القرآن، وهم أفصح الأمم ومع هذا عجزوا، و [لن] لنفي التأبيد فى المستقبل أي ولن تفعلوا ذلك أبدا، وهذه أيضا معجزة أخرى، وهو أنه أخبر خبرا جازماً قاطعاً، غير خائف، ولا مشفق، أن هذا القرآن لا يعارض بمثله أبد الآبدين ودهر الداهرين، وكذلك وقع الأمر لم يعارض من لدنه إلى زماننا هذا، ومن تدبر القرآن وجد فيه من وجوه الإعجاز فنونا ظاهرة وخفية، من حيث اللفظ ومن حيث المعنى، والقرآن جميعه فصيح فى غاية نهايات الفصاحة والبيان عند من يعرف كلام العرب، ويفهم تصاريف الكلام

[فاتقوا النار] أي فخافوا عذاب الله، واحذروا نار الجحيم التي جعلها الله جزاء المكذبين

[التي وقودها الناس والحجارة] أي اتقوا النار التي مادتها التى تشعل بها وتضرم لإيقادها هى: الكفار، والأصنام التي عبدوها من دون الله كقوله تعالى: [إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم] قال مجاهد: حجارة من كبريت أنتن من الجيفة يعذبون بها مع النار

[أعدت للكافرين] أي هيئت تلك النار وأرصدت للكافرين الجاحدين، ينالون فيها ألوان العذاب المهين.

للموضوع بقيه

MERAMADA
2008-11-30, 09:21 AM
تنبيه
===============
لما ذكر ما أعده لأعدائه، عطف عليه بذكر ما أعده لأوليائه، على طريقة القرآن فى الجمع بين الترغيب والترهيب، للمقارنة بين حال الأبرار والفجار فقال
[وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات] أي وبشر يا محمد المؤمنين المتقين، الذين كانوا فى الدنيا محسنين، والذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح

[أن لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار] أي بأن لهم حدائق وبساتين ذات أشجار ومساكن، تجري من تحت قصورها ومساكنها أنهار الجنة ((جاء فى الحديث أن أنهار الجنة تجرى في غير أخدود، أي تجري على سطحها وتحت قصورها)).

[كلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً] أي كلما أعطوا عطاء ورزقوا من ثمار الجنة

[قالوا هذا رزقنا من قبل] أي هذا مثل الطعام الذي قدم إلينا قبل هذه المرة. قال المفسرون: إن أهل الجنة يرزقون من ثمارها، تأتيهم به الملائكة، فإذا قدم لهم مرة ثانية قالوا: هذا الذي أتيتمونا به من قبل، فتقول الملائكة: كل يا عبد الله، فاللون واحد والطعم مختلف ((ذهب بعض المفسرين إلى أن معنى قوله: [هذا الذي رزقنا من قبل] أي فى الدنيا، ,هذا قول مرجوح، والصحيح ما روي عن ابن عباس وغيره أن هذا فى الجنة، عندما يقدم لهم الفاكهة مرة ثانية، يقولون: قد جاءنا هذا الرزق من قبل، لأن الكثيرين من فقراء المؤمنين، لم يتنعموا بها فى الدنيا، وليس فى الدنيا مما فى الجنة إلا الأسماء)) قال تعالى

[وأتوا به متشابها] أى متشابها فى الشكل والمنظر، لا فى الطعم والمخبر. قال ابن جرير: يعني فى اللون والمرأى وليس يشبهه فى الطعم. قال ابن عباس: لا يشبه شئ مما فى الجنة ما فى الدنيا إلا فى الأسماء

[ولهم فيها أزواج مطهرة] أي ولهم فى الجنة زوجات من الحور العين، مطهرات من الأقذار والأدناس، الحسية، والمعنوية، قال ابن عباس: مطهرة من القذر والأذى. وقال مجاهد: مطهرة من الحيض والنفاس، والغائط والبول والنخام، وورد أن نساء الدنيا المؤمنات يكن يوم القيامة أجمل من الحور العين كما قال تعالى [إنا أنشأنهن إنشاء فجعلناهن أبكارا عربا أترابا]

[وهم فيها خالدون] أي دائمون، وهذا هو تمام السعادة، فإنهم مع هذا النعيم فى مقام أمين، يعيشون مع زوجاتهم فى هناء خالد لا يعتريه انقطاع، كما قال تعالى: [وما هم منها بمخرجين].

===============
البلاغة:
===============
1- ذكر الربوبية [اعبدوا ربكم] مع إضافته إلى المخاطبين للتفخيم والتعظيم لذات الرب الجليل.

2- الإضافة [على عبدنا] للتشريف والتكريم، وهذا أشرف وصف لرسول الله (ص).

3- التعجيز [فأتوا بسورة] خرج الأمر عن صيغته إلى معنى التعجيز، وتنكير السورة لإرادة العموم والشمول، كأنه قال: أى سورة من القرآن.

4- المقابلة اللطيفة [جعل لكم الأرض فراشا، والسماء بناء] فقد قابل بين الأرض والسماء، والفراش والبناء، وهذا من المحسنات البديعية.

5- الجملة الاعتراضية [ولن تفعلوا] لبيان التحدي فى الماضي والمستقبل، وبيان العجز التام في جميع العصور والأزمان.

6- الإيجاز البديع بذكر الكناية [فاتقوا النار] أي فإن عجزتم فخافوا نار جهنم بتصديقكم بالقرآن، لئلا تعذبوا بنار جهنم.



###############
قال الله تعالى: [إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا.. إلى .. وهو بكل شئ عليم] من آية (26) إلى نهاية آية (29).
###############


===============
المناسبة:
===============
لما بين تعالى بالدليل الساطع، والبرهان القاطع، أن القرآن كلام الله لا يتطرأ إليه شك، وأنه كتاب معجز أنزله الله على خاتم المرسلين، وتحداهم أن يأتوا بمثل سورة من أقصر سوره، ذكر هنا شبهة أوردها الكفار للقدح فيه، وهي أنه جاء فى القرآن ذكر "النحل، والذباب، والعنكبوت، والنمل" إلخ وهذه الأمور لا يليق ذكرها بكلام الفصحاء، فضلا عن كلام رب العالمين، فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة، ورد عليهم بأن صغر هذه الأشياء لا يقدح فى فصاحة القرآن وإعجازه، إذا كان ذكر المثل مشتملا على حكم بالغة.

===============
اللغة:
===============
[لا يستحيي] الحياء: تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به ويذم، والمراد به هنا لازمه وهو الترك، قال الزمخشري: أي لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ترك من يستحيي من ذكرها لحقارتها

[فما فوقها] فما دونها فى الصغر

[الفاسقين] أصل الفسق فى كلام العرب: الخروج عن الشيء، والمنافق فاسق لخروجه عن طاعة ربه، قال الفراء: الفاسق مأخوذ من قولهم فسقت الرطبة من قشرها أى خرجت، ويسمى الفاسق فاسقا لخروجه عن طاعة الله، وتسمى الفأرة فويسقة لخروجها لأجل المضرة.

[ينقضون] النقض: فسخ التركيب وإفساد ما أبرمته من بناء، أو حبل، أو عهد قال تعالى: [ولا تكونوا كالتى نقضت غزلها] وقال [فبما نقضهم ميثاقهم] أي فبنقضهم الميثاق

[عهد] العهد: الموثق الذى يعطيه الإنسان لغيره ويقال عهد إليه أي أوصاه

[الميثاق] العهد المؤكد باليمين وهو أبلغ من العهد.

[استوى] الاستواء في الأصل: الاعتدال والاستقامة يقال: استوى العود إذا قام واعتدل، واستوى إليه كالسهم إذا قصده قصداً مستويا، وقال ثعلب: الاستواء: الإقبال على الشيء.

[فسواهن] خلقهم وأتقنهن وقيل معناه: صيرهن.

===============
سبب النزول:
===============
لما ذكر الله تعالى الذباب والعنكبوت في كتابه العزيز، وضرب للمشركين به المثل، ضحكت اليهود وقالوا: ما يشبه هذا كلام الله، وما أراد بذكر هذه الأشياء الخسيسة؟ فأنزل الله الآية
===============
التفسير:
===============
يقول تعالى فى الرد على مزاعم اليهود والمنافقين [إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما] أي إن الله لا يستنكف ولا يمتنع عن أن يضرب أي مثل كان، بأي شيء كان، صغيراً كان أو كبيرا

[بعوضة فما فوقها] أي سواء كان هذا المثل بالبعوضة، أو بما هو دونها فى الحقارة والصغر، فكما لا يستنكف عن خلقها، كذلك لا يستنكف عن ضرب المثل بها

[فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم ] أي أما المؤمنون فيعلمون أن الله حق، لا يقول غير الحق، وأن هذا المثل من عند الله

[وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا]؟ وأما الذين كفروا فيتعجبون ويقولون: ماذا أراد الله من ضرب الأمثال بمثل هذه الأشياء الحقيرة؟ قال تعالى فى الرد عليهم

[يضل به كثيرا ويهدى به كثير] أي يضل بهذا المثل كثيرا من الكافرين لكفرهم به، ويهدي به كثيرا من المؤمنين لتصديقهم به، فيزيد أولئك ضلالة، وهؤلاء هدى

[وما يضل به إلا الفاسقين] أي ما يضل بهذا المثل أو بهذا القرآن إلا الخارجين عن طاعة الله، الجاحدين لآياته.. ثم عدد تعالى أوصاف هؤلاء الفاسقين فقال

[الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه] أي ينقضون ما عهده إليهم فى الكتب السماوية، من الإيمان بمحمد (ص) بعد توكيده عليهم، أو ينقضون كل عهد وميثاق من الإيمان بالله، والتصديق بالرسل، والعمل بالشرائع

[ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل] من صلة الأرحام والقرابات، واللفظ عام فى كل قطيعة لا يرضاها الله، كقطع الصلة بين الأنبياء، بالإيمان بالبعض، والكفر بالبعض، وقطع الأرحام، وترك موالاة المؤمنين

[ويفسدون في الأرض] بالمعاصي، والفتن، والمنع عن الإيمان، وإثارة الشبهات حول القرآن

[أولئك هم الخاسرون] أي أولئك المذكورون، الموصوفون بتلك الأوصاف القبيحة، هم الخاسرون لأنهم استبدلوا الضلالة بالهدى، والعذاب بالمغفرة، فصاروا الى النار المؤبدة

[كيف تفكرون بالله] استفهام للتوبيخ والإنكار، والمعنى: كيف تجحدون الخالق وتنكرون الصانع؟

[وكنتم أمواتا] أي وقد كنتم فى العدم نطفا فى أصلاب الآباء وأرحام الأمهات

[فأحياكم] أي أخرجكم إلى الدنيا

[ثم يميتكم] عند انقضاء الآجال

[ثم يحييكم] بالبعث من القبور

[ثم إليه ترجعون] للحساب والجزاء يوم النشور.. ثم ذكر تعالى برهانا على البعث فقال

[هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا] أي خلق لكم الأرض وما فيها لتنتفعوا بكل ما فيها، وتعتبروا بأن الله هو الخالق الرازق

[ثم استوى إلى السماء] أي ثم قصد إلى السماء ((قال ابن كثير: والاستواء ههنا متضمن معنى القصد والإقبال، لأنه عدي بـ "إلى")).

[فسواهن سبع سموات] أي صيرهن وقضاهن سبع سموات محكمة البناء، وذلك دليل القدرة الباهرة

[وهو بكل شيء عليم] أي وهو عالم بكل ما خلق وذرأ، أفلا تعتبرون بأن القادر على خلق ذلك – وهى أعظم منكم – قادر على إعادتكم؟ بلى إنه على كل شيء قدير.

===============
البلاغة:
===============
1- قوله [لا يستحيي] من باب إطلاق الملزوم وإرادة اللازم، والمعنى: لا يترك فعبر بالحياء عن الترك، لأن الترك من ثمرات الحياء، ومن استحيا من فعل شيء تركه.

2- قوله [ينقضون عهد الله] فيه (استعارة مكنية) حيث شبه العهد بالحبل، وحذف المشبه به ورمز له بشيء من لوازمه وهو النقض، على سبيل الاستعارة المكنية.

3- قوله [كيف تكفرون بالله] في الآية حسن بيان، فهي من باب (الالتفات) للتوبيخ والتقريع، فقد كان الكلام بصيغة الغيبة، ثم التفت فخاطبهم بصيغة الحضور، وهو ضرب من ضروب البديع.

4- قوله [عليم] من صيغ المبالغة، ومعناه الواسع العلم الذي أحاط علمه بجميع الأشياء، قال أبو حيان: وصف تعالى نفسه بـ (عالم وعليم وعلام) وهذان للمبالغة، وقد أدخلت العرب الهاء لتأكيد المبالغة في (علامة) ولا يجوز وصفه به تعالى، لأن أسماءه توقيفية، حسب النص الشرعي الوارد

la princesse
2008-11-30, 08:50 PM
مجهود رائع وجميل منك
ربنا يجعله فى ميزان حسناتك
وتم التقييم....

MERAMADA
2008-12-01, 06:56 AM
الفوائد:
===============
الأولى: قال الزمخشري: التمثيل إنما يصار إليه لما فيه من كشف المعنى الغامض، ورفع الحجاب عن الغرض المطلوب، فليس العظم والحقارة فى المضروب به المثل إلا أمرا تستدعيه حال المتمثل له، ألا ترى إلى الحق لما كان أبلج اضحا جليا، كيف تمثل له بالضياء والنور؟ وإلى الباطل لما كان بضد صفته كيف تمثل له بالظلمة؟ ولما كان حال الآلهة التى جعلها الكفار أندادا لله تعالى ليس أحقر منها وأقل، لذلك ضرب لها المثل ببيت العنكبوت فى الضعف والوهن
[كمثل العنكبوت اتخذت بيتا] وجعلت أقل من الذباب وأخس قدرا [لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه] والعجب منهم كيف أنكروا ذلك؟ وما زال الناس يضربون الأمثال بالبهائم، والطيور، والحشرات والهوام، وهذه أمثال العرب بين أيديهم سائرة فى حواضرهم وبواديهم.

الثانية: قدم الإضلال على الهداية [يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا] ليكون أول ما يقرع أسماعهم من الجواب أمرا فظيعاً يسوءهم ويفت فى أعضادهم، وأوثرت صيغة الاستقبال إيذاناً بالتجدد والاستمرار، أفاده العلامة أبو السعود.

الثالثة: قال ابن جزي فى التسهيل: وهذه الآية [خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء] تقتضي أنه خلق السماء بعد الأرض، وقوله تعالى: [والأرض بعد ذلك دحاها] ظاهره خلاف ذلك، والجواب من وجهين: أحدهما أن الأرض خلقت قبل السماء، ودحيت بعد ذلك فلا تعارض، والآخر تكون [ثم] لترتيب الأخبار.


###############
قال الله تعالى:
[وإذا قال ربك للملائكة... إلى ... وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون] من آية (30) إلى نهاية آية (33).

###############

===============
المناسبة:
===============
لما امتن تعالى على العباد بنعمة الخلق والإيجاد وأنه سخر لهم ما في الأرض جميعا، وأخرجهم من العدم إلى الوجود، أتبع ذلك ببدء خلقهم، وامتن عليهم بتشريف أبيهم وتكريمه، بجعله خليفة، وإسكانه دار الكرامة، وإسجاد الملائكة تعظيما لشأنه، ولا شك أن الإحسان على الأصل إحسان إلى الفرع، والنعمة على الآباء نعمة على الأبناء، ولهذا ناسب أن يذكرهم بذلك، لأنها من وجوه النعم التي أنعم بها عليهم.

===============
اللغة:
===============
[إذ] ظرف زمان منصوب بفعل محذوف تقديره: أذكر حين أو اذكر وقت، وقد يصرح بالمحذوف كقوله تعالى [واذكروا إذ أنتم قليل] قال المبرد: إذا جاء "إذ" مع مستقبل كان معناه ماضيا نحو قوله [وإذ يمكر بك] معناه إذ مكروا، وإذا جاء "إذا" مع الماضي كان معناه مستقبلا كقوله [فإذا جاءت الطامة] و [إذا جاء نصر الله] أي يجيء.

[خليفة] الخليفة: من يخلف غيره وينوب منابه، (فعيل) بمعنى (فاعل) والتاء للمبالغة، سمي خليفة لأنه مستخلف عن الله عز وجل في إجراء الأحكام وتنفيذ الأوامر الربانية قال تعالى [يا داود إنا جعلناك خليفة فى الأرض] الآية

[يسفك] السفك: الصب والإراقة، ولا يستعمل إلا فى الدم قال فى المصباح: وسفك الدم: أراقه ، وبابه ضرب .

[نسبح] التسبيح: تنزيه الله وتبرئته عن السوء، وأصله من السبح وهو الجري والذهاب قال تعالى: [إن لك فى النهار سبحا طويلا] فالمسبح جار فى تنزيه الله تعالى

[ونقدس] التقديس: التطهير ومنه الأرض المقدسة وروح القدس، وضده التنجيس، وتقديس الله معناه: تمجيده وتعظيمه وتطهير ذكره عما لا يليق به، وفي صحيح مسلم أن رسول الله (ص) كان يقول في ركوعه وسجوده (سبوح قدوس، رب الملائكة والروح)

[أنبئوني] أخبروني، والنبأ: الخبر الهام ذو الفائدة العظيمة قال تعالى: [قل هو نبأ عظيم]

[وتبدون] تظهرون

[تكتمون] تخفون، ومنه كتم العلم أي إخفاؤه.

===============
التفسير:
===============
[وإذا قال ربك للملائكة] أي اذكر يا أيها الرسول واقصص على قومك ذلك

[إني جاعل في الأرض خليفة] أي خالق فى الأرض ومتخذ فيها خليفة، هو آدم أبو البشر، يكون له ذرية ونسل، يخلف بعضهم بعضا، قرنا بعد قرن، وجيلا بعد جيل

[قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها] أي قالوا على سبيل التعجب والاستعلام: كيف تستخلف هؤلاء، وفيهم من يفسد فى الأرض بالمعاصي

[ويسفك الدماء] أي يريق الدماء بالبغي والاعتداء !!

[ونحن نسبح بحمدك] أي ننزهك عما لا يليق بك متلبسين بحمدك

[ونقدس لك] أي نعظم أمرك ونطهر ذكرك مما نسبه أليك الملحدون

[قال إني أعلم ما لا تعلمون] أي أعلم من المصالح ما هو خفي عليكم، ولي حكمة في خلق الخليقة لا تعلمونها

[وعلم آدم الأسماء كلها] أي أسماء المسميات كلها قال ابن عباس: علمه اسم كل شئ حتى القصعة والمغرفة

[ثم عرضهم على الملائكة] أي عرض المسميات على الملائكة وسألهم على سبيل التبكيت

[فقال أنبئوني] أي أخبروني

[بأسماء هؤلاء] أي بأسماء هذه المخلوقات التي ترونها

[إن كنتم صادقين] أي في زعمكم أنكم أحق بالخلافة ممن استخلفته، والحاصل أن الله تعالى أظهر فضل آدم للملائكة بتعليمه ما لم تعلمه الملائكة، وخصه بالمعرفة التامة دونهم، من معرفة الأسماء، والأشياء، والأجناس، واللغات، ولهذا اعترفوا بالعجز والقصور

[قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا] أي ننزهك يا الله عن النقص ونحن لا علم لنا إلا ما علمتنا إياه

[إنك أنت العليم] أي الذي لا تخفى عليه خافية

[الحكيم] الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة والمصلحة

[قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم] أي أعلمهم بالأسماء التى عجزوا عن علمها، واعترفوا بتقاصر هممهم عن بلوغ مرتبتها

[فلما أنبأهم بأسمائهم] أي أخبرهم بكل الأشياء، وسمى كل شئ باسمه، وذكر حكمته التي خلق لها

[قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض] أي قال تعالى للملائكة: ألم أنبئكم بأني أعلم ما غاب فى السموات والأرض عنكم

[وأعلم ما تبدون] أي ما تظهرون

[وما كنت تكتمون] أي تسرون من دعواكم أن الله لا يخلق خلقاً أفضل منكم. روي أنه تعالى لما خلق آدم عليه السلام رأت الملائكة فطرته العجيبة، وقالوا: ليكن ما شاء فلن يخلق ربنا خلقا إلا كنا أكرم عليه منه

===============
البلاغة:
===============
1- التعرض بعنوان الربوبية [وإذ قال ربك] مع الإضافة إلى الرسول عليه السلام للتشريف والتكريم لمقامه، وتقديم الجار والمجرور [للملائكة] للاهتمام بما قدم، والتشويق إلى ما أخر.

2- الأمر في قوله تعالى [أنبئوني] خرج عن حقيقته إلى التعجيز والتبكيت.

3- [فلما أنبأهم بأسمائهم] فيه مجاز بالحذف والتقدير: فأنبأهم بها فلما أنبأهم، حذف لفهم المعنى.

4- [ثم عرضهم] هو من باب التغليب لأن الميم علامة الجمع للعقلاء الذكور، ولو لم يغلب لقال [ثم عرضها] أو عرضهن.

5- إبراز الفعل فى قوله [إني أعلم غيب السموات] ثم قال [وأعلم ما تبدون] للاهتمام بالخبر والتنبيه على إحاطة علمه تعالى بجميع الأشياء، ويسمى هذا بالإطناب.

6- تضمنت آخر هذه الآية من علم البديع ما يسمى بـ "الطباق" وذلك فى كلمتي [تبدون] و[تكتمون] كقوله تعالى عن أصحاب الكهف [وتحسبهم أيقاظا وهم رقود].

===============
الفوائد:
===============
الأولى: قال بعض العلماء: في إخبار الله تعالى للملائكة عن خلق آدم واستخلافه في الأرض، تعليم لعباده المشاورة في أمورهم قبل أن يقدموا عليها.

الثانية: الحكمة من جعل آدم عليه السلام خليفة هي الرحمة بالعباد – لا لافتقار الله – وذلك أن العباد لا طاقة لهم على تلقي الأوامر والنواهي من الله مباشرة، ولا بواسطة ملك، فمن رحمته ولطفه وإحسانه إرسال الرسل من البشر.

الثالثة: قال الحافظ ابن كثير: وقول الملائكة: [أتجعل فيها من يفسد فيها] الآية ليس هذا على وجه الاعتراض على الله، ولا على وجه الحسد لبني آدم، وإنما هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في ذلك، يقولون: ما الحكمة في خلق هؤلاء مع أن منهم من يفسد في الأرض؟ وقال فى التسهيل: وإنما علمت الملائكة أن بني آدم يفسدون بإعلام الله إياهم بذلك، وقيل: كان في الأرض جن فأفسدوا، فبعث الله إليهم ملائكة فقتلتهم، فقاس الملائكة بني آدم عليهم.

الرابعة: سئل الشعبي: هل لإبليس زوجة؟ قال: ذلك عرس لم أشهده؟ قال: ثم قرأت قوله تعالى: [أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني] فعلمت أنه لا يكون له ذرية إلا من زوجة، فقلت: نعم.


###############
قال الله تعالى: [وإذ قلنا لملائكة اسجدوا لآدم .. إلى .. أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون] من آية (34) إلى نهاية آية (39) .
###############


===============
المناسبة:
===============
أشارت الآيات السابقة إلى أن الله تعالى خص آدم عليه السلام بالخلافة، كما خصه بعلم غزير، وقفت الملائكة عاجزة عنه، وأضافت هذه الآيات الكريمة بيان نوع آخر من التكريم أكرمه الله به، ألا وهو أمر الملائكة بالسجود له، وذلك من أظهر وجوه التشريف والتكريم، لهذا النوع البشري، ممثلا في أصل البشرية آدم عليه السلام.

===============
اللغة:
===============
[اسجدوا] أصل السجود: الانحناء لمن يسجد له والتعظيم، وهو في اللغة: التذلل والخضوع، وفي الشرع: وضع الجبهة على الأرض

[إبليس] اسم للشيطان وهو أعجمي، وقيل إنه مشتق من الإبلاس وهو الإياس

[أبى] امتنع، والإباء: الامتناع مع التمكن من الفعل

[استكبر] الاستكبار: التكبر والتعاظم فى النفس

[رغدا] واسعا كثيرا لا عناء فيه، والرغد: سعة العيش، يقال: رغد عيش القوم إذا كانوا في رزق واسع، قال الشاعر:
بينما المرء تراه ناعما يأمن الأحداث في عيش رغد

[فأزلهما] أصله من الزلل وهو عثور القدم يقال: زلت قدمه أي زلقت ثم استعمل في ارتكاب الخطيئة مجازاً، يقال: زل الرجل إذا أخطأ وأتى ما ليس له إتيانه، وأزله غيره: إذا سبب له ذلك

[مستقر] موضع استقرار

[ومتاع] المتاع، ما يتمتع به من المأكول، والمشروب، والملبوس، ونحوه

[فتلقى] التلقي فى الأصل: الاستقبال تقول خرجنا نتلقى الحجيج أي نستقبلهم، ثم استعمل في أخذ الشيء وقبوله، تقول: تلقيت رسالة من فلان أي أخذتها وقبلتها

[فتاب] التوبة فى أصل اللغة: الرجوع، وإذا عديت بعن كان معناها الرجوع عن المعصية، وإذا عديت بعلى كان معناها قبول التوبة، كما هنا [فتاب عليه].

===============
التفسير:
===============
[وإذ قلنا للملائكة] أي اذكر يا أيها الرسول لقومك حين قلنا للملائكة

[اسجدا لآدم] أي سجود (تحية وتعظيم)، لا سجود عبادة

[فسجدوا إلا إبليس] أي سجدوا جميعا له غير إبليس

[أبى واستكبر] أي امتنع مما أمره الله به وتكبر عنه

[وكان من الكافرين] أي صار بإبائه واستكباره من الكافرين، حيث استقبح أمر الله بالسجود لآدم

[وقلنا يا أدم اسكن أنت وزوجك الجنة] أي اسكن في جنة الخلد مع زوجك حواء

[وكلا منها رغدا] أي كلا من ثمار الجنة أكلا رغدا واسعا هنيئا

[حيث شئتما] أي من أي مكان في الجنة أردتما الأكل فيه

[ولا تقربا هذه الشجرة] أي لا تأكلا من هذه الشجرة، قال ابن عباس: هي الكرم يعني العنب

[فتكونا من الظالمين] أي فتصيرا من الذين ظلموا أنفسهم بمعصية الله

[فأزلهما الشيطان عنها] أي أوقعهما فى الزلة بسببها وأغواهما بالأكل منها، هذا إذا كان الضمير عائدا إلى الشجرة، أما إذا كان عائدا إلى الجنة فيكون المعنى: أبعدهما وحولهما من الجنة

[فأخرجهما مما كانا فيه] أي من نعيم الجنة

[وقلنا اهبطوا] أي اهبطوا من الجنة إلى الأرض، والخطاب لآدم وحواء وإبليس

[بعضكم لبعض عدو] أي الشيطان عدو لكم فكونوا أعداء له كقوله سبحانه [إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا]

[ولكم فى الأرض مستقر] أي لكم فى الدنيا موضع استقرار بالإقامة فيها

[ومتاع إلى حين] أي تمتع بنعيهما إلى وقت انقضاء آجالكم

[فتلقى آدم من ربه كلمات] أي استقبل آدم دعوات من ربه ألهمه إياها فدعاه بها وهذه الكلمات مفسرة فى موطن آخر فى سورة الأعراف في قوله جل ذكره [قالا ربنا ظلمنا أنفسنا] الآية

[فتاب عليه] أي قبل ربه توبته

[إنه هو التواب الرحيم] أي إن الله كثير القبول للتوبة، واسع الرحمة للعباد

[قلنا اهبطوا منها جميعا] كرر الأمر بالهبوط للتأكيد، ولبيان أن إقامة آدم وذريته في الأرض لا فى الجنة

[فإما يأتينكم منى هدى] أي رسول أبعثه لكم، وكتاب أنزله عليكم

[فمن تبع هداي] أي من آمن بي وعمل بطاعتي، واتبع رسلى

[فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون] أي لا ينالهم خوف ولا حزن في الآخرة

[والذين كفروا وكذبوا بآياتنا] أي جحدوا بما أنزلت وبما أرسلت

[أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون] أي هم مخلدون في الجحيم أعاذنا الله منه

MERAMADA
2008-12-02, 02:52 PM
===============
البلاغة:
===============
- أولا: صيغة الجمع [وإذ قلنا] للتعظيم وهي معطوفة على قوله: [وإذ قال ربك] وفيه التفات من الغائب إلى المتكلم لتربية المهابة وإظهار الجلالة.

- ثانيا: أفادت الفاء في قوله [فسجدوا] أنهم سارعوا فى الامتثال ولم يتثبطوا فيه، وفي الآية إيجاز بالحذف أي "فسجدوا لآدم" وكذلك [أبى] مفعوله محذوف أي أبى السجود.

- ثالثا: قوله: [ولا تقربا هذه الشجرة] المنهي عنه هو الأكل من ثمار الشجرة، وتعليق النهي بالقرب منها [ولا تقربا] لقصد المبالغة في النهي عن الأكل، إذ النهي عن القرب نهي عن الفعل بطريق أبلغ، كقوله تعالى: [ولا تقربوا الزنى] فنهى عن القرب من الزنى ليقطع الوسيلة إلى ارتكابه، من النظرة، والملامسة، والمصافحة، والخلوة، والمغازلة.. الخ.

- رابعا: التعبير بقوله: [مما كانا فيه] أبلغ فى الدلالة على فخامة الأمر، وكثرة الخيرات مما لو قيل: من النعيم أو الجنة، فإن من أساليب البلاغة في الدلالة على عظم الشيء أن يعبر عنه بلفظ مبهم نحو [مما كانا فيه] لتذهب نفس السامع في تصور عظمته وكماله، إلى أقصى ما يمكنها أن تذهب إليه.

- خامسا: [التواب الرحيم] من صيغ المبالغة أي كثير التوبة واسع الرحمة.

===============
الفوائد:
===============
الأولى: كيف يصبح السجود لغير الله؟ والجواب أن سجود الملائكة لآدم كان للتحية، وكان سجود (تشريف وتكريم)، لا سجود (صلاة وعبادة)، قال الزمخشري: السجود لله تعالى على سبيل العبادة، ولغيره على وجه التكرمة كما سجدت الملائكة لآدم ، ويعقوب وأبناؤه ليوسف عليه السلام.

الثانية: قال بعض الصالحين: سابق العناية لا يؤثر فيه حدوث الجناية، ولا يحط عن رتبة الولاية، فمخالفة آدم التى أوجبت له الإخراج من دار الكرامة، لم تخرجه عن حظيرة القدس، ولم تسلبه رتبة الخلافة، بل أجزل الله له فى العطية فقال: [ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى] وقال الشاعر:
وإذا الحبيب أتى بذنب واحد جاءت محاسنه بألف شفيع

الثالثة: هل كان إبليس من الملائكة؟ الجواب: اختلف المفسرون على قولين: ذهب بعضهم إلى أنه من الملائكة بدليل الاستثناء [فسجدوا إلا إبليس] وقال آخرون: الاستثناء منقطع وإبليس من الجن وليس من الملائكة وإليه ذهب الحسن وقتادة واختاره الزمخشري، قال الحسن البصري: لم يكن إبليس من الملائكة طرفة عين، ونحن نرجح القول الثاني للأدلة الآتية:
-أولا: الملائكة منزهون عن المعصية [لا يعصون الله ما أمرهم] وإبليس قد عصى أمر ربه.
-ثانيا: الملائكة خلقت من نور، وإبليس خلق من نار فطبيعتهما مختلفة.
-ثالثا: الملائكة لا ذرية لهم وإبليس له ذرية [أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني]؟
-رابعا: النص الصريح الواضح فى سورة الكهف على أنه من الجن وهو قوله تعالى: [إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه] وكفى به حجة وبرهانا.
-خامسا: قول الحسن البصري وهو من كبار التابعين: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين، وهذا هو الصحيح، والله أعلم.


###############
قال الله تعالى: [يا بني إسرائيل.. إلى .. واركعوا مع الركعين] من آية (40) إلى نهاية آية (43).
###############


===============
المناسبة:
===============
من بداية هذه الآية إلى آية (142) ورد الكلام عن بني إسرائيل، وقد تحدث القرآن الكريم بالإسهاب عنهم فيما يقرب من جزء كامل، وذلك يدل على عناية القرآن بكشف حقائق اليهود، وإظهار ما انطوت عليه نفوسهم الشريرة، من خبث، وكيد، ومكر، حتى يحذرهم المسلمون، أما وجه المناسبة فإن الله تعالى لما دعا البشر إلى عبادته وتوحيده، وأقام للناس الحجج الواضحة على وحدانيته ووجوده، وذكرهم بما أنعم به على أبيهم آدم عليه السلام، دعا بني إسرائيل خصوصا – وهم اليهود – إلى الإيمان بخاتم الرسل، وتصديقه فيما جاء به عن الله، لأنهم يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراة، وقد تفنن القرآن فى مخاطبتهم، فتارة دعاهم بالملاطفة، وتارة بالتخويف، وتارة بالتذكير بالنعم عليهم وعلى آبائهم، وأخرى بإقامة الحجة والتوبيخ على سوء أعمالهم، وهكذا انتقل من التذكير بالنعم العامة على البشرية، إلى التذكير بالنعم الخاصة على بني إسرائيل.

===============
اللغة:
===============
[إسرائيل] اسم أعجمي ومعناه: عبد الله ، وهو اسم [يعقوب] عليه السلام، والد يوسف الصديق، وإليه ينتسب اليهود، وقد صرح به فى آل عمران [إلا ما حرم إسرائيل على نفسه] الآية

[أوفوا] الوفاء: الإتيان بالشيء على التمام والكمال، يقال أوفى ووفى أي أداه وافيا تاما.

[تلبسوا] اللبس: الخلط، تقول العرب: لبست الشيء بالشيء خلطته، والتبس به اختلط، قال تعالى: [وللبسنا عليهم ما يلبسون] وفي المصباح: لبس الثوب من باب تعب لبسا بضم اللام، ولبست عليه الأمر لبسا من باب ضرب خلطته، والتبس الأمر: أشكل

[الزكاة] مشتقة من زكا الزرع يزكو أي نما، لأن إخراجها يجلب البركة، أو هي من الزكاة أي الطهارة لأنها تطهر المال قال تعالى: [خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها] الأية.

===============
التفسير:
===============
[يا بني إسرائيل] أي يا أولاد النبي الصالح يعقوب

[اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم] اذكروا ما أنعمت به عليكم وعلى أبائكم من نعم لا تعد ولا تحصى

[وأوفوا بعهدي] أي أدوا ما عاهدتموني عليه من الإيمان والطاعة

[أوف بعهدكم] بما عاهدتكم عليه من حسن الثواب

[وإياي فارهبون] أي اخشوني دون غيري

[وآمنوا بما أنزلت] من القرآن العظيم

[مصدقا لما معكم] أي من التوراة فى أمور التوحيد والنبوة

[ولا تكونوا أول كافر به] أي أول من كفر من أهل الكتاب، فحقكم أن تكونوا أول من آمن، وأول المسارعين إلى الإيمان

[ولا تشتروا بآياتى ثمنا قليلا] أي لا تستبدلوا بآياتي البينات التي أنزلتها عليكم حطام الدنيا الفانية

[وإياي فاتقون] أي خافون دون غيرى

[ولا تلبسوا الحق بالباطل] أي لا تخلطوا الحق المنزل من الله، بالباطل الذي تخترعونه، ولا تحرفوا ما فى التوراة بالبهتان الذي تفترونه

[وتكتمون الحق] أي ولا تخفوا ما فى كتابكم من أوصاف محمد (ص)

[وأنتم تعلمون] أنه حق أو حال كونكم عالمين بضرر الكتمان

[وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين] أي أدوا ما وجب عليكم من الصلاة والزكاة، وصلوا مع المصلين بالجماعة، وفي زمرة أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام===============
البلاغة:
===============
أولا: فى إضافة النعمة إليه سبحانه [نعمتي] إشارة إلى عظم قدرها، وسعة برها، وحسن موقعها، لأن الإضافة تفيد التشريف كقوله: [بيت الله] و [ناقة الله].

ثانيا: قوله [ولا تشتروا بآياتي] الشراء هنا على سبيل الاستعارة كما تقدم في قوله: [أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى].

ثالثا: تكرير الحق فى قوله: [تلبسوا الحق] وقوله: [وتكتموا الحق] لزيادة تقبيح المنهي عنه، إذ في التصريح ما ليس فى الضمير من التأكيد، ويسمى هذا (بالإطناب)، وهو من المحسنات البديعية.

رابعا: قوله: [واركعوا مع الراكعين] هو من باب تسمية الكل باسم الجزء أى صلوا مع المصلين، اطلق الركوع وأراد به الصلاة ففيه مجاز مرسل.

خامسا: [وإياي فارهبون] و [إياي فاتقون] تقديم الضمير يفيد الاختصاص.

===============
فائدة:
===============
قال بعض العارفين: عبيد النعم كثيرون، وعبيد المنعم قليلون، فالله تعالى ذكر بني إسرائيل بنعمه عليهم، حتى يعرفوا نعمة المنعم فقال: [اذكروا نعمتي] وأما أمة محمد (ص) فقد ذكرهم بالمنعم فقال: [فاذكروني أذكركم] ليتعرفوا من المنعم على النعمة، وشتان بين الأمرين!!.


###############
قال الله تعالى: [أتأمرون الناس بالبر.. إلى .. ولا هم ينصرون] من آية (44) إلى نهاية آية (48).
###############


===============
اللغة:
===============
[بالبر] البر: عمل الخير والمعروف، ومنه البر والبرية للسعة، وهو اسم جامع لأعمال الخير، ومنه بر الوالدين وهو طاعتهما وفي الحديث "البر لا يبلى والذنب لا ينسى"

[وتنسون]: تتركون والنسيان يأتي بمعنى الترك كقوله تعالى [نسو الله فنسيهم] وهو المراد هنا، ويأتي بمعنى ذهاب الشيء من الذاكرة كقوله: [فنسي ولم نجد له عزما]

[تتلون]: تقرءون وتدرسون

[الخاشعين] الخاشع: المتواضع وأصله من الاستكانة والذل، قال الزجاج، الخاشع الذي يرى أثر الذل والخشوع عليه، وخشعت الأصوات: سكنت

[يظنون] الظن هنا بمعنى اليقين لا الشك، وهو من الأضداد، قال أبو عبيدة: العرب تقول لليقين ظن، وللشك ظن وقد كثر استعمال الظن بمعنى اليقين ومنه [إنى ظننت أنى ملاق حسابيه] [فظنوا أنهم مواقعوها]، أي أيقنوا وتحققوا من دخول الجحيم.

[شفاعة] الشفاعة مأخوذة من الشفع ضد الوتر، وهي ضم غيرك إلى جاهك ووسيلتك، ولهذا سميت شفاعة، فهي إذا إظهار لمنزلة الشفيع عند المشفع

[عدل] بفتح العين فداء، وبكسرها معناه: المثل، يقال: عدل وعديل للذي يماثلك.

===============
المناسبة:
===============
لا تزال الآيات تتحدث عن بني إسرائيل، وفي هذه الآيات ذم وتوبيخ لهم على سوء صنيعهم، حيث كانوا يأمرون بالخير ولا يفعلونه، ويدعون الناس إلى الهدى والرشاد ولا يتبعونه.

===============
سبب النزول:
===============
نزلت هذه الآية في بعض علماء اليهود، كانوا يقولون لأقربائهم الذين أسلموا: اثبتوا على دين محمد فإنه حق، فكانوا يأمرون الناس بالإيمان ولا يفعلونه.

===============
التفسير:
===============
يخاطب الله أحبار اليهود فيقول لهم على سبيل التقريع والتوبيخ [أتأمرون الناس بالبر] أي أتدعون الناس إلى الخير، وإلى الإيمان بمحمد (ص)

[وتنسون أنفسكم] أي تتركونها فلا تؤمنون ولا تفعلون الخير

[وأنتم تتلون الكتاب] أي حال كونكم تقرءون التوراة، وفيها صفة ونعت محمد عليه الصلاة والسلام

[أفلا تعقلون] أي أفلا تفطنون وتفقهون أن ذلك قبيح؟ فترجعون عنه؟! ثم بين لهم تعالى طريق التغلب على الأهواء والشهوات، والتخلص من حب الرياسة وسلطان المال فقال:

[واستعينوا] أي اطلبوا المعونة على أموركم كلها

[بالصبر والصلاة] أي بتحمل ما يشق على النفس من تكاليف شرعية، وبالصلاة التى هي عماد الدين

[وإنها] أي الصلاة

[لكبيرة] أي شاقة وثقيلة

[إلا على الخاشعين] أي المتواضعين المستكينين، الخاضعين لأمر الله، الذين صفت نفوسهم لله

[الذين يظنون] أي يعتقدون اعتقادا جازما لا يخالطه شك

[أنهم ملاقوا ربهم] أي سيلقون ربهم يوم البعث فيحاسبهم على أعمالهم

[وأنهم إليه راجعون] أي معادهم إليه يوم الدين !! ثم ذكرهم تعالى بنعمه وآلائه العديدة مرة أخرى فقال:

[يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم] بالشكر عليها بطاعتي

[وأني فضلتكم] أي فضلت آباءكم

[على العالمين] أي عالمي زمانهم، بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وجعلهم سادة وملوكاً، وتفضيل الآباء شرف للأبناء

[واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا] أي خافوا ذلك اليوم الرهيب، الذي لا تقضي نفس عن أخرى شيئا من الحقوق

[ولا يقبل منها شفاعة] أي لا تقبل شفاعة فى نفس كافرة بالله أبدا

[ولا يؤخذ منها عدل] أي لا يقبل منها فداء

[ولا هم ينصرون] أي ليس لهم من يمنعهم وينجيهم من عذاب الله.

===============
البلاغة:
===============
أولا: [أتأمرون] الاستفهام خرج عن حقيقته إلى معنى التوبيخ والتقريع.

ثانيا: أتى بالمضارع [أتأمرون] وإن كان قد وقع ذلك منهم، لأن صيغة المضارع تفيد التجدد والحدوث، وعبر عن ترك فعلهم بالنسيان [وتنسون أنفسكم] مبالغة فى الترك، فكأنه لا يجري لهم على بال، وعلقه بالأنفس توكيدا للمبالغة في الغفلة المفرطة، ولا يخفى ما في الجملة الحالية [وأنتم تتلون الكتاب] من التبكيت والتقريع والتوبيخ، على سوء الفعل والصنيع!!

ثالثا: [وأني فضلتكم على العالمين] هو من باب عطف الخاص على العام لبيان الكمال، لأن النعمة اندرج تحتها التفضيل المذكور، فلما قال: [اذكروا نعمتي] عم جميع النعم فلما عطف [وأني فضلتكم] كان من باب عطف الخاص على العام، اعتناء بشأن الخاص، لأنه نعمة أكبر.

رابعاً: [واتقوا يوما] التنكير للتهويل أي يوما شديد الهول، وتنكير النفس [نفس عن نفس] ليفيد العموم والإقناط الكلي

MERAMADA
2008-12-04, 01:49 AM
===============
الفوائد:
===============
الفائدة الأولى: قال القرطبي: إنما خص الصلاة بالذكر من بين سائر العبادات، تنويهاً بذكرها، وقد كان عليه السلام إذا حز به أمر (أغمه) فزع إلى الصلاة، وكان يقول (أرحنا بها يا بلال).

الثانية: قال علي كرم الله وجهه: "قصم ظهري رجلان: عالم متهتك، وجاهل متنسك" ومن دعا غيره إلى الهدى ولم يعمل به، كان كالسراج يضئ للناس ويحرق نفسه، قال الشاعر:
إبدأ بنفسك فانهها عن غيهــا فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك يقبل إن وعظت ويقتدى بالرأي منك وينفع التعليم
وقال أبو العتاهية: وصفت التقى حتى كأنك ذو تقى وريح الخطايا من ثيابك تسطع
وقال آخر: وغير تقي يأمر الناس بالتقى طبيب يداوى الناس وهو عليل


###############
قال الله تعالى: [وإذ نجيناكم من آل فرعون.. إلى .. إنه هو التواب الرحيم] من آية (49) غلى نهاية آية (54).
###############


===============
المناسبة:
===============
لما قدم تعالى ذكر نعمه على بني إسرائيل إجمالاً، بين بعد ذلك أقسام تلك النعم على سبيل التفصيل، ليكون أبلغ فى التذكير، وأدعى إلى الشكر، فكأنه قال: اذكروا نعمتي، واذكروا إذ نجيناكم من آل فرعون، واذكروا إذ فرقنا بكم البحر.. إلى آخره، وكل هذه النعم تستدعي شكر المنعم جل وعلا، لا كفرانه وعصيانه!!

===============
اللغة:
===============
[آل فرعون] أصل "آل" أهل، ولذلك يصغر بأهيل، فأبدلت هاؤه ألفا، وخص استعماله بأولي الخطر والشأن كالملوك وأشباههم، فلا يقال آل الإسكاف والحجام، و [فرعون] علم لمن ملك العمالقة، كقيصر لملك الروم وكسرى لملك الفرس، ولعتوا الفراعنة اشتقوا منه "تفرعن": إذا عتا وتجبر

[يسومونكم] يذيقونكم من سامه إذا أذاقه وأولاه، قال الطبري: يوردونكم ويذيقونكم.

[يستحيون] يستبقون الإناث على قيد الحياة

[بلاء] اختبار ومحنة، ويستعمل في الخير والشر كما قال تعالى: [ونبلوكم بالشر والخير فتنة]

[فرقنا] الفرق: الفصل والتمييز، ومنه قوله سبحانه [وقرآنا فرقناه] أي فصلناه وميزناه بالبيان

[بارئكم] الباري هو الخالق للشئ على غير مثال سابق، والبرية: الخلق.

===============
التفسير:
===============
[وإذ نجيناكم] أي اذكروا يا بني إسرائيل نعمتي عليكم حين نجيت آباءكم

[من آل فرعون] أي من بطش فرعون وأشياعه العتاة، والخطاب للأبناء المعاصرين للنبى (ص)، لأن النعمة على الآباء نعمة على الأبناء

[يسومونكم سوء العذاب] أي يولونكم ويذيقونكم أشد العذاب وأفظعه

[يذبحون أبناءكم] أي يذبحون الذكور من الأولاد

[ويستحيون نساءكم] أي يستبقون الإناث على قيد الحياة للخدمة

[وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم] أي فيما ذكر من العذاب المهين، من الذبح والاستحياء، محنة واختبار عظيم لكم من جهته تعالى، بتسليطهم عليكم، ليتميز البر من الفاجر

[وإذ فرقنا بكم البحر] أي اذكروا أيضا إذ فلقنا لكم البحر، وصار لكم فيه طرق عديدة، فمشيتم عليها

[فأنجينا كم وأغرقنا آل فرعون] أي نجيناكم من الغرق، وأغرقنا فرعون وقومه الطغاة المتجبرين

[وأنتم تنظرون] أي وأنتم تشاهدون ذلك، فقد كان إغراقهم آية باهرة من آيات الله، وعبرة للمعتبرين في إنجاء أوليائه وإهلاك أعدائه

[وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة] أي وعدنا موسى أن نعطيه التوراة بعد أربعين ليلة، وكان ذلك بعد نجاتكم وإهلاك فرعون

[ثم اتخذتم العجل] أي عبدتم العجل

[من بعده] أي بعد غيبته عنكم، حين ذهب لميقات ربه

[وأنتم ظالمون] أي معتدون فى تلك العبادة ظالمون لأنفسكم

[ثم عفونا عنكم] أي تجاوزنا عن تلك الجريمة الشنيعة

[من بعد ذلك] أي من بعد ذلك الاتخاذ المتناهي فى القبح

[لعلكم تشكرون] أي لكي تشكروا نعمة الله عليكم، وتستمروا بعد ذلك على الطاعة

[وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان] أي واذكروا نعمتي أيضا حين أعطيت موسى (التوراة) الفارقة بين الحق والباطل، وأيدته بالمعجزات

[لعلكم تهتدون] أي لكي تهتدوا بالتدبر فيها، والعمل بمقتضى ما فيها من أحكام، شرعها الله لسعادتكم وفلاحكم! ثم بين تعالى كيفية وقوع العفو المذكور فى الآية السابقة [ثم عفونا عنكم] بقوله:

[وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم] أي اذكروا حين قال موسى لقومه، بعدما رجع من الموعد الذى وعده ربه، فرآهم قد عبدوا العجل: يا قوم لقد ظلمتم أنفسكم

[باتخاذكم العجل] أي بعبادتكم للعجل

[فتوبوا إلى بارئكم] أي توبوا إلى من خلقكم بريئا من العيب والنقصان

[فاقتلوا أنفسكم] أي ليقتل البريء منكم المجرم

[ذلكم] أي القتل

[خير لكم عند بارئكم] أي رضاكم بحكم الله ونزولكم عند أمره، خير لكم عند الخالق العظيم

[فتاب عليكم] أي قبل توبتكم

[إنه هو التواب الرحيم] أي عظيم المغرفة، واسع التوبة.

===============
البلاغة:
===============
أولا: قال ابن جزي: [يسومونكم سوء العذاب] أي يلزمونكم به وهو استعارة من السوم في البيع، وفسر سوء العذاب بقوله: [يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم] ولذلك لم يعطفه هنا بالواو، وعطفه في إبراهيم [ويذبحون أبناءكم] لأنه هناك نوع العذاب، أي أنه نوع آخر غير الذبح.

ثانيا: التنكير في كل من [بلاء] و [عظيم] للتفخيم والتهويل.

ثالثا: صيغة المفاعلة في قوله: [وإذ واعدنا] ليست على بابها، لأنها لا تفيد المشاركة من الطرفين، وإنما هي بمعنى الثلاثي [وإذ وعدنا].

رابعاً: قال أبو السعود: [فتوبوا إلى بارئكم] التعرض بذكر البارئ للإشعار بأنهم بلغوا من الجهالة أقصاها، ومن الغواية منتهاها، حيث تركوا عبادة العليم الحكيم، الذي خلقهم بلطيف حكمته، إلى عبادة البقر الذي هو مثل فى الغباوة.. أقول: لا عجب فى ذلك، فالجنس يألفه الجنس.

===============
الفوائد:
===============
الأولى: العطف فى قوله: [الكتاب والفرقان] هو من باب عطف الصفات بعضها على بعض، لأن الكتاب هو التوراة، والفرقان هو التوراة أيضا، وحسن العطف لكون معناه أنه أتاه إياه جامعاً بين كونه كتابا منزلا وفرقانا يفرق بين الحق والباطل.

الثانية: سبب تقتيل الذكور من بنى إسرائيل ما رواه المفسرون (أن فرعون رأى فى منامه كأن نارا أقبلت من بيت المقدس، وأحاطت بمصر، وأحرقت كل قبطي بها، ولم تتعرض لبني إسرائيل، فهاله ذلك وسأل الكهنة عن رؤياه فقالوا: يولد في بني إسرائيل غلام يكون هلاكك وزوال ملكك على يده، فأمر فرعون بقتل كل غلام يولد في بني إسرائيل.

الثالثة: قال القشيري: من صبر في الله، على قضاء الله، عوضه الله صحبة أوليائه الصالحين، هؤلاء بنو إسرائيل، صبروا على مقاساة الضر من فرعون وقومه، فجعل الباري منهم أنبياء، وجعل منهم ملوكا وآتاهم ما لم يؤت أحدا من العالمين.


###############
قال الله تعالى: [وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهة.. إلى .. بما كانوا يفسقون] من آية (55) إلى نهاية آية (59).
###############


===============
المناسبة:
===============
بعد أن ذكرهم تعالى بالنعم، بين لونا من ألوان طغيانهم وجحودهم، وتبديلهم لأوامر الله، وهم مع الكفر والعصيان، يعاملون باللطف والإحسان، فما أقبحهم من أمة وما أخزاهم !! قال الطبري: لما تاب بنو إسرائيل من عبادة العجل، أمر الله تعالى موسى أن يختار من قومه رجالا، يعتذرون إليه من عبادتهم العجل، فاختار موسى سبعين رجلا من خيارهم كما قال تعالى: [واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا] وقال لهم: صوموا وتطهروا، وطهروا ثيابكم ففعلوا، وخرج بهم إلى "طور سيناء" فقالوا لموسى: اطلب لنا أن نسمع كلام ربنا فقال: أفعل، فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه الغمام، حتى تغشى الجبل كله، ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودا، فسمعوا الله يكلم موسى يأمره وينهاه، فلما انكشف عن موسى الغمام، أقبل إليهم فقالوا لموسى مقالتهم الشنيعة [لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة

MERAMADA
2008-12-04, 01:57 AM
==============
اللغة:
==============
[جهرة] علانية، وأصل الجهر: الظهور، ومنه الجهر بالقراءة والجهر بالمعاصي يعني المظاهرة بها، تقول: رأيت الأمير جهاراً أي غير مستتر بشئ، وقال ابن عباس: جهرة: عيانا،

[الصاعقة] صيحة العذاب أو هي نار محرقة

[بعثناكم] أحييناكم، قال الطبري: وأصل البعث: إثارة الشيء من محله

[الغمام] جمع غمامه كسحابة وسحاب، وزنا ومعنى، لأنها تغم السماء أي تسترها، وكل مغطى فهو مغموم، وغم الهلال: إذا غطاه الغيم فلم ير.

[حطة]: مصدر أي حط عنا ذنوبنا، وهي كلمة استغفار ومعناها: اغفر خطايانا.

[رجزا] عذابا ومنه [لئن كشفت عنا الرجز] أي العذاب

[يفسقون] الفسق: الخروج من الطاعة.

===============
التفسير:
===============
[وإذ قلتم يا موسى] أي اذكروا يا بني إسرائيل، حين خرجتم مع موسى، لتعتذروا إلى الله من عبادة العجل، فقلتم

[لن نؤمن لك] أي لن نصدق لك بأن ما نسمعه كلام الله

[حتى نرى الله جهرة] أي حتى نرى الله علانية

[فأخذتكم الصاعقة] أي أرسل الله عليهم نارا من السماء فأحرقهم بها

[وأنتم تنظرون] أي ما حل بكم، حيث كان يموت الواحد أمام الآخر.. ثم لما ماتوا قام موسى يبكي ويدعو الله ويقول: رب ماذا أقول لبني إسرائيل وقد أهلكت خيارهم!؟ وما زال يدعو ربه حتى أحياهم الله له، قال تعالى:

[ثم بعثناكم من بعد موتكم] أي أحييناكم بعد أن مكثتم ميتين يوما وليلة، فقاموا وعاشوا ينظر بعضهم إلى بعض كيف يحيون

[لعلكم تشكرون] أي لتشكروا الله على إنعامه عليكم، بالبعث بعد الموت، وقد رأيتم هذه الآية الباهرة بأعينكم. ثم ذكرهم تعالى بنعمته عليهم وهم فى الصحراء، في أرض التيه، لما امتنعوا من دخول مدينة (الجبارين) وقتالهم، وقال لموسى [اذهب أنت وربك فقاتلا] فعوقبوا على ذلك بالضياع أربعين سنة، يتيهون في الأرض، ثم قال تعالى:

[وظللنا عليكم الغمام] أي سترناكم بالسحاب من حر الشمس، وجعلناه عليكم كالظلة

[وأنزلنا عليكم المن والسلوى] أي أنعمنا عليكم بأنواع من الطعام والشراب، من غير كد ولا تعب، والمن كان ينزل عليهم مثل العسل، فيمزجونه بالماء ثم يشربونه، والسلوى: طير يشبه "السماني" لذيذ الطعم كرامة من الله لهم

[كلوا من طيبات ما رزقناكم] أي وقلنا لهم كلوا من لذائذ نعم الله

[وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون] أي أنهم كفروا هذه النعم الجليلة، وما ظلمونا ولكن ظلموا أنفسهم، لأن وبال العصيان راجع عليهم

[وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية] أي واذكروا أيضا نعمتى عليكم، حين قلنا لكم بعد خروجكم من التيه، ادخلوا بلدة بيت المقدس

[فكلوا منها حيث شئتم رغدا] أي كلوا منها أكلا واسعا هنيئا من حيث أردتم

[وادخلوا الباب سجدا] أي وادخلوا باب القرية، ساجدين لله، شكرا على خلاصكم من التيه

[وقولوا حطة] أي قولوا يا ربنا حط عنا ذنوبنا واغفر لنا خطايانا

[نغفر لكم خطاياكم] أي نمح عنكم ذنوبكم، ونكفر سيئاتكم

[وسنزيد المحسنين] أي نزيد من أحسن إحسانا، بالثواب العظيم، والأجر الجزيل

[فبدل الذين ظلموا] أي غير الظالمون أمر الله فقالوا:

[قولا غير الذي قيل لهم] حيث دخلوا يزحفون على أستاهم أعنى "أدبارهم" وقالوا على سبيل السخرية والاستهزاء: "حبة فى شعيرة" وسخروا من أوامر الله

[فأنزلنا على الذين ظلموا رجزاً من السماء] أي أنزلنا عليهم طاعونا وبلاء

[بما كانوا يفسقون] أي بسبب عصيانهم وخروجهم عن طاعة الله !! روي أنه مات بالطاعون في ساعة واحدة منهم سبعون ألفا، وكان ذلك عقوبة لهم على إجرامهم.

===============
البلاغة:
===============
أولا: إنما قيد البعث بعد الموت [ثم بعثناكم من بعد موتكم] لزيادة التأكيد على أنه موت حقيقي، ولدفع ما عساه يتوهم أن بعثهم كان بعد إغماء أو بعد نوم.

ثانيا: في الآية إيجاز بالحذف في قوله: [كلوا] أي قلنا لهم كلوا وفي قوله: [وما ظلمونا] تقديره فظلموا أنفسهم بأن كفروا وما ظلمونا بذلك، دل على هذا الحذف قوله: [ولكن كانوا أنفسهم يظلمون] والجمع بين صيغتى الماضي والمضارع [ظلمونا] و [يظلمون] للدلالة على تماديهم في الظلم واستمرارهم على الكفر.

ثالثا: وضع الظاهر مكان الضمير في قوله [فأنزلنا على الذين ظلموا] ولم يقل "فأنزلنا عليهم" لزيادة التقبيح، والمبالغة في الذم والتقريع، وتنكير [رجزا] للتهويل والتفخيم.

===============
تنبيه:
===============
قال الرغب: تخصيص قوله: [رجزا من السماء] هو أن العذاب ضربان: ضرب قد يمكن دفاعه، وهو كل عذاب جاء على يد آدمي، أو من جهة المخلوقات كالهدم والغرق، وضرب لا يمكن دفاعه بقوة آدمي كالطاعون والصاعقة والموت وهو المراد بقوله: [رجزا من السماء].


###############
قال الله تعالى: [وإذ استسقى موسى لقومه .. إلى .. ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون] من آية (60) إلى نهاية آية (62).
###############


===============
المناسبة:
===============
لا تزال الآيات تعدد النعم على بني إسرائيل، وهذه إحدى النعم العظيمة عليهم، حين كانوا فى التيه، وعطشوا عطشا شديداً كادوا يهلكون معه، فدعا موسى ربه أن يغيثهم، فأوحى الله إليه أن يضرب بعصاه الحجر، فتفجرت منه عيون بقدر قبائلهم، وكانوا اثنتى عشرة قبيلة، فجرى لكل منهم جدول خاص، يأخذون منه حاجتهم لا يشاركهم فيه غيرهم، وكان موضوع السقيا آية باهرة، ومعجزة ظاهرة لسيدنا موسى عليه السلام، ومع ذلك كفروا وجحدوا.

===============
اللغة:
===============
[استسقى] طلب السقيا لقومه لأن السين والتاء للطلب مثل: استنصر واستخبر، قال أبو حيان: الاستسقاء: طلب الماء عند عدمه، أو قلته، ومفعوله محذوف أي استسقى موسى ربه.

[فانفجرت] الانفجار: الانشقاق ومنه سمي الفجر لانشقاق ضوئه، وانفجر وانبجس بمعنى واحد قال تعالى: [فانبجست منه] .

[مشربهم] جهة وموضع الشرب

[تعثوا] العيث: شدة الفساد، يقال: عثي يعثى، وعثا يعثو إذا أفسد فهو عاث، قال الطبري: معناه تطغوا وأصله شدة الإفساد

[فومها] الفوم: الثوم، وقيل: الحنطة

[أتستبدلون] الاستبدال: ترك شيء لآخر وأخذ غيره مكانه

[أدنى] أخس وأحقر، يقال رجل دنيء إذا كان يتتبع الخسائس

[الذلة] الذل والهوان والحقارة

[والمسكنة] الفاقة والخشوع مأخوذة من السكون، لأم المسكين قليل الحركة لما به من الفقر

[باءوا] رجعوا وانصرفوا قال الرازي: ولا يقال باء إلا إذا كان بشر

[يعتدون] الاعتداء: تجاوز الحد فى كل شيء، واشتهر فى الظلم والمعاصي.

===============
التفسير:
===============
[وإذ استسقى موسى لقومه] أي اذكروا يا بني إسرائيل حين طلب موسى السقيا لقومه، وقد عطشوا فى التيه

[فقلنا اضرب بعصاك الحجر] أي اضرب أي حجر كان، تتفجر بقدرتنا العيون منه

[فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا] أي فضرب فتدفق الماء منه بقوة، وخرجت منه اثنتا عشرة عينا بقدر قبائلهم

[قد علم كل أناس مشربهم] أي علمت كل قبيلة مكان شربها لئلا يتنازعوا

[كلوا واشربوا من رزق الله] أي قلنا لهم: كلوا من المن والسلوى، واشربوا من هذا الماء، من غير كد منكم ولا تعب، بل هو من خالص إنعام الله وفضله

[ولا تعثوا ي الأرض مفسدين] أي ولا تطغوا فى الأرض بأنواع البغي والفساد.

[وإذ قلتم يا موسى] أي اذكروا يا بني إسرائيل حين قلتم لنبيكم موسى، وأنتم في الصحراء تأكلون من المن والسلوى

[لن نصبر على طعام واحد] أي على نوع واحد من الطعام، وهو "المن والسلوى"

[فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض] أي ادع الله أن يرزقنا غير ذلك الطعام، فقد سئمنا المن والسلوى، وكرهناه ونريد ما تخرجه الأرض من الحبوب والبقول

[من بقلها] من خضرتها كالنعناع والكرفس والكراث

[وقثائها] يعني القتة التي تشبه الخيار

[وفومها] أي الثوم

[وعدسها وبصلها] أي العدس والبصل المعروفين

[قال أتستبدلون الذى هو أدنى بالذي هو خير] أي قال لهم موسى منكرا عليهم: ويحكم أتستبدلون الخسيس بالنفيس؟ وتفضلون البصل والبقل والثوم، على المن والسلوى؟

[اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم] أي ادخلوا مصرا من الأمصار، وبلدا من البلدان أيا كان لتجدوا فيه مثل هذه الأشياء !! ثم قال تعالى منبهاً على ضلالهم وفسادهم، وبغيهم وعدوانهم

[وضربت عليهم الذلة والمسكنة] أي لزمهم الذل والهوان، وضرب عليهم الصغار والخزي الأبدي، لا يفارقهم مدى الحياة

[وباءوا بغضب من الله] أي انصرفوا ورجعوا بالغضب، والسخط الشديد من الله

[ذلك] أي ما نالوه من الذل والهوان والسخط والغضب، بسبب ما اقترفوه من الجرائم الشنيعة

[بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق] أي بسبب كفرهم بآيات الله، جحودا واستكبارا، وقتلهم رسل الله ظلماً وعدوانا

[ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون] أي بسبب عصيانهم وطغيانهم، وتمردهم على أحكام الله. ثم دعا تعالى أصحاب الملل والنحل (المؤمنين، واليهود، والنصارى، والصابئين) إلى الإيمان الصادق وإخلاص العمل لله، وساقه بصيغة الخبر فقال :

[إن الذين آمنوا] أي المؤمنون أتباع محمد (ص)

[والذين هادوا] اليهود أتباع موسى

[والنصارى] أتباع عيسى

[والصابئين] قوم عدلوا عن اليهودية والنصرانية وعبدوا الملائكة

[من آمن بالله واليوم الآخر] أي من آمن من هذه الطوائف إيماناً صادقا، فصدق بالله، وأيقن بالآخرة

[وعمل صالحا] أي عمل بطاعة الله في دار الدنيا

[فلهم أجرهم عند ربهم] أي لهم ثوابهم عند الله، لا يضيع منه مثقال ذرة

[ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون] أي ليس على هؤلاء المؤمنين خوف في الآخرة، حين يخاف الكفار من العقاب، ولا حزن وتفجع حين يحزن المقصرون على تضييع العمر وتفويت الثواب

MERAMADA
2008-12-04, 02:15 AM
===============
البلاغة:
===============
أولا: في إضافة الرزق إلى الله تعالى [كلوا واشربوا من رزق الله] تعظيم للمنة والإنعام، وإيماء إلى أنه رزق حاصل من غير تعب ولا مشقة.

ثانيا: في التصريح بذرك الأرض [ولا تعثوا في الأرض] مبالغة فى تقبيح الفساد وقوله: [مفسدين] حال مؤكدة، ووجه فصاحة هذا الأسلوب، أن المتكلم قد تشتد عنايته، ومن مظاهر هذه العناية التوكيد، فقوله: (مفسدين) يكسو النهي عن الفساد قوة، ويجعله بعيدا من أن يغفل عنه أو ينسى.

ثالثا: قوله تعالى: [مما تنبت الأرض] المنبت الحقيقي هو الله سبحانه ففيه مجاز يسمى (المجاز العقلي) وعلاقته السببية، لأن الأرض لما كانت سببا للنبات أسند إليها، كما يقال: بنى الملك البلدة، لأنه أمر ببنائها.

رابعا: قوله: [وضربت عليهم الذلة والمسكنة] كناية عن إحاطتهما بهم كما تحيط القبة بمن ضربت عليه كما قال الشاعر:
إن السماحة والمروءة والندى في قبة ضربت على ابن الحشرج

خامساً: تقييد قتل الأنبياء بقوله: [بغير الحق] مع أن قتلهم لا يكون بحق البتة، إنما هو لزيادة التشنيع بقبح عدوانهم.

===============
الفوائد:
===============
الأولى: حكى المفسرون أقوالاً كثيرة فى الحجر الذي ضربه موسى فجرت منه العيون ما هو؟ وكيف وصفه؟ والذي يكفي في فهم معنى الآية، أن واقعة (انفجار الماء) إنما كان على وجه "المعجزة" وأن الحجر الذى ضربه موسى كان من الصخر الأصم الذى ليس من شأنه الانفجار بالماء، وهنا تكون المعجزة أوضح، والبرهان أسطع، قال الحسن البصري: لم يأمره أن يضرب حجراً بعينه، قال: وهذا أظهر في الحجة، وأبين فى القدرة.

الثانية: فإن قيل ما الحكمة في جعل الماء اثنتى عشرة عينا؟ والجواب: أن قوم موسى كانوا كثيرين، وكانوا في الصحراء، والناس إذا اشتدت بهم الحاجة إلى الماء ثم وجدوه، فإنه يقع بينهم تشاجر وتنازع، فأكمل الله هذه النعمة، بأن عين لكل سبط منه ماء معيناً على عددهم، لأنهم كانوا اثنى عشر سبطا، وهم ذرية أبناء يعقوب الاثنى عشر، والله أعلم.

الثالثة: ذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بالفوم في قوله: [وفومها] الحنطة، والأرجح أن المراد به (الثوم) بدليل قراءة ابن مسعود [وثومها] وبدليل اقتران البصل بعده بها.. قال الفخر الرازي: الثوم أوفق للعدس والبصل من الحنطة، واستدل القرطبي على ذلك بقول حسان: وأنتم أناس لئام الأصول طعامكم الفوم والحوقل ، يعنى الثوم والبصل.


###############
قال الله تعالى: [وإذ أخذنا ميثاقكم .. إلى .. وما خلفها وموعظة للمتقين] من آية (63) إلى نهاية آية (66).
###############


===============
المناسبة:
===============
لما ذكرهم تعالى بالنعم الجليلة العظيمة، أردف ذلك ببيان ما حل بهم من نقم، جزاء كفرهم وعصيانهم وتمردهم على أوامر الله، فقد كفروا النعمة، ونقضوا الميثاق، واعتدوا فى السبت، فمسخهم الله إلى قردة، وهكذا شأن كل أمة عتت عن أمر ربها وعصت رسله.

===============
اللغة:
===============
[ميثاقكم] الميثاق: العهد المؤكد بيمين ونحوه، والمراد هنا العمل بأحكام التوراة

[الطور] هو الجبل الذى كلم الله عليه موسى عليه السلام

[بقوة] بحزم وعزم

[توليتم] التولي: الإعراض عن الشيء والإدبار عنه

[خاسئين] جمع خاسئ وهو الذليل المهين، قال أهل اللغة: الخاسئ: الصاغر المبعد المطرود، كالكلب إذا دنا من الناس قيل له: اخسأ أي تباعد وانطرد صاغرا

[نكالا] النكال: العقوبة الشديدة الزاجرة، ولا يقال لكل عقوبة نكال حتى تكون زاجرة رادعة.

===============
التفسير:
===============
[وإذ أخذنا ميثاقكم] أي اذكروا يا بني إسرائيل حين أخذنا منكم العهد المؤكد على العمل بما في التوراة

[ورفعنا فوقكم الطور] أي نتقناه حتى أصبح كالظلة فوقكم وقلنا لكم

[خذوا ما آتيناكم بقوة] أي اعملوا بما في التوراة بجد وعزيمة

[واذكروا ما فيه] أي احفظوه ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه

[لعلكم تتقون] أي لتتقوا الهلاك في الدنيا والعذاب فى الآخرة، أو رجاء منكم أن تكونوا من فريق المتقين

[ثم توليتم من بعد ذلك] أي أعرضتم عن الميثاق بعد أخذه

[فلولا فضل الله عليكم] أي بقبول التوبة

[ورحمته] بالعفو عن الزلة

[لكنتم من الخاسرين] أي لكنتم من الهالكين في الدنيا والآخرة

[ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت] أي عرفتم ما فعلناه بمن عصى أمرنا، حين خالفوا واصطادوا يوم السبت، وقد نهيناهم عن ذلك

[فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين] أي مسخناهم قردة بعد أن كانوا بشرا مع الذلة والإهانة

[فجعلناها] أي المسخة

[نكالا لما بين يديها] أي عقوبة زاجرة لمن يأتي بعدها من الأمم

[وما خلفها] أي جعلنا مسخهم قردة عبرة لمن شهدها وعاينها، وعبرة لمن جاء بعدها ولم يشاهدها

[وموعظة للمتقين] أي عظة وذكرى لكل عبد صالح، متق لله سبحانه وتعالى!.

===============
البلاغة:
===============
أولا: [خذوا ما آتيناكم بقوة] فيه إيجاز بالحذف أي قلنا لهم: خذوا، فهو كما قال الزمخشري على إرادة القول.

ثانيا: [كونوا قردة خاسئين] خرج الأمر عن حقيقته إلى معنى الإهانة والتحقير، وقال بعض المفسرين: هذا أمر تسخير وتكوين، فهو عبارة عن تعلق القدرة، بنقلهم من حقيقة البشرية إلى حقيقة القردة.

ثالثا: [لما بين يديها وما خلفها] كناية عمن أتى قبلها أو أتى بعدها من الأمم والخلائق، أو عبرة لمن تقدم ومن تأخر.

===============
الفوائد:
===============
الأولى: قال القفال: إنما قال:
[ميثاقكم] ولم يقل "مواثيقكم" لأنه أراد ميثاق كل واحد منكم كقوله: [ثم يخرجكم طفلا] أي يخرج كل واحد منكم طفلا.

الثانية: قال بعض أهل اللطائف: كانت نفوس بنى إسرائيل من ظلمات عصيانها، تخبط فى عشواء حالكة الجلباب، وتخطر من غلوائها وعلوها في حلتي كبر وإعجاب، فلما أمروا بأخذ التوراة ورأوا ما فيها من أثقال، ثارت نفوسهم فرفع الله عليهم الجبل فوجدوه أثقل مما كلفوه، فهان عليهم حمل التوراة قال الشاعر:
إلى الله يدعى بالبراهين من أبى فإن لم يجب نادته بيض الصوارم

الثالثة: إنما خص المتقين بإضافة الموعظة إليهم [وموعظة للمتقين] لأنهم هم الذين ينتفعون بالعظة والتذكير قال تعالى: [وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين].


###############
قال الله تعالى: [وإذ قال موسى لقومه.. إلى .. وما الله بغافل عما تعملون] من آية (67) إلى نهاية آية (74).
###############


===============
المناسبة:
===============
لما ذكر تعالى بعض قبائح اليهود وجرائمهم، من نقض المواثيق، واعتدائهم في السبت، وتمردهم على الله عز وجل فى تطبيق شريعته المنزلة، أعقبه بذكر نوع آخر من مساوئهم، ألا وهو مخالفتهم للأنبياء وتكذيبهم لهم، وعدم مسارعتهم لامتثال الأوامر التي يوحيها الله إليهم، ثم كثرة اللجاج والعناد للرسل صلوات الله عليهم، وجفاؤهم فى مخاطبة نبيهم الكريم (موسى) عليه السلام، إلى آخر ما هنالك من قبائح ومساوئ اتصف بها اليهود.

===============
اللغة:
===============
[هزوا] الهزؤ: السخرية بضم الزاي وقلب الهمزة واوا [هزوا] مثل [كفوا أحد] والمعنى على حذف مضاف أي أتتخذنا موضع هزؤ، أو يحمل المصدر على معنى اسم المفعول أي أتجعلنا مهزوءاً بنا

[فارض] الفارض: الهرمة المسنة التي كبرت وطعنت في السن ، (البكر) الفتية السن التي لم تحمل بعد، ولم يلقحها الفحل لصغرها قال الشاعر:
لعمري لقد أعطيت ضيفك "فارضا" تساق إليه ما تقوم على رجل
ولم تعطه "بكراً" فيرضى سمينـة فكيف تجازى بالمودة والفضل؟

[عوان] وسط ليست بمسنة ولا صغيرة، وقيل هى التي ولدت بطنا أو بطنين،

[فاقع] الفقوع: شدة الصفرة يقال: أصفر فاقع أي شديد الصفرة كما يقال: أحمر قان أي شديد الحمرة، قال الطبري: وهو نظير النصوع في البياض

[ذلول] أي مذللة للعمل يقال: دابة ذلول أي ريضة زالت صعوبتها فقوله [لا ذلول] أي لم تذلل لإثارة الأرض أي لحرثها

[مسلمة] من السلامة أي خالصة ومبرأة من العيوب

[شية] الشية: اللمعة المخالفة لبقية اللون الأصلي، قال الطبري: [لا شية فيها] أي لا بياض ولا سواد يخالف لونها

[فادارأتم] أي تدافعتم واختلفتم وتنازعتم، وأصلها تدارأتم أدغمت التاء في الدال، وأتي بهمزة الوصل ليتوصل بها إلى النطق بالساكن فصار ادارأتم، ومعنى الدرء: الدفع، لأن كلا من الفريقين كان يدرأ على الآخر أي يدفع التهمة عن نفسه، ويلحقها بالآخر، وفي الحديث "ادرءوا الحدود بالشبهات"

[قست] القسوة: الصلابة ونقيضها الرقة

[يشقق] التشقق: التصدع بطول أو عرض

[يهبط] الهبوط: النزول من أعلى إلى أسفل.

===============
معجزة إحياء الميت وقصة البقرة
===============
ذكر القصة: روى ابن أبي حاتم عن عبيدة السلماني قال: "كان رجل من بني إسرائيل عقيما لا يولد له، وكان له مال كثير، وكان ابن أخيه وارثه، فقتله ثم احتمله ليلا، فوضعه على باب رجل منهم، ثم أصبح يدعيه عليهم حتى تسلحوا وركب بعضهم على بعض، فقال ذوو الرأى منهم والنهى: علام يقتل بعضنا بعضا وهذا رسول الله فيكم؟ فأتوا موسى عليه السلام فذكروا ذلك له فقال:
[إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة] قال: ولو لم يعترضوا لأجزأت عنهم أدنى بقرة، ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم، حتى انتهوا إلى البقرة التي أمروا بذبحها، فوجدوها عند رجل ليس له بقرة غيرها، فقال: والله لا أنقصها من ملء جلدها ذهبا، فاشتروها بملء جلدها ذهبا، فذبحوها فضربوه ببعضها فقام حيا، فقالوا: من قتلك؟ قال: هذا وأشار إلى ابن أخيه، ثم مال ميتا، فلم يورث قاتل بعد" وفي رواية "فأخذوا الغلام فقتلوه

MERAMADA
2008-12-05, 04:16 AM
===============
التفسير:
===============
[وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة] أي اذكروا يا يني إسرائيل حين قال لكم نبيكم موسى: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة

[قالوا أتتخذنا هزوا] أي فكان جوابكم الوقح لنبيكم أن قلتم: أتهزأ بنا يا موسى

[قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين]. أي ألتجئ إلى الله أن أكون فى زمرة المستهزئين الجاهلين

[قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي] أي ما هي هذه البقرة؟ وأي شئ صفتها؟

[قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر] أي لا كبيرة هرمة، ولا صغيرة لم يلقحها الفحل

[عوان بين ذلك] أي وسط بين الكبيرة والصغيرة

[فافعلوا ما تؤمرون] أي افعلوا ما أمركم به ربكم ولا تتعنتوا ولا تشددوا على أنفسكم، فيشدد الله عليكم

[قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها] أي ما هو لونها هل هو أبيض أم أسود؟ أم غير ذلك؟

[قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين] أي أنها بقرة صفراء شديدة الصفرة، حسن منظرها، تسر كل من رآها.

[قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي] أعادوا السؤال عن حال البقرة بعد أن عرفوا سنها ولونها، ليزدادوا بيانا لوصفها، ثم اعتذروا بأن البقر الموصوف بكونه (عواناً) أو وسطا، وبالصفرة الفاقعة كثير

[إن البقر تشابه علينا] أي التبس الأمر علينا فلم ندر ما البقرة المأمور بذبحها؟

[وإنا إن شاء الله لمهتدون] أي سنهتدي إلى معرفتها إن شاء الله، ولو لم يقولوا ذلك لم يهتدوا إليها أبدا، كما ثبت ذلك فى الحديث الصحيح.

[قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث] أي ليست هذه البقرة مسخرة لحراثة الأرض، ولا لسقاية الزرع

[مسلمة لا شية فيها] أي سليمة من العيوب، ليس فيها لون آخر يخالف لونها، فهي صفراء كلها

[قالوا الآن جئت بالحق] أي الآن بينتها لنا بيانا شافيا، لا غموض فيه ولا لبس، قال تعالى إخباراً عنهم

[فذبحوها وما كادوا يفعلون] لغلاء ثمنها أو خوف الفضيحة.. ثم أخبر تعالى عن سبب أمرهم بذبح البقرة، وعما شهدوه من آيات الله الباهرة، فقال:

[وإذ قتلتم نفسا] أي اذكروا يا بني إسرائيل حين قتلتم نفسا

[فادارأتم فيها] أي تخاصمتم وتدافعتم بشأنها، وأصبح كل فريق يدفع التهمة عن نفسه وينسبها لغيره

[والله مخرج ما كنتم تكتمون] أي مظهر ما تخفونه

[فقلنا اضربوه ببعضها] أي اضربوا القتيل بشيء من البقرة، يحيا ويخبركم عن قاتله

[كذلك يحي الله الموتى] أي كما أحيا هذا القتيل أمام أبصاركم، كذلك يحي الموتى، ويخرجهم من قبورهم

[ويريكم آياته لعلكم تعقلون] أي يريكم دلائل قدرته، لتتفكروا وتتدبروا وتعلموا أن الله على كل شيء قدير.. ثم أخبر تعالى عن جفائهم وقسوة قلوبهم فقال:

[ثم قست قلوبكم] أي صلبت قلوبكم يا معشر اليهود، فلا يؤثر فيها وعظم ولا تذكير

[من بعد ذلك] أي من بعد رؤية المعجزات الباهرة

[فهي كالحجارة أو أشد قسوة] أي بعضها كالحجارة، وبعضها أشد قسوة من الحجارة كالحديد

[وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار] أي تتدفق منها الأنهار الغزيرة

[وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء] أى من الحجارة ما يتصدع اشفاقا من عظمة الله ، فينبع منه الماء

[وإن منها لما يهبط من خشية الله] أي ومنها ما يتفتت ويتردى من رؤوس الجبال من خشية الله، فالحجارة تلين وتخشع، وقلوبكم يا معشر اليهود لا تتأثر ولا تلين

[وما الله بغافل عما تعملون] أي أنه تعالى رقيب على أعمالهم، لا تخفى عليه خافية، وسيجازيهم عليها يوم القيامة، وفي هذا وعيد وتهديد شديد!.

===============
البلاغة:
===============
أولا: قوله تعالى: [فذبحوها وما كادوا يفعلون] من إيجاز القرآن وإبداعه أن حذف من صدر هذه الجملة، جملتين مفهومتين من نظم الكلام والتقدير: فطلبوا البقرة الجامعة للأوصاف السابقة، وحصلوها، فلما اهتدوا إليها ذبحوها، وهذا من الإيجاز بالحذف اللطيف، لأن الفهيم يدركه.

ثانيا: قوله تعالى: [والله مخرج ما كنتم تكتمون] هذه الجملة اعتراضية بين قوله: [فادارأتم] وقوله: [فقلنا اضربوه] والجملة المعترضة بين ما شأنهما الاتصال، تجيء تحلية يزداد بها الكلام البليغ حسناً، وفائدة الاعتراض هنا إشعار المخاطبين بأن الحقيقة ستنجلي لا محالة.

ثالثا: [ثم قست قلوبكم] وصف القلوب بالصلابة والغلظ، يراد منه نبوها عن الاعتبار، وعدم تأثرها بالمواعظ والنصائح، ففيه استعارة تصريحية، قال أبو السعود: القسوة عبارة عن الغلظ والجفاء والصلابة كما في الحجر، استعيرت لنبو قلوبهم عن التأثر بالعظات، والقوارع التى تميع منها الجبال، وتلين بها الصخور.

رابعا: [فهي كالحجارة] فيه تشبيه يسمى (مرسلا مجملا) لأن أداة التشبيه مذكورة وهي الكاف، ووجه الشبه محذوف وهو الصلابة والقسوة.

خامسا: [لما يتفجر منه الأنهار] أي ماء الأنهار، والعرب يطلقون اسم المحل كالنهر، على الحال فيه كالماء، والقرينة ظاهرة لأن التفجر إنما يكون للماء ويسمى هذا (مجازاً مرسلا).!

===============
الفوائد:
===============
الفائدة الأولى: نبه قوله تعالى: [قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين] على أن الاستهزاء بأمر من أمور الدين جهل كبير، وقد منع المحققون من أهل العلم استعمال الآيات، كأمثال يضربونها في مقام المزاح والهزل، وقالوا إنما أنزل القرآن للتدبر والخشوع، لا للتسلي والتفكه والمزاح، ويخشى على من فعل ذلك من الكفر، لقوله تعالى: [قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون؟ لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم].

الثانية: الخطاب في قوله: [وإذ قتلتم نفسا] لليهود المعاصرين للنبى (ص) وقد جرى على الأسلوب المعروف في مخاطبة الأقوام، إذ ينسب إلى الخلف ما فعل السلف، إذا كانوا سائرين على نهجهم، راضين بفعلهم، وفيه توبيخ وتقريح للغابرين والحاضرين.

الثالثة: هذه الواقعة (واقعة قتل النفس) جرت قبل أمرهم بذبح البقرة، وإن وردت في الذكر بعده، والسر في ذلك: التشويق إلى معرفة السبب في ذبح البقرة، والتكرير في التقريع والتوبيخ، قال العلامة أبو السعود: وإنما غير الترتيب لتكرير التوبيخ وتثنية التقريع، فإن كل واحد من قتل النفس المحرمة، والاستهزاء بموسى عليه السلام والافتيات على أمره، جناية عظيمة جديرة بأن تنعى عليهم.

الرابعة: ذكر تعالى إحياء الموتى في هذه السورة الكريمة فى خمسة مواضع:
-الأول: في قوله: [ثم بعثناكم من بعد موتكم]
-الثاني: وفي هذه القصة [فقلنا اضربوه ببعضها]
-الثالث: في قصة القوم الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت [فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم]
-الرابع: فى قصة عزير [فأماته الله مائة عام ثم بعثه]
-الخامس: في قصة إبراهيم [رب أرني كيف تحي الموتى]؟.

الخامسة: [أو] في قوله تعالى: [فهي كالحجارة أو أشد قسوة] بمعنى "بل" أي بل أشد قسوة كقوله تعالى: [وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون] أي بل يزيدون.

السادسة: ذهب بعض المفسرين إلى أن الخشية هنا حقيقية، وأن الله تعالى جعل لهذه الأحجار خشية بقدرها كقوله تعالى: [وإن من شيء إلا يسبح بحمده] وقال آخرون: بل هو من باب المجاز كقول القائل: قال الحائط للمسمار: لم تشقني؟ قال: سل من يدقني؟ فهو بطريق التمثيل لروعة التأثير حتى على الجماد، والله أعلم.


###############
قال الله تعالى [أفتطمعون أن يؤمنوا لكم.. إلى.. فأولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون] من آية (75) إلى نهاية آية (82).
###############


===============
المناسبة:
===============
لما ذكر تعالى عناد اليهود، وعدم امتثالهم لأوامر الله تعالى، ومجادلتهم للأنبياء الكرام، وعدم الانقياد والإذعان، عقب ذلك بذكر بعض القبائح والجرائم التى ارتكبوها، كتحريف كلام الله تعالى، وادعائهم بأنهم أحباب الله، وأن النار لن تمسهم إلا بضعة أيام قليلة، إلى آخر ما هم عليه من أماني كاذبة، ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، وقد بدأ تعالى الآيات بتيئيس المسلمين من إيمانهم، لأنهم فطروا على الضلال، وجبلوا على العناد والمكابرة.

===============
اللغة:
===============
[أفتطمعون] الطمع: تعلق النفس بشيء مطلوب تعلقا قويا، فإذا اشتد فهو طمع، وإذا ضعف كان رجاء ورغبة

[فريق] الفريق: الجماعة وهو اسم جمع، لا واحد له من لفظه كالرهط والقوم.

[يحرفونه] التحريف: التبديل والتغيير وأصله من الانحراف عن الشيء

[عقلوه] عقل الشيء أدركه بعقله، والمراد فهموه وعرفوه

[أميون] جمع أمي وهي وهو الذي لا يحسن القراءة والكتابة، سمى بذلك نسبة إلى الأم، لأنه باق على الحالة التي ولدته عليه أمه، من عدم المعرفة

[أماني] جمع أمنية وهي ما يتمناه الإنسان ويشتهيه، أو يقدره في نفسه من منى، ولذلك تطلق على الكذب، قال أعرابي لإنسان: "أهذا شيء رأيته أم تمنيته" أي اختلقته، وتأتي بمعنى قرأ، قال حسان: تمنى كتاب الله أول ليله

[فويل] الويل: الهلاك والدمار، وقيل: الفضيحة والخزي، وهي كلمة تستعمل في الشر والعذاب، قال القاضي: هي نهاية الوعيد والتهديد كقوله: [ويل للمطففين] وقال سيبويه: (ويل) لمن وقع في الهلكة، و(ويح) لمن أشرف عليها.

===============
سبب النزول:
===============
1- نزلت فى الأنصار كانوا حلفاء لليهود، وبينهم جوار ورضاعة، وكانوا يودون لو أسلموا فأنزل الله تعالى [أفتطمعون أن يؤمنوا لكم..] الآية.

2- وروى مجاهد عن ابن عباس أن اليهود كانوا يقولون: إن عمر هذه الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نعذب بكل ألف سنة يوماً في انار، وإنما هي سبعة أيام معدودة، فأنزل الله تعالى: [وقالوا لن تمسنا الله أياما معدودة].

===============
التفسير:
===============
يخاطب الله تعالى عباده المؤمنين فيقول: [أفتطمعون أن يؤمنوا لكم] أي أترجون يا معشر المؤمنين أن يسلم اليهود، ويدخلوا في دينكم؟

[وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله] أي والحال قد كان طائفة من أحبارهم وعلمائهم، يتلون كتاب الله ويسمعونه بينا جليا

[ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه] أي يغيرون آيات التوراة بالتبديل أو التأويل، من بعد ما فهموه وضبطوه بعقولهم

[وهم يعلمون] أنهم يرتكبون جريمة، أي إنهم يخالفون أوامره وأحكامه، عن بصيرة، لا عن خطأ أو نسيان

[وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا] أي إذا اجتمعوا بأصحاب النبي (ص) قال المنافقون من اليهود: آمنا بأنكم على الحق، وأن محمداً هو الرسول المبشر به

[وإذا خلا بعضهم إلى بعض] أي إذا انفرد واختلى بعضهم ببعض

[قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم] أي قالوا عاتبين عليهم: أتخبرون أصحاب محمد بما بين الله لكم في التوراة، من صفة محمد (ص)

[ليحاجوكم به عند ربكم] أي لتكون الحجة للمؤمنين عليكم فى الآخرة، في ترك اتباع الرسول مع العلم بصدقه؟

[أفلا تعقلون] أي أفليست لكم عقول تمنعكم، من أن تحدثوهم بما يكون لهم فيه حجة عليكم؟ والقائلون ذلك هم اليهود لمن نافق منهم، قال تعالى ردا عليهم وتوبيخا

[أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون] أي ألا يعلم هؤلاء اليهود أن الله يعلم ما يخفون وما يظهرون، وأنه تعالى لا تخفى عليه خافية، فكيف يقولون ذلك، ثم يزعمون الإيمان !! وفي هذا غاية التوبيخ لهم، والتسفيه لعقولهم!. ولما ذكر تعالى العلماء الذين حرفوا وبدلوا، ذكر العوام الذين قلدوهم، ونبه أنهم في الضلال سواء، فقال سبحانه:

[ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب] أي ومن اليهود طائفة من الجهلة العوام، الذين لا يعرفون القراءة والكتابة، ليطلعوا على ما في التوراة بأنفسهم، ويتحققوا بما فيها

[إلا أماني] أي ليس لهم علم بالتوراة، إلا ما هم عليه من الأماني الخادعة، التي مناهم بها أحبارهم، من أن الله يعفو عنهم ويرحمهم، وأن النار لن تمسهم إلا أياما معدودة، وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم، وأنهم أبناء الله وأحباؤه، إلى غير ما هنالك من الأماني الفارغة

[وإن هم إلا يظنون] أي وما هم على يقين ثابت من أمر دينهم، بل هم مقلدون للآباء، تقليد أهل العمى والغباء!! ثم ذكر تعالى جريمة أولئك الرؤساء المضلين، الذين أضلوا العامة فى سبيل حطام الدنيا فقال سبحانه:

[فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم] أي هلاك وعذاب لأولئك الأشقياء الفجار، الذين حرفوا التوراة، وكتبوا تلك الآيات المحرفة بأيديهم

[ثم يقولون هذا من عند الله] أي يقولون لأتباعهم الأميين: هذا الذي تجدونه هو من نصوص التوراة، التي أنزلها الله على موسى عليه السلام، مع أنهم كتبوها بأيديهم، ونسبوها إلى الله كذبا وزورا

[ليشتروا به ثمنا قليلا] أي لينالوا به عرض الدنيا وحطامها الفاني

[فويل لهم مما كتبت أيديهم] أي فهلاك ودمار، وشدة عذاب لهم، على ما فعلوه من تحريف كلام الله

[وويل لهم مما يكسبون] أي وويل لهم مما يصيبون من الحرام والسحت

[وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة] أي لن ندخل النار إلا أياماً قلائل، هي مدة عبادة العجل، أو سبعة أيام فقط

[قل أتخذتم عند الله عهدا]؟ أي قل لهم يا محمد على سبيل الإنكار والتوبيخ: هل أعطاكم الله الميثاق والعهد بذلك؟ فإذا كان قد وعدكم بذلك

[فلن يخلف الله عهده] لأن الله لا يخلف الميعاد

[أم تقولون على الله ما لا تعلمون] أي أم تكذبون على الله، فتقولون عليه ما لم يقله، فتجمعون بين جريمة التحريف لكلام الله، والكذب والبهتان عليه جل وعلا؟! ثم بين تعالى كذب اليهود، وأبطل مزاعمهم أن النار لن تمسهم، وأنهم لا يخلدون فيها، فقال:

[بلى من كسب سيئة] أي بلى تمسكم النار وتخلدون فيها، كما يخلد الكافر الذي عمل الكبائر، وكذلك كل من اقترف السيئة، والمراد بها هنا: الشرك بالله، لأنه هو المخلد في نار الجحيم

[وأحاطت به خطيئته] أي غمرته من جميع جوانبه، وسدت عليه مسالك النجاة، بأن فعل مثل فعلكم أيها اليهود

[فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون] أي فالنار ملازمة لهم، لا يخرجون منها أبدا

[والذين آمنوا وعملوا الصالحات] أي وأما المؤمنون الذين جمعوا بين الإيمان، والعمل الصالح، فلا تمسهم النار، بل هم في روضات الجنات يحبرون

[أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون] أي مخلدون في الجنان، لا يخرجون منها أبدا، اللهم اجعلنا منهم يا أرحم الراحمين

MERAMADA
2008-12-05, 04:22 AM
===============
البلاغة:
===============
أولا: قوله تعالى: [وهم يعلمون] جملة حالية مفيدة لكمال قبح صنيعهم، فتحريفهم للتوراة كان عن قصد وتصميم، لا عن جهل أو نسيان، ومن يرتكب المعصية عن علم، يستحق الذم والتوبيخ، أكثر ممن يرتكبها وهو جاهل بحكمها وبشناعتها.

ثانيا: قوله: [يكتبون الكتاب بأيديهم] ذكر الأيدى هنا لدفع توهم المجاز، وللتأكيد بأن الكتابة باشروها بأنفسهم، كما يقول القائل: كتبته بيميني، وسمعته بأذني، ورأيته بعيني، فهي لزيادة التأكيد، وتقرير الجناية.

ثالثا: قوله: [ما يسرون وما يعلنون] فيه من المحسنات البديعية ما يسمى بـ (الطباق) حيث جمع بين لفظتي "يسرون" و"يعلنون" وهو من نوع طباق الإيجاب، وهو أن يأتي باللفظ وضده، كقوله تعالى (أضحك وأبكى).

رابعا: التكرير في قوله: [فويل للذين يكتبون الكتاب] وقوله: [فويل لهم مما كتبت أيديهم] وقوله: [وويل لهم مما يكتبون] تكرار الويل: للتوبيخ والتقريع، ولبيان أن جريمتهم بلغت من القبح والشناعة الغاية القصوى.

خامسا: قوله: [وأحاطت به خطيئته] فيه استعارة لطيفة، حيث شبه (الذنوب) و(الخطايا) بجيش من الأعداء، نزل على قوم من كل جانب، فأحاط بهم إحاطة السوار بالمعصم، واستعار لفظة الإحاطة لغلبة السيئات على الحسنات، فكأنها أحاطت بها من جميع الجهات.

===============
الفوائد:
===============
الفائدة الأولى: تحريف كلام الله، يكون بتأويله تأويلا فاسدا، ويكون بمعنى: التغيير وتبديل كلام بكلام، وقد وقع من أحبار اليهود التحريف بالأمرين: بالتأويل، وبالتغيير، كما فعلوا في صفته (ص)، قال العلامة أبو السعود: روي أن أحبار اليهود خافوا زوال رياستهم، فعمدوا إلى صفة النبى (ص) في التوراة، وكانت هي فيها (حسن الوجه، حسن الشعر، أكحل العينين، أبيض، ربعة) الخ، فغيروها وكتبوا مكانها "طوال، أزرق، سبط الشعر" فإذا سألهم العامة عن ذلك قرءوا ما كتبوا فيجدونه مخالفا لما في التوراة، فيكذبونه.

الثانية: التحريف بقسمية وقع في الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل كما قال تعالى: [يحرفون الكلم عن مواضعه] أما التحريف بمعنى التأويل الباطل فقد وقع في القرآن، من الجهلة أو الملاحدة، وأما التحريف بمعنى إسقاط الآية ووضع كلام بدلها، فقد حفظ الله منه كتابه العزيز بقوله سبحانه [إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون] والحمد لله أن الله تكفل بحفظه بنفسه، ولم يتركه للخلق، كما هو شأن التوراة والإنجيل.

الثالثة: روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: "لما فتحت خيبر، أهديت لرسول الله (ص) شاة فيها سم، فقال رسول الله (ص): اجمعوا لي من كان من اليهود هنا، فقال لهم رسول الله (ص): إني سائلكم عن شيء، فهل أنتم صادقي فيه؟ قالوا: نعم، يا أبا القاسم، فقال لهم (ص): من أبوكم؟ قالوا: فلان قال: كذبتم، بل أبوكم فلان، فقالوا صدقت وبررت يا أبا القاسم، ثم قال لهم: هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟ قالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا، فقال لهم رسول الله (ص): من أهل النار؟ فقالوا: نكون فيها يسيرا ثم تخلفونا فيها!! فقال لهم رسول الله (ص): اخسئوا والله لا نخلفكم فيها أبدا، ثم قال لهم رسول الله (ص): هل أنتم صادقي عن شئ إن سألتكم عنه؟ قالوا: نعم يا أبا القاسم، قال: هل جعلتم فى هذه الشاة سما؟ فقالوا: نعم، قال: فما حملكم على ذلك؟ فقالوا: أردنا إن كنت كاذبا أن نستريح منك، وإن كنت نبيا لم يضرك؟.


###############
قال الله تعالى: [وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله.. إلى .. ولا هم ينصرون] من آية (83) إلى نهاية آية (86).
###############


===============
المناسبة:
===============
لا تزال الآيات الكريمات تعدد جرائم اليهود، وفي هذه الآيات الكريمة أمثلة صارخة على عدوانهم وطغيانهم وإفسادهم في الأرض، فقد نقضوا الميثاق، الذي أخذه الله عليهم في التوراة، وقتلوا النفس التي حرم الله، واستباحوا أكل أموال الناس بالباطل، واعتدوا على إخوانهم في الدين، فأخرجوهم من الديار، فاستحقوا اللعنة والخزي والدمار.

===============
اللغة:
===============
[ميثاق] الميثاق: العهد المؤكد باليمين غاية التأكيد، فإن لم يكن مؤكدا سمي عهدا

[حسنا] الحسن: اسم عام جامع لمعاني الخير، ومنه لين القول، والأدب الجميل، والخلق الكريم، وضده القبح، والمعنى: قولوا قولا حسنا فهو صفة لمصدر محذوف

[توليتم] التولي عن الشيء: الإعراض عنه ورفضه وعدم قبوله كقوله: [فأعرض عمن تولى عن ذكرنا] وفرق بعضهم بين التولي والإعراض، فقال: التولي بالجسم، والإعراض بالقلب

[تظاهرون] تتعاونون وهو مضارع حذف منه أحد التاءين، كأن المتظاهرين يسند كل واحد منهما ظهره الى الآخر، والظهير: المعين

[الإثم] الذنب الذي يستحق صاحبه الملامة وجمعه آثام

[العدوان] تجاوز الحد في الظلم

[خزي] الخزي: الهوان والمقت والعقوبة.

===============
التفسير:
===============
[وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل] أي اذكروا يا بني إسرائيل حين أخذنا على أسلافكم يا معشر اليهود، العهد المؤكد غاية التأكيد

[لا تعبدون إلا الله] بأن لا تعبدوا غير الله تعالى

[وبالوالدين إحسانا] أي وأمرناهم بأن يحسنوا إلى الوالدين إحسانا

[وذي القربى واليتامى والمساكين] أي وأن يحسنوا أيضا إلى الأقرباء، واليتامى الذين مات آباؤهم وهم صغار، والمساكين الذين عجزوا عن الكسب لضعفهم

[وقولوا للناس حسنا] أي قولوا للناس قولا حسنا، بخفض الجناح، ولين الجانب، مع الكلام الطيب

[وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة] أي صلوا وزكوا كما فرض الله عليكم، من أداء الركنين العظيمين (الصلاة، والزكاة) لأنهما أعظم العبادات البدنية والمالية

[ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون] أي ثم رفضتم وأسلافكم الميثاق رفضا باتا، وأعرضتم عن العمل بموجبه، إلا قليلا منكم ثبتوا عليه

[وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم] أي واذكروا أيضا يا بني إسرائيل، حين أخذنا عليكم العهد المؤكد، بأن لا يقتل بعضكم بعضا

[ولا تخرجون أنفسكم من دياركم] ولا يعتدي بعضكم على بعض، بالإخراج من الديار، والإجلاء عن الأوطان

[ثم أقررتم وأنتم تشهدون] أي ثم اعترفتم بالميثاق، وبوجوب المحافظة عليه، وأنتم تشهدون بلزومه

[ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم] أي ثم نقضتم أيضا الميثاق يا معشر اليهود، بعد إقراركم به، فقتلتم إخوانكم في الدين، وارتكبتم ما نهيتم عنه من القتل

[وتخرجون فريقا منكم من ديارهم] أي كما طردتموهم أيضا من ديارهم، من غير التفات إلى العهد الوثيق الذي عاهدتم عليه ربكم

[تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان] أي تتعاونون عليهم بالمعصية والظلم

[وإن يأتوكم أسارى تفادوهم] أي إذا وقعوا في الأسر فاديتموهم، ودفعتهم المال لتخليصهم من الأسر

[وهو محرم عليكم إخراجهم] أي وإخراجهم من أوطانهم حرام عليكم، فكيف تستبيحون القتل والإخراج من الديار، ولا تستبيحون ترك الأسرى في أيدي عدوهم؟

[أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض]؟ أي أفتؤمنون ببعض أحكام التوراة، وتكفرون ببعض؟ والغرض التوبيخ لهم، لأنهم جمعوا بين الكفر والإيمان، الكفر بقتلهم، والإيمان بفدائهم من أيدي الأعداء، والكفر ببعض آيات الله، كفر بالكتاب كله، ولهذا عقب تعالى على ذلك بقوله:

[فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا] أي ما عقوبة من يؤمن ببعض الكتاب، ويكفر ببعض، إلا ذل وهوان، ومقت وغضب في الدنيا

[ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب] أي وهم صائرون في الآخرة إلى عذاب أشد منه، لأنه عذاب خالد، لا ينقضي ولا ينتهي

[وما الله بغافل عما تعملون] أي وليس الله غافلا عن جرائمكم، وأعمالكم القبيحة، وفيه وعيد شديد، لمن عصى أوامر العزيز الحميد.. ثم أخبر تعالى عن سبب ذلك العصيان والعدوان فقال:

[أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة] أي أولئك الموصوفون بما ذكر من الأوصاف القبيحة، هم الذين استبدلوا الحياة الدنيا بالآخرة، بمعنى: اختاروها وآثروها على الآخرة

[فلا يخفف عنهم العذاب] أي لا يفتر عنهم العذاب ساعة واحدة

[ولا هم ينصرون] أي وليس لهم ناصر ينصرهم، ولا مجير ينقذهم من عذاب الله الأليم.

===============
تنبيه:
===============
كانت قبيلة (بنو قريظة) و (بنو النضير) من اليهود، يسكنون في أطراف المدينة المنورة، فحالفت بنو قريظة (الأوس)، وبنو النضير (الخزرج)، فكانت الحرب إذا نشبت بينهم، قاتل كل فريق من اليهود مع حلفائه، فيقتل اليهودي أخاه اليهودي من الفريق الآخر، ويخرجونهم من بيوتهم، وينهبون ما فيها من الأثاث، والمتاع، والمال، وذلك حرام عليهم في دينهم، وفي نص التوراة، ثم إذا وضعت الحرب أوزارها افتكوا الأسارى من الفريق المغلوب، عملا بحكم التوراة، ولهذا وبخهم تعالى بقوله: [أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض]؟

===============
البلاغة:
===============
1- [لا تعبدون إلا الله] خبر فى معنى النهي، وهو أبلغ من صريح النهي، كما قال أبو السعود لما فيه من إيهام أن المنهي، حقه أن يسارع إلى الانتهاء، فكأنه انتهى عنه، فجاء بصيغة الخبر، وأراد به النهي.

2- [وقولوا للناس حسنا] وقع المصدر موقع الصفة أي قولاً حسنا أو ذا حسن للمبالغة، فإن العرب تضع المصدر مكان اسم الفاعل أو الصفة، بقصد المبالغة فيقولون: هو عدل، كأنه لشدة عدالته عين العدل.

3- التنكير فى قوله: [خزي في الحياة الدنيا] للتفخيم والتهويل.

4- [تقتلون أنفسكم] عبر عن قتل الغير بقتل النفس، لأن من أراق دم غيره، فكأنما أراق دم نفسه، لأن الناس كأنهم جسد واحد، فالعدوان عليهم عدوان على النفس الإنسانية.

5- [أفتؤمنون]؟ الهمزة للإنكار التوبيخي، والتوبيخ أسلوب من أساليب البيان.

===============
الفوائد:
===============
الفائدة الأولى: جاء الترتيب في الآية بتقديم الأهم فالأهم، فقدم تعالى (حق الله) سبحانه، لأنه المنعم في الحقيقة على العباد، ثم قدم (حق الوالدين) لحقهما الأعظم في تربية الولد، ثم (حق القرابة) لأن الواجب لهم صلة الرحم وأجر الإحسان، ثم (حق اليتامى) لقلة حيلتهم، ثم (المساكين) لضعفهم ومسكنتهم، فبدأ بالأهم فالأهم.

الثانية: [وقولوا للناس حسنا] ولم يقل: وقولوا لإخوانكم أو قولوا للمؤمنين حسنا، ليدل على أن الأمر بالإحسان، عام لجميع الناس، المؤمن منهم والكافر، والبر والفاجر، وفي هذا حض على مكارم الأخلاق، بلين الكلام، وبسط الوجه، والأدب الجميل، والخلق الكريم قال أحد الأدباء: بني إن البر شيء هين وجه طليق ولسان لين


###############
قال الله تعالى: [ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل.. إلى .. ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون] من آية (87) إلى نهاية آية (92).

MERAMADA
2008-12-05, 04:55 PM
===============
اللغة:
===============
[الكتاب] التوراة

[وقفينا] أردفنا وأتبعنا، وأصله من القفا يقال: قفاه إذا اتبعه، وقفاه بكذا إذا اتبعه إياه

[البينات] المعجزات الباهرات كإبراء الأعمى والأبرص، وإحياء الموتى

[أيدناه] قويناه مأخوذ من الأيد وهو القوة

[روح القدس] جبريل عليه السلام، والقدس: الطهر والبركة

[تهوى] تحب من هوي إذا أحب ومصدره الهوى

[غلف] جمع أغلف، والغلاف: الغطاء، يقال: سيف أغلف إذا كان في غلافه، وقلب أغلف أي مستور عن الفهم والتمييز، مستعار من (الأغلف) وهو الذى لم يختن

[لعنهم] أصل اللعن فى كلام العرب: الطرد والإبعاد، يقال: ذئب لعين أي مطرود مبعد، والمراد: أقصاهم وأبعدهم عن رحمته

[يستفتحون] يستنصرون من الاستفتاح وهو طلب الفتح أي النصرة

[بئسما] أصلها بئس ما أي بئس الذي، وبئس فعل للذم، كما أن "نعم" للمدح

[بغيا] البغي: الحسد والظلم، وأصله الفساد من بغى الجرح إذا فسد، قاله الأصمعي

[باءوا] رجعوا، وأكثر ما يستعمل في الشر، كقولهم: باء بالخزي واللعنة.

[مهين] مخز مذل، مأخوذ من الهوان بمعنى الذل.

===============
المناسبة:
===============
لا تزال الايات تتحدث عن بنى اسرائيل ، وفى هذه الايات الكريمة تذكير لهم بضرب من النعم ، التى أكرمهم الله بها ، ثم قابلوها بالكفر والاجرام ، كعادتهم فى مقابلة الاحسان بالاساءة ، والنعمة بالكفران والجحود.

===============
التفسير:
===============
[ولقد آتينا موسى الكتاب] أي أعطينا موسى التوراة

[وقفينا من بعده بالرسل] أي أتبعنا وأرسلنا على أثره الكثير من الرسل

[وآتينا عيسى ابن مريم البينات] أي أعطينا عيسى الآيات البينات، والمعجزات الواضحات الدالة على نبوته

[وأيدناه بروح القدس] أي قويناه وشددنا أزره بأمين السماء (جبريل) عليه السلام

[أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم] أي أفكلما جاءكم يا بني إسرائيل، رسول بما لا يوافق هواكم

[استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون] أي تكبرتم عن اتباعه، فطائفة منهم كذبتموهم، وطائفة قتلتموهم؟. ثم أخبر تعالى عن اليهود المعاصرين للنبى (ص) وبين ضلالهم فى اقتدائهم بالأسلاف، فقال حكاية عنهم

[وقالوا قلوبنا غلف] أي مغطاة في أكنة لا تفقه ولا تعي ما تقوله يا محمد، والغرض إقناطه عليه السلام من إيمانهم، قال تعالى ردا عليهم:

[بل لعنهم الله بكفرهم] أي طردهم وأبعدهم من رحمته، بسبب كفرهم وضلالهم

[فقليلا ما يؤمنون] أي فقليل من يؤمن منهم، أو يؤمنون إيمانا قليلا، وهو إيمانهم ببعض الكتاب، وكفرهم بالبعض الآخر

[ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم] وهو القرآن العظيم الذي أنزل على خاتم المرسلين، مصدقا لما في التوراة

[وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا] أي وقد كانوا قبل مجيئه يستنصرون به على أعدائهم، ويقولون: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث آخر الزمان، الذي نجد نعته في التوراة

[فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به] أي فلما بعث محمد (ص) الذي عرفوه حق المعرفة كفروا برسالته

[فلعنة الله على الكافرين] أي لعنة الله على اليهود، الذين كفروا بخاتم المرسلين

[بئسما اشتروا به أنفسهم] أي بئس الشئ التافه، الذى باع به هؤلاء اليهود أنفسهم

[أن يكفروا بما أنزل الله] أي كفرهم بالقرآن الذي أنزله الله على خاتم رسله

[بغيا] أي حسدا وطلبا لما أكرم الله به غيرهم

[أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده] أي حسدا منهم، من أجل أن ينزل الله وحيا من فضله على من يشاء ويصطفيه من خلقه

[فباءوا بغضب على غضب] أي رجعوا بغضب من الله زيادة على سابق غضبه عليهم

[وللكافرين عذاب مهين] أي ولهم عذاب شديد مع الإهانة والإذلال، لأن كفرهم سببه التكبر والحسد، فقوبلوا بالإهانة والصغار

[وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله] أي آمنوا بما أنزل الله من القرآن العظيم، وصدقوه واتبعوه

[قالوا نؤمن بما أنزل علينا] أي يكفينا الإيمان بما أنزل علينا من التوراة

[ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم] أي يكفرون بالقرآن مع أنه هو الحق، موافقا لما معهم من كلام الله

[قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين]؟ أي قل لهم يا أيها الرسول، إذا كنتم صادقين في دعوى الإيمان، فلم قتلتم أنبياء الله، الذين بعثهم الله لهدايتكم، قبل بعثة محمد (ص)؟ وهل يقتل مؤمن نبيا، إذا كان صادقا في دعوى الإيمان؟

[ولقد جاءكم موسى بالبينات] أي بالحجج الباهرات

[ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون] أي عبدتم العجل من بعد ذهابه إلى الطور، وأنتم ظالمون لأنفسكم في هذا الصنيع القبيح!

===============
البلاغة:
===============
1- تقديم المفعول في الموضعين [فريقا كذبتم] و [فريقا تقتلون] للاهتمام وتشويق السامع إلى ما يلقى إليه.

2- التعبير بالمضارع [وفريقا تقتلون] ولم يقل "قتلتم" كما قال كذبتم، لأن الفعل المضارع – كما هو المألوف في أساليب البلاغة – يستعمل فى الأفعال الماضية، التي بلغت من الفظاعة مبلغاً عظيما، فكأنه أحضر صورة قتل الأنبياء أمام السامع، وجعله ينظر إليها بعينه، فيكون إنكاره لها أبلغ، واستفظاعه لها أعظم.

3- وضع الظاهر مكان الضمير [فلعنة الله على الكافرين] ولم يقل "عليهم" ليشعر بأن سبب حلول اللعنة هو كفرهم الفظيع.

4- الإخبار في قوله: [ولقد جاءكم موسى بالبينات] يراد به التبكيت والتوبيخ على عدم اتباع الرسول (ص).

5- أسندت الإهانة إلى العذاب فقال: [عذاب مهين] لأن الإهانة تحصل بعذابهم، ومن أساليب البيان إسناد الأفعال إلى أسبابه

MERAMADA
2008-12-05, 05:15 PM
===============
فائدة:
===============
قال الحسن البصري: إنما سمى جبريل (روح القدس) لأن القدس هو الله، وروحه جبريل، فالإضافة للتشريف، قال الرازي: ومما يدل على أن روح القدس جبريل، قوله تعالى في سورة النحل: [قل نزله روح القدس من ربك بالحق].


###############
قال الله تعالى: [وإذ أخذنا ميثاقكم.. إلى .. فإن الله عدو للكافرين] من آية (93) إلى نهاية آية (98).
###############


===============
المناسبة:
===============
هذه طائفة أخرى من جرائم اليهود الشنيعة، فقد نقضوا الميثاق حتى رفع جبريل جبل الطور عليهم، وأمروا أن يأخذوا بما في التوراة، فأظهروا القبول والطاعة، ثم عادوا إلى الكفر والعصيان، فعبدوا العجل من دون الله، وزعموا أنهم أحباب الله، وأن الجنة خالصة لهم من دون الناس، لا يدخلها أحد سواهم، وعادوا الملائكة الأطهار، وعلى رأسهم جبريل عليه السلام، وكفروا بالأنبياء والرسل، وهكذا شأنهم فى سائر العصور والدهور، البغي والعدوان.

===============
اللغة:
===============
[ميثاقكم] الميثاق: العهد المؤكد بيمين

[الطور] هو الجبل الذى كلم الله عليه موسى عليه السلام

[بقوة] بعزم وجد

[أشربوا] أشرب: سقي أي جعلت قلوبهم تشربه، يقال: أشرب قلبه حب كذا، قال زهير:
فصحوت عنها بعد حب داخل والحب تشربه فؤادك داء

[خالصة] مصدر كالعافية والعاقبة بمعنى الخلوص، أي خاصة بكم لا يشارككم فيها أحد

[أحرص] الحرص: شدة الرغبة في الشيء وفي الحديث "احرص على ما ينفعك"

[بمزحزحه] الزحزحة: الإبعاد والتنحية قال تعالى: [فمن زحزح عن النار] أي أبعد، وقال الشاعر: خليلي ما بال الدجى لا يزحزح وما بال ضوء الصبح لا يتوضح؟

===============
التفسير:
===============
[وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور] أي اذكروا يا بني إسرائيل حين أخذنا عليكم العهد المؤكد، على العمل بما في التوراة، ورفعنا فوقكم جبل الطور، قائلين:

[خذوا ما آتيناكم بقوة] أي بعزم وحزم، وإلا طرحنا الجبل فوقكم

[واسمعوا] أي سماع طاعة وقبول

[قالوا سمعنا وعصينا] أي سمعنا قولك، وعصينا أمرك

[وأشربوا في قلوبهم العجل] أي خالط حبه قلوبهم، وتغلغل في سويدائها، والمراد أن حب عبادة العجل، امتزج بدمائهم، ودخل في قلوبهم، كما يدخل الصبغ في الثوب، والماء في البدن

[بكفرهم] أي بسبب كفرهم

[قل بئسما يأمركم به إيمانكم] أي قل لهم على سبيل التهكم بهم: بئس هذا الإيمان الذى يأمركم بعبادة العجل

[إن كنتم مؤمنين] أي إن كنتم تزعمون الإيمان، فبئس هذا العمل والصنيع!! والمعنى المقصود أن يقول لهم: لستم بمؤمنين، لأن الإيمان لا يأمر بعبادة العجل

[قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس] أي قل لهم يا محمد إن كانت الجنة لكم خاصة، لا يشارككم في نعيمها أحد، كما زعمتم

[فتمنوا الموت إن كنتم صادقين] أي اشتاقوا الموت الذي يوصلكم إلى الجنة، لأن نعيم هذه الحياة لا يساوي شيئا، إذا قيس بنعيم الآخرة، ومن أيقن أنه من أهل الجنة اشتاق إليها، قال تعالى راداً عليهم تلك الدعوى الكاذبة

[ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم] أي لن يتمنوا الموت ما عاشوا، بسبب ما اجترحوه من الذنوب والآثام

[والله عليم بالظالمين] أي عالم بظلمهم وإجرامهم، وسيجازيهم على ذلك

[ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا] أي ولتجدن اليهود أشد الناس حرصا على الحياة، وأحرص من المشركين أنفسهم، وذلك لعلمهم بأنهم صائرون إلى النار لإجرامهم

[يود أحدهم لو يعمر ألف سنة] أي يتمنى الواحد منهم أن يعيش ألف سنة

[وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر] أي وما طول العمر – مهما عمر – بمبعده ومنجيه من عذاب الله

[والله بصير بما يعملون] أي مطلع على أعمالهم، فيجازيهم عليها

[قل من كان عدوا لجبريل] أي قل لهم يا محمد: من كان عدوا لجبريل، فإنه عدو لله، لأن الله جعله واسطة بينه وبين رسله، فمن عاداه فقد عادى الله

[فإنه نزله على قلبك بإذن الله] أي فإن جبريل الأمين، نزل هذا القرآن على قلبك يا محمد، بأمر الله تعالى

[مصدقا لما بين يديه] أي مصدقا لما سبقه من الكتب السماوية

[وهدى وبشرى للمؤمنين] أي وفيه الهداية الكاملة، والبشارة السارة للمؤمنين بجنات النعيم

[من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال] أي من عادى الله وملائكته ورسله، وعادى على الوجه الأخص "جبريل وميكائيل" فهو كافر عدو لله

[فإن الله عدو للكافرين] لأن الله يبغض من عادى أحدا من أوليائه، ومن عاداهم عاداه الله، ففيه الوعيد والتهديد الشديد.

===============
سبب النزول:
===============
روي أن اليهود قالوا للنبى (ص): إنه ليس نبي من الأنبياء، إلا يأتيه ملك من الملائكة، من عند ربه (بالرسالة وبالوحي)، فمن صاحبك يا محمد حتى نتابعك؟ قال: (جبريل)، قالوا: ذاك الذي ينزل بالحرب وبالقتال، ذاك عدونا! لو قلت: ميكائيل الذى ينزل بالقطر وبالرحمة تابعناك!! فأنزل الله عز وجل هذه الآية: [قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك..] الآية.

===============
البلاغة :
===============
1- [وأشربوا فى قلوبهم العجل] فيه استعارة مكنية، شبه حب عبادة العجل، بمشروب لذيذ سائغ الشراب، وطوى ذكر المشبه به، ورمز له بشيء من لوازمه، وهو الإشراب على طريق الاستعارة المكنية. قال فى تلخيص البيان: "وهذه استعارة، والمراد وصف قلوبهم بالمبالغة في حب العجل فكأنها تشربت حبه، فمازجها ممازجة المشروب، وخالطها مخالطة الشيء الملذوذ".
أقول: هذه صورة رائعة فريدة، من روائع البيان، فكأن حب العجل شراب حلو لذيذ، خالطت حلاوته الأفواه والأمعاء، فسرى فيها كما يسري الشراب في مسالك البدن.

2- [قل بئسما يأمركم به إيمانكم] إسناد الأمر إلى الإيمان، تهكم بهم كقوله تعالى: [أصلاتك تأمرك]؟ وكذلك إضافة الإيمان إليهم، أفاده الزمخشري.

3- التنكير في قوله: [على حياة] للتنبيه على أن المراد بها حياة مخصوصة، وهي الحياة المتطاولة التي يعمر فيها الشخص آلاف السنين.

4- [فإن الله عدو للكافرين] الجملة واقعة في جواب الشرط، وجيء بها إسمية لزيادة التقبيح، لأنها تفيد الثبات، ووضع الظاهر موضع الضمير فقال: [عدو للكافرين] بدل عدو لهم، لتسجيل صفة الكفر عليهم، وأنهم بسبب عداوتهم للملائكة أصبحوا من الكافرين.

5- [وجبريل وميكال] جاء اسمهما بعد ذكر (الملائكة) فهو من باب ذكر الخاص بعد العام، للتشريف والتعظيم.

===============
الفوائد:
===============
الأولى: ليس معنى السمع في قوله: [واسمعوا] إدراك القول فقط، بل المراد به سماع (تدبر وطاعة والتزام)، فهو مؤكد ومقرر لقوله: [خذوا ما آتيناكم بقوة].

الثانية: خص القلب بالذكر [نزله على قلبك] لأنه موضع العقل والعلم وتلقي المعارف، كما قال تعالى: [لهم قلوب لا يعقلون بها].

الثالثة: الحكمة في الإتيان هنا ب"لن" [ولن يتمنوه أبداً] وفي الجمعة بـ "لا" [ولا يتمنونه أبدا] أن ادعاءهم هنا أعظم، فإنهم ادعوا اختصاصهم بالجنة، وهناك كونهم (أولياء لله) من دون الناس، فناسب هنا التوكيد (بلن) المفيدة للتأبيد فى الحاضر والمستقبل، وأما هناك فاكتفى بالنفي.

الرابعة: الآية الكريمة من المعجزات، لأنها إخبار بالغيب، وكان الأمر كما أخبر، ويكفي في تحقق (هذه المعجزة) أن لا يقع تمني الموت من اليهود، الذين كانوا في عصره (ص) وفي الحديث الشريف "لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ولرأوا مقاعدهم من النار".


###############
قال الله تعالى: [ولقد أنزلنا إليك آيات بينات.. إلى قوله: لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون] من آية (99) إلى نهاية آية (103).
###############


===============
المناسبة:
===============
لما ذكر تعالى ما جبل عليه اليهود، من خبث السريرة ونقض العهود، والتكذيب لرسل الله، حتى انتهى بهم الحال إلى عداوة "جبريل" الأمين عليه السلام، أعقب ذلك ببيان أن من عادة اليهود، عدم الوفاء بالعهود، وتكذيب الرسل، واتباع طرق الشعوذة والضلال، وفي ذلك تسلية لرسول الله (ص) حيث نبذوا الكتاب وراء ظهورهم، واتبعوا ما ألقت إليهم الشياطين، من كتب السحر والشعوذة، ونسبوها إلى سليمان عليه السلام، وهو منها بريء، وهكذا حالهم مع جميع الرسل الكرام ، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات

MERAMADA
2008-12-06, 03:29 AM
===============
اللغة:
===============
[نبذ] النبذ: الطرح والإلقاء، ومنه سمي اللقيط منبوذا، لأنه ينبذ على الطريق، قال الشاعر:
إن الذين أمرتهم أن يعدلوا نبذوا كتابك واستحلوا المحرما

[تتلو] تحدث وتروي، من التلاوة بمعنى القراءة، أو بمعنى الاتباع، قال الطبري: ولقول القائل: "هو يتلو كذا" في كلام العرب معنيان: أحدهما الاتباع كما تقول: تلوت فلانا إذا مشيت خلفه وتبعت أثره، والآخر: القراءة والدراسة، كقولك: فلان يتلو القرآن أي يقرؤه

[السحر] قال الجوهري: كل ما لطف مأخذه ودق فهو سحر، وسحره أيضا بمعنى خدعه وفي الحديث "إن من البيان لسحرا"

[فتنة] الفتنة: الابتلاء والاختبار، ومنه قولهم: فتنت الذهب إذا امتحنته بالنار لتعرف سلامته أو غشه

[خلاق] الخلاق: النصيب، قال الزجاج: هو النصيب الوافر من الخير، وأكثر ما يستعمل في الخير

[لمثوبة] المثوبة: الثواب والجزاء.

===============
التفسير:
===============
[ولقد أنزلنا إليك آيات بينات] أي والله لقد أنزلنا إليك يا محمد، آيات واضحات دالات على نبوتك

[وما يكفر بها إلا الفاسقون] أي وما يجحد بهذه الآيات، ويكذب بها إلا الخارجون عن الطاعة، الماردون على الكفر

[أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم] أي أيكفرون بالآيات وهي في غاية الوضوح؟ وكلما أعطوا عهدا نقضه جماعة منهم؟

[بل أكثرهم لا يؤمنون] أي بل أكثر اليهود لا يؤمن بالتوراة، الإيمان الصادق، لذلك ينقضون العهود والمواثيق

[ولما جاءهم رسول من عند الله] وهو محمد (ص) خاتم النبيين

[مصدق لما معهم] أي مصدقا للتوراة، وموافقا لها فى أصول الدين، ومقررا لنبوة موسى عليه السلام

[نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم] أي طرح أحبارهم وعلماؤهم التوراة، وأعرضوا عنها بالكلية، لأنها تدل على نبوة محمد (ص) فجحدوا الوحي، وأصروا على إنكار نبوته

[كأنهم لا يعلمون] أي كأنهم لا يعلمون من دلائل نبوته شيئا

[واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان] أى اتبعوا طرق السحر والشعوذه ، التى كانت تحدثهم بها الشياطين فى عهد ملك سليمان

[وما كفر سليمان] أي وما كان سليمان ساحرا، ولا كفر بتعلمه السحر

[ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر] أي ولكن الشياطين هم الذين علموا الناس السحر، حتى فشا أمره بين الناس

[وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت] أي وكما اتبع رؤساء اليهود السحر، كذلك اتبعوا ما أنزل على الملكين وهما (هاروت وماروت) بمملكة بابل بأرض الكوفة، وقد أنزلهما الله ابتلاء وامتحانا للناس

[وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر] أي إن الملكين لا يعلمان أحدا من الناس السحر، حتى يبذلا له النصيحة، ويقولا: إن هذا الذي نصفه لك، إنما هو امتحان من الله وابتلاء، فلا تستعمله للإضرار ولا تكفر بسببه، فمن تعلمه ليدفع ضرره عن الناس فقد نجا، ومن تعلمه ليلحق ضرره بالناس، فقد هلك وضل.. قال تعالى:

[فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه] أي يتعلمون منهما من علم السحر، ما يكون سببا في التفريق بين الزوجين، فبعد أن كانت المودة والمحبة بينهما يصبح الشقاق والفراق

[وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله] أي وما هم بما استعملوه من السحر يضرون أحدا إلا إذا شاء الله

[ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم] أي والحال أنهم بتعلم السحر، يحصلون على الضرر لا على النفع، فيضرون أنفسهم من حيث لا يشعرون

[ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق] أي ولقد علم اليهود الذين نبذوا كتاب الله ،وأستبدلوا به السحر ، أنهم ليس لهم حظ من رحمة الله ، ولا من الجنة ، لأنهم اثروا السحر على كتاب الله

[ولبئس ما شروا به أنفسهم، لو كانوا يعلمون] أي ولبئس هذا الشيء الذي باعوا به أنفسهم، لو كان لهم علم أو فهم وإدراك !!

[ولو أنهم آمنوا واتقوا] أي ولو أن أولئك الذين يتعلمون السحر، آمنوا بالله وخافوا عذابه

[لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون] أي لأثابهم الله ثواباً أفضل، مما شغلوا به أنفسهم من السحر، الذي لا يعود عليهم إلا بالويل، والخسار، والدمار!.

===============
سبب النزول:
===============
لما ذكر رسول الله (ص) سليمان في المرسلين، قال بعض أحبار اليهود: ألا تعجبون لمحمد يزعم أن سليمان بن داود كان نبيا!! والله ما كان إلا ساحرا، فنزلت هذه الآية [وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر].

===============
البلاغة:
===============
1- [رسول من عند الله] التنكير للتفخيم، ووصف الرسول بأنه آت من عند الله، لإفادة مزيد التعظيم والتكريم لشأن الرسول (ص).

2- [وراء ظهورهم] مثل يضرب للإعراض عن الشيء جملة، تقول العرب: جعل هذا الأمر وراء ظهره، أي تولى عنه معرضا، لأن ما يجعل وراء الظهر لا ينظر إليه، فهو كناية عن الإعراض عن التوراة بالكلية.

3- [لو كانوا يعلمون] هذا جار على الأسلوب المعروف في فنون البلاغة، من أن العالم بالشيء إذا لم يسر على موجب علمه، قد ينزل منزلة الجاهل به، وينفى عنه العلم، كما ينفى عن الجاهلين.

4- [لمثوبة من عند الله] جيء بالجملة الأسمية بدل الفعلية، للدلالة على الثبوت والاستقرار.

===============
فائدة:
===============
الحكمة من تعليم الملكين الناس السحر، أن السحرة كثروا فى ذلك العهد، واخترعوا فنونا غريبة من السحر، وربما زعموا أنهم أنبياء، فبعث الله تعالى الملكين ليعلما الناس وجوه السحر، حتى يتمكنوا من التمييز بينه وبين المعجزة، ويعرفوا أن الذين يدعون النبوة كذبة، إنما هم سحرة لا أنبياء مرسلون.


###############
قال الله تعالى: [يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا.. إلى .. إن الله بما تعملون بصير] من آية (104) إلى نهاية آية (110).
###############


===============
المناسبة:
===============
لما ذكر تعالى قبائح اليهود، وما اختصوا به من ضروب السحر والشعوذة، أعقبه ببيان نوع آخر من السوء والشر، الذين يضمرونه للنبي (ص) والمسلمين، من الطعن والحقد والحسد، وتمني زوال النعمة عن المؤمنين، واتخاذهم الشريعة الغراء هدفا للطعن، والتجريح، بسبب النسخ لبعض الأحكام الشرعية.

===============
اللغة:
===============
[راعنا] من (المراعاة) وهي الإنظار والإمهال، وأصلها من الرعاية، وهي النظر في مصالح الإنسان، وقد حرفها اليهود فجعلوها كلمة مسبة، مشتقة من (الرعونة) وهي الحمق، ولذلك نهي عنها المؤمنون

[انظرنا] من النظر أو الانتظار تقول: نظرت الرجل إذا انتظرته وارتقبته أي انتظرنا وتأن بنا

[يود] يتمنى ويحب

[ننسخ] النسخ في اللغة: الإبطال والإزالة يقال: نسخت الشمس الظل أي أزالته، وفي الشرع: رفع حكم شرعي وتبديله بحكم آخر

[ننسها] من أنسى الشيء جعله منسيا فهو من النسيان الذي هو ضد الذكر أي نمحها من القلوب

[ولي] الولي: من يتولى أمور الإنسان ومصالحه

[نصير] النصير: المعين مأخوذ من قولهم نصره إذا أعانه

[أم] بمعنى بل وهي تفيد الانتقال من جملة إلى جملة أخرى، كقوله تعالى: [أم يقولون افتراه] أي بل يقولون

[يتبدل] يقال: بدل وتبدل واستبدل أي جعل شيئا موضع آخر، وتبدل الكفر بالإيمان، معناه: أخذ الكفر بدل الإيمان

[سواء السبيل] أي وسط الطريق، والسواء من كل شيء: الوسط، والسبيل معناه الطريق

[فاعفوا] العفو: ترك المؤاخذة على الذنب

[واصفحوا] والصفح: ترك التأنيب عنه.

===============
سبب النزول:
===============
روي أن اليهود قالوا: ألا تعجبون لأمر محمد؟! يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه، ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولا ويرجع عنه غدا، فما هذا القرآن إلا كلام محمد، يقوله من تلقاء نفسه، يناقض بعضه بعضا فنزلت الآية [ما ننسخ من آية].

===============
التفسير:
===============
[يا أيها الذين آمنوا] هذا نداء من الله جل شأنه للمؤمنين يخاطبهم فيه فيقول:

[لا تقولوا راعنا] أي راقبنا وأمهلنا حتى نتمكن من حفظ ما تلقيه علينا

[وقولوا انظرنا] أي انتظرنا وارتقبنا

[واسمعوا] أي أطيعوا أوامر الله، ولا تكونوا كاليهود حيث قالوا: سمعنا وعصينا

[وللكافرين عذاب أليم] أي ولليهود الذين نالوا من الرسول وسبوه، عذاب فظيع موجع

[ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم] أي ما يحب الكافرين من (اليهود والنصارى)، ولا المشركون الوثنيون أن ينزل عليكم شيء من الخير، بغضا فيكم وحسدا لكم

[والله يختص برحمته من يشاء] أي يختص بالنبوة والوحي، والفضل والإحسان من شاء من عباده

[والله ذو الفضل العظيم] أي والله جواد كريم، واسع الفضل والإحسان، ثم قال تعالى ردا على اليهود حين طعنوا فى القرآن بسبب النسخ

[ما ننسخ من آية أو ننسها] أي ما نبدل حكم آية فنغيره بآخر، أو ننسها يا محمد أي نمحها من قلبك

[نأت بخير منها أو مثلها] أي نأت بخير لكم منها أيها المؤمنون، بما هو أنفع لكم فى العاجل أو الآجل، إما برفع المشقة عنكم، أو بزيادة الأجر والثواب لكم

[ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير] أي ألم تعلم أيها المخاطب، أن الله عليم حكيم قدير، لا يصدر منه إلا كل خير وإحسان للعباد!!

[ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض] أي ألم تعلم أن الله هو المالك المتصرف فى شؤون الخلق؟ يحكم بما شاء ويأمر بما شاء؟

[وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير] أي ما لكم ولي يرعى شؤونكم، أو ناصر ينصركم غير الله تعالى، فهو نعم الناصر والمعين

[أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل] أي بل أتريدون يا معشر المؤمنين، أن تسألوا نبيكم كما سأل قوم موسى نبيهم من قبل؟ ويكون مثلكم كمثل اليهود الذين قالوا لنبيهم: [أرنا الله جهرة] فتضلوا كما ضلوا؟

[ومن يتبدل الكفر بالإيمان] أي يستبدل الضلالة بالهدى، ويأخذ الكفر بدل الإيمان

[فقد ضل سواء السبيل] أي فقد حاد عن الجادة وخرج عن الصراط السوي

[ود كثير من أهل الكتاب] أي تمنى كثير من اليهود والنصارى

[لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا] أي لو يصيرونكم كفارا بعد أن آمنتم

[حسدا من عند أنفسهم] أي حسدا منهم لكم، حملتهم عليه أنفسهم الخبيثة

[من بعد ما تبين لهم الحق] أي من بعد ما ظهر لهم بالبراهين الساطعة أن دينكم هو الحق

[فاعفوا واصفحوا] أي اتركوهم وأعرضوا عنهم فلا تؤاخذوهم

[حتى يأتى الله بأمره] أي حتى يأذن الله لكم بقتالهم

[إن الله على كل شيء قدير] أي قادر كل شيء فينتقم منهم إذا حان الأوان

[وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة] أي حافظوا على عمودي الإسلام، وهما: "الصلاة والزكاة" وتقربوا إليه بالعبادة البدنية والمالية

[وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله] وأي شيء تتقربون به إلى الله، من صلاة أو صدقة أو عمل صالح، فرضا كان أو تطوعا ترون ثوابه عند الله

[إن الله بما تعملون بصير] أي رقيب عليكم مطلع على أعمالكم، فيجازيكم عليها يوم الدين.

===============
البلاغة:
===============
1- الإضافة فى قوله: [من ربكم] للتشريف، وفيها التذكير للعباد بتربيته لهم، فهو الخالق، والمربي لعباده.

2- تصدير الجملتين بلفظ الجلالة [والله يختص] [والله ذو الفضل] للإيذان بفخامة الأمر.

3- [ألم تعلم] الاستفهام للتقرير، والخطاب للنبى (ص) والمراد به أمته بدليل قوله تعالى: [وما لكم من دون الله]

4- وضع الاسم الجليل موضع الضمير [إن الله] و [من دون الله] لتربية الروعة والمهابة في النفوس.

5- [ضل سواء السبيل] من إضافة الصفة للموصوف أي الطريق المستوي، وفي التعبير به نهاية التبكيت والتشنيع، لمن ظهر له الحق فعدل عنه إلى الباطل

شموخ أنثى
2008-12-06, 09:52 PM
شكرا وربنا يجزيك ويجزينا كل خير
وشوف ثوابك فى كل اللى هيستفيد من موضوعك
ويا ريت نهتم بتفسير القرآن لان فعلا فيه كل حاجة ممكن نعرفها تلاقى فى الاخر القرآن أشاد ليها فعلا فسبحان الله العلى العظيم
تقبل مرورى /شموخ أنثى

MERAMADA
2008-12-07, 03:29 AM
===============
الفوائد:
===============
الأولى: خاطب الله المؤمنين بقوله تعالى: [يا أيها الذين آمنوا] في ثمانية وثمانين موضعا من القرآن وهذا أول خطاب خوطب به المؤمنون في هذه السورة، ونداء المخاطبين باسم المؤمنين، يذكرهم بأن الإيمان يقتضي من صاحبه، أن يتلقى أوامر الله ونواهيه بحسن الطاعة والامتثال، قال ابن مسعود: "إذا سمعت الله تعالى يقول: [يا أيها الذين آمنوا] فارعها سمعك، فإنه خير تؤمر به، أو شر تنهى عنه.

الثانية: نهى المسلمون أن يقولوا فى خطاب النبى (ص) [راعنا] وأمروا بأن يقولوا مكانها [انظرنا] وفي ذلك تنبيه لأدب جميل، هو أن الإنسان يتجنب فى مخاطباته الألفاظ التي توهم الجفاء أو التنقيص، فى مقام يقتضى إظهار المودة والتعظيم.

الثالثة: كانت اليهود تستعمل كلمة [راعنا] يعنون بها المسبة والشتيمة، وروي أن "سعد بن معاذ" سمعها منهم فقال: يا أعداء الله، عليكم لعنة الله والذي نفسي بيده لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله (ص) لأضربن عنقه فقالوا: أولستم تقولونها؟ فنزلت هذه الآية [لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا].


###############
قال الله تعالى: [وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى.. إلى .. إن الله واسع عليم] من آية (111) إلى نهاية آية (115).
###############


===============
المناسبة:
===============
في هذه الآيات الكريمة بيان آخر لأباطيل أهل الكتاب، حيث ادعى كل من الفريقين (اليهود والنصارى)، أن الجنة خاصة بهم، وطعن في دين الآخر، فاليهود يعتقدون بكفر النصارى وضلالهم، ويكفرون بعيسى وبالإنجيل، والنصارى يعتقدون بكفر اليهود لعدم إيمانهم بالمسيح، حتى صار كل فريق يطعن في دين الآخر، ويزعم أن الجنة وقف عليه، فأكذب الله الفريقين، وبين أن الجنة إنما يفوز بها المؤمن التقي الذي عمل الصالحات.

===============
اللغة:
===============
[هودا] أي يهودا جمع هائد، والهائد: التائب الراجع مشتق من هاد إذا تاب [إنا هدنا إليك]،

[أمانيهم] جمع أمنية وهي ما يتمناه الإنسان ويشتهيه،

[برهانكم] البرهان: الدليل والحجة الموصلان إلى اليقين،

[أسلم] استسلم وخضع،

[خرابها] الخراب: الهدم والتدمير وهو حسي كتخريب بيوت الله، ومعنوي كتعطيل إقامة الشعائر فيها،

[خزي] هوان وذلة،

[ثم] بفتح الثاء أي "هناك" ظرف للمكان،

[وجه الله] الوجه: الجهة والمراد بوجه الله هنا: الجهة التي ارتضاها وأمر بالتوجه إليها.

===============
سبب النزول:
===============
عن ابن عباس قال: لما قدم أهل نجران من النصارى على رسول الله (ص) أتتهم أحبار اليهود، فتنازعوا عند رسول الله (ص) فقال رافع بن حرملة: ما أنتم على شيء وكفر بعيسى وبالإنجيل، وقال رجل من أهل نجران من النصارى لليهود: ما أنتم على شيء وجحد نبوة موسى وكفر بالتوراة فأنزل الله
[وقالت اليهود ليست النصارى على شيء] الآية.

===============
التفسير:
===============
[وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى] أي قال اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديا، وقال النصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا

[تلك أمانيهم] أي تلك خيالاتهم وأحلامهم

[قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين] أي قل لهم يا محمد: ائتوني بالحجة الساطعة على ما تزعمون إن كنتم صادقين في دعواكم

[بلى من أسلم وجهه لله] أي بلى يدخل الجنة، من استسلم وخضع وأخلص نفسه لله

[وهو محسن] أي وهو مؤمن مصدق متبع لرسول الله (ص)

[فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون] أي فله ثواب عمله ولا خوف عليهم في الآخرة ولا يعتريهم حزن أو كدر بل هم في نعيم مقيم

[وقالت اليهود ليست النصارى على شيء] أي كفر اليهود بعيسى وقالوا: ليس النصارى على دين صحيح معتد به فدينهم باطل

[وقالت النصارى ليست اليهود على شيء] أي وقال النصارى في اليهود مثل ذلك، ليس اليهود على دين صحيح، ودينهم باطل

[وهم يتلون الكتاب] أي والحال أن اليهود يقرأون التوراة، والنصارى يقرأون الإنجيل فقد كفروا عن علم

[كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم] أي كذلك قال مشركو العرب مثل قول أهل الكتاب قالوا: ليس محمد على شيء

[فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون] أي يحكم بين اليهود والنصارى وسائر الخلائق، ويفصل بينهم بقضائه العادل، فيما اختلفوا فيه من أمر الدين

[ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه] الكلام خرج مخرج المبالغة في التهديد والزجر، استنكاراً لأن يكون أحد أظلم ممن فعل ذلك أي لا أحد أظلم ممن منع الناس من عبادة الله في بيوت الله.

[وسعى فى خرابها] أى وعمل لخرابها بالهدم كما فعل الرومان ببيت المقدس، أو بتعطيلها من العبادة كما فعل كفار قريش

[أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين] أي ما كان ينبغي لأولئك أن يدخلوها إلا وهم في خشية وخضوع، فضلا عن التجرؤ على تخريبها أو تعطيلها

[لهم في الدنيا خزي] أي لأولئك المذكورين هوان وذلة في الدنيا

[ولهم في الآخرة عذاب عظيم] أي لهم عذاب شديد موجع، هو عذاب النار.

[ولله المشرق والمغرب] أي لله جل وعلا الكون كله، وله الجهات كلها، مكان شروق الشمس ومكان غروبها والمراد جميع الأرض

[فأينما تولوا فثم وجه الله] أي إلى أي جهة توجهتم بأمره، فهناك قبلته التي رضيها لكم، وقد نزلت الآية فيمن أضاع جهة القبلة

[إن الله واسع عليم] أي يسع الخلق بالجود والإفضال، وهو سبحانه عليم بتدبير شؤونهم، لا تخفى عليه خافية من أحوالهم.

===============
البلاغة:
===============
1- [تلك أمانيهم] الجملة اعتراضية وفائدتها بيان بطلان الدعوى وأنها دعوى كاذبة.

2- [قل هاتوا برهانكم] الأمر هنا للتبكيت والتقريع، فليس عندهم حجة أو برهان.

3- [من أسلم وجهه لله] خص الوجه بالذكر لأنه أشرف الأعضاء، فالوجه هنا استعارة عن القصد، والتوجه والإقبال على الله، ومعنى [أسلم وجهه] أي استسلم وخضع، وأخلص عمله لله.

4- [عند ربه] وضع اسم الرب موضع ضمير الجلالة، لإظهار مزيد اللطف به.

5- [قال الذين لا يعلمون] فيه توبيخ عظيم لأهل الكتاب لأنهم خرطوا أنفسهم – مع علمهم – في سلك من لا يعلم أصلا.

6- [ومن أظلم] الاستفهام بمعنى النفي أي لا أحد أظلم منه.

7- [لهم في الدنيا خزي] التنكير للتهويل أي خزي هائل فظيع، لا يكاد يوصف لهوله.

8- [عليم] صيغة فعيل للمبالغة، أي واسع العلم.

===============
فائدة:
===============
قال الإمام الفخر: إسلام الوجه لله يعني إسلام النفس لطاعة الله، وقد يكنى بالوجه عن النفس كما قال تعالى: [كل شيء هالك إلا وجهه] وقال زيد بن نفيل:
وأسلمت وجهي لمن أسلمت له الأرض تحمل صخرا ثقالا وأسلمت وجهي لمن أسلمت له المزن تحمل عذبا زلالا.


###############
قال الله تعالى: [وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه.. إلى.. ولا هم ينصرون] من آية (116) إلى نهاية آية (123).
###############


===============
المناسبة:
===============
لما ذكر تعالى افتراء اليهود والنصارى، وزعمهم أن الجنة خاصة بهم لا يشاركهم فيها أحد، أعقبه بذكر بعض قبائحهم، وقبائح المشركين في ادعائهم أن لله ولدا، حيث زعم اليهود أن عزيرا ابن الله، وزعم النصارى أن المسيح ابن الله، وزعم المشركون أن الملائكة بنات الله، فأكذبهم الله جميعا، ورد دعواهم، بالحجة الدامغة والبرهان القاطع

MERAMADA
2008-12-07, 03:45 AM
===============
اللغة:
===============
[سبحانه] سبحان مصدر سبح بمعنى نزه ومعناه التبرئة والتنزيه عما لا يليق بجلاله تعالى

[قانتون] مطيعون خاضعون من القنوت والطاعة والخضوع

[بديع] البديع: المبدع، والإبداع: الاختراع والابتكار، وهو اختراع الشيء على غير مثال سبق

[قضى] أراد وقدر

[بشيرا] البشير: المبشر وهو المخبر بالأمر الصادق السار

[نذيرا] النذير: المنذر وهو المخبر بالأمر المخوف ليحذر منه

[الجحيم] المتأجج من النار

[ملتهم] أي دينهم وجمعها ملل، وأصل الملة: الطريقة المسلوكة، ثم جعلت اسما للشريعة التى أنزلها الله

[عدل] فداء.

===============
التفسير:
===============
[وقالوا اتخذ الله ولدا] هو قول اليهود والنصارى والمشركين فاليهود قالوا: عزير ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله والمشركون قالوا: الملائكة بنات الله، فأكذب الله الجميع في دعواهم فقال

[سبحانه] أي تقدس وتنزه عما زعموا تنزهاً بليغا

[بل له ما في السموات والأرض] بل للإضراب أي ليس الأمر كما زعموا، بل هو جل وعلا خالق جميع الموجودات، التي من جملتها عزير، والمسيح، والملائكة

[كل له قانتون] أي الكل منقادون له، لا يستعصي شيء منهم على تقديره ومشيئته

[بديع السموات والأرض] أي خالقهما ومبدعهما على غير مثال سبق

[وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون] أي إذا أراد إيجاد شيء، حصل من غير امتناع ولا مهلة، فمتى أراد شيئا وجد بلمح البصر، فمراده نافذ وأمره لا يتخلف [وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر]

[وقال الذين لا يعلمون] المراد بهم جهلة المشركين وهم كفار قريش

[لولا يكلمنا الله] أي هلا يكلمنا الله مشافهة أو بإنزال الوحي علينا بأنك رسوله

[أو تأتينا آية] أي تجيئنا يا محمد بحجة ساطعة، تكون برهانا على صدق نبوتك، قالوا ذلك استكبارا وعنادا

[كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم] أي مثل هذا الباطل الشنيع، قال المكذبون من أسلافهم لرسلهم

[تشابهت قلوبهم] أي قلوب هؤلاء ومن قبلهم، في العمى والعناد والتكذيب للأنبياء، وفي هذا تسلية له (ص)

[قد بينا الآيات لقوم يوقنون] أي قد وضحنا الأدلة وأقمنا البراهين لقوم يطلبون الحق واليقين، وكلها ناطقة بصدق ما جئت به

[إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا] أي أرسلناك يا محمد بالشريعة النيرة والدين القويم، بشيرا للمؤمنين بجنات النعيم، ونذيرا للكافرين من عذاب الجحيم

[ولا تسأل عن أصحاب الجحيم] أي أنت يا محمد لست مسؤولا عمن لم يؤمن منهم، بعد أن بذلت الجهد في دعوتهم [إنما عليك البلاغ وعلينا الحساب]

[ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم] أي لن ترضى عنك الطائفتان (اليهود والنصارى) حتى تترك الإسلام المنير، وتتبع دينهم الأعوج

[قل إن الهدى هدى الله] أي قل لهم يا محمد: إن الإسلام هو الدين الحق وما عداه فهو ضلال

[ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم] أي ولئن سايرتهم على آرائهم الزائفة، وأهوائهم الفاسدة، بعدما ظهر لك الحق بالبراهين الساطعة، والحجج القاطعة

[ما لك من الله من ولي ولا نصير] أي ليس لك من يحفظك أو يدفع عنك عقابه الأليم

[الذين آتيناهم الكتاب] ثناء من الله تعالى على طائفة من اليهود والنصارى أسلموا

[يتلونه حق تلاوته] أي يقرؤونه قراءة حقة كما أنزل

[أولئك يؤمنون به] أي فأولئك هم المؤمنون حقا، دون المعاندين المحرفين لكلام الله

[ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون] أي ومن كفر بالقرآن فقد خسر دنياه وآخرته

[يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم] أي اذكروا نعمي الكثيرة عليكم وعلى آبائكم

[وأني فضلتكم على العالمين] أي واذكروا تفضيلي لكم على سائر الأمم في زمانكم

[واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا] أي خافوا ذلك اليوم الرهيب، الذي لا تغني فيه نفس عن نفس، ولا تدفع عنها من عذاب الله شيئا، لأن كل نفس بما كسبت رهينة

[ولا يقبل منها عدل] أي لا يقبل منها فداء

[ولا تنفعها شفاعة] أي لا تفيدها شفاعة أحد، لأنها كفرت بالله، كما قال سبحانه: [فما تنفعهم شفاعة الشافعين]

[ولا هم ينصرون] أي لا يدفع عنهم أحد عذاب الله، ولا يجيرهم وينقذهم من سطوة عقابه!.

===============
البلاغة:
===============
1- [سبحانه] جملة اعتراضية وفائدتها بيان بطلان دعوى الظالمين الذين زعموا لله الولد، قال أبو السعود: وفيه من التنزيه البليغ من حيث الاشتقاق من "السبح" ومن جهة النقل إلى التفعيل "التسبيح" ومن جهة العدول إلى المصدر ما لا يخفى، والمراد أنزهه تنزيها لائقا به.

2- [كل له قانتون] صيغة جمع العقلاء في [قانتون] للتغليب أي تغليب العقلاء على غير العقلاء، والتغليب من الفنون المعدودة في محاسن البيان.

3- التعبير عن الكافرين والمكذبين بكلمة [أصحاب الجحيم] إيذان بأن أولئك المعاندين من المطبوع على قلوبهم، فلا يرجى منهم الرجوع عن الكفر والضلال إلى الإيمان والإذعان.

4- إيراد الهدى معرفا بأل في قوله: [هو الهدى] يفيد قصر الهداية على (دين الإسلام)، فالإسلام هو الهدى كله، وما عداه فهو هوى وعمى.

5- [ولئن اتبعت أهواءهم] هذا من باب التهييج والإلهاب، وإلا فأنى يتصور اتباعه (ص) لملتهم الباطلة؟.

===============
تنبيه:
===============
قال القرطبي: [بديع السموات والأرض] أي منشئها وموجدها ومبدعها ومخترعها على غير حد ولا مثال، وكل من أنشأ ما لم يسبق إليه، قيل له مبدع، ومنه أصحاب البدع، وسميت البدعة (بدعة) لأن قائلها ابتدعها من غير فعل أو مقال إمام، وفي البخاري "نعمت البدعة هذه" يعني قيام رمضان.. ثم قال: وكل بدعة صدرت من مخلوق فلا يخلو أن يكون لها أصل فى الشرع أو لا؟ فإن كان لها أصل فهي في حيز المدح، ويعضده قول عمر "نعمت البدعة هذه" وإلا فهي في حيز الذم والإنكار، وقد بين هذا الحديث الشريف "من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها.. ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها..".


###############
قال الله تعالى: [وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن.. إلى .. إنك أنت العزيز الحكيم] من آية (124) إلى نهاية آية (129).
###############


===============
المناسبة:
===============
بعد أن ذكر الله تعالى نعمه على بني إسرائيل، وكيف كانوا يقابلون النعم بالكفر والعناد، وصل حديثهم بقصة (إبراهيم) أبي الأنبياء، الذي يزعم اليهود والنصارى انتماءهم إليه، ولو كانوا صادقين لوجب عليهم اتباع هذا النبي الكريم محمد (ص) ودخولهم في دينه القويم، لأنه من ولد إسماعيل عليه السلام، فكان أولى بالاتباع والتمسك بشريعته الحنيفية السمحة، التي هي شريعة الخليل عليه السلام.

===============
اللغة:
===============
[ابتلى] امتحن والابتلاء: الاختبار

[فأتمهن] أتى بهن على وجه التمام والكمال

[إماما] الإمام: القدوة الذي يؤتم به في الأقوال والأفعال

[مثابة] مرجعاً من ثاب يثوب إذا رجع، أي إنهم يأتون ويترددون إليه لا يقضون منه وطرهم، قال الشاعر:
جعل البيت مثابا لهم ليس منه الدهر يقضون الوطر.

[وأمنا] الأمن: السلامة من الخوف والطمأنينة في النفس والأهل

[وعهدنا] أمرنا وأوحينا

[للطائفين] جمع طائف من الطواف وهو الدوران حول الشيء

[والعاكفين] جمع عاكف من العكوف وهو الإقامة على الشيء والملازمة له، والمراد المقيمون في الحرم بقصد العبادة

[فأمتعه] من التمتيع وهو إعطاء الإنسان ما ينتفع به كقوله: [قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار]

[القواعد] جمع قاعدة وهي الأساس

[مناسكنا] جمع منسك وهي العبادة والطاعة

[الحكمة] العلم النافع المصحوب بالعمل، والمراد بها السنة النبوية المطهرة

[ويزكيهم] من التزكية وهي في الأصل التنمية يقال: زكى الزرع إذا نما ثم استعملت في معنى الطهارة النفسية قال تعالى: [قد أفلح من زكاها

MERAMADA
2008-12-08, 01:03 AM
===============
التفسير:
===============
[وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن] أي اذكر يا محمد حين اختبر الله عبده إبراهيم الخليل، وكلفه بجملة من التكاليف الشرعية "أوامر ونواه" فقام بهن خير قيام

[قال إني جاعلك للناس إماما] أي قال له ربه: إني جاعلك يا إبراهيم قدوة للناس، ومنارا يهتدي بك الخلق

[قال ومن ذريتي] أي قال إبراهيم: واجعل يا رب أيضا أئمة من ذريتي

[قال لا ينال عهدي الظالمين] أي لا ينال هذا الفضل العظيم أحد من الكافرين

[وإذ جعلنا البيت مثابة للناس] أي واذكر حين جعلنا الكعبة المعظمة مرجعا للناس، يقبلون عليه من كل بلد وقطر

[وأمنا] أي مكان أمن، يأمن من لجأ إليه، وذلك لما أودع الله في قلوب العرب من تعظيمه وإجلاله

[واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى] أي وقلنا للناس: اتخذوا من المقام – وهو الحجر الذي كان يقوم عليه إبراهيم لبناء الكعبة – مصلى أي صلوا عنده

[وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل] أي أوصينا وأمرنا إبراهيم وولده إسماعيل

[أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود] أي أمرنا بأن يصونا البيت من الأرجاس والأوثان، ليكون معقلا للطائفين حوله، والمعتكفين الملازمين له، والمصلين فيه، فالآية جمعت أصناف العابدين في البيت الحرام: (الطائفين، والمعتكفين، والمصلين).. ثم أخبر تعالى عن دعوة الخليل إبراهيم فقال:

[وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا] أي اجعل هذا المكان – والمراد مكة المكرمة – بلداً ذا أمن، يكون أهله في أمن واستقرار

[وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر] أي وارزق يا رب المؤمنين من أهله وسكانه، من أنواع الثمرات، ليقبلوا على طاعتك ويتفرغوا لعبادتك، وخص بدعوته المؤمنين فقط، قال تعالى جوابا له

[قال ومن كفر فأمتعه قليلا] أي قال الله: وأرزق من كفر أيضا كما أرزق المؤمن، أأخلق خلقا ثم لا أرزقهم؟ أما الكافر فأمتعه في الدنيا متاعا قليلا، وذلك مدة حياته فيها

[ثم اضطره إلى عذاب النار] أي ثم ألجئه فى الآخرة وأسوقه إلى عذاب النار، فلا يجد عنها محيصا

[وبئس المصير] أي وبئس المآل والمرجع للكافر، أن يكون مأواه نار جهنم.. قاس الخليل الرزق على الإمامة، فنبهه تعالى على أن الرزق رحمة دنيوية، شاملة للبر والفاجر، بخلاف الإمامة فإنها خاصة بالخواص من المؤمنين، ثم قال تعالى حكاية عن قصة بناء البيت العتيق

[وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل] أي واذكر يا أيها الرسول لقومك ذلك الأمر الغريب، وهو رفع الرسولين العظيمين (إبراهيم وإسماعيل) قواعد البيت وقيامهما بوضع أساسه ورفع بنائه، وهما يقولان بخضوع وإجلال

[ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم] أي يبنيان ويدعوان بهذه الدعوات الكريمة، قائلين: يا ربنا تقبل منا أي أقبل منا عملنا هذا، واجعله خالصاً لوجهك الكريم، فإنك أنت السميع لدعائنا العليم بنياتنا

[ربنا واجعلنا مسلمين لك] أي اجعلنا خاضعين لك منقادين لحكمك

[ومن ذريتنا أمة مسلمة لك] أي واجعل من ذريتنا من يسلم وجهه لك ويخضع لعظمتك

[وأرنا مناسكنا] أي وعلمنا شرائع عبادتنا ومناسك حجنا

[وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم] أي تب علينا وارحمنا، فإنك عظيم المغفرة واسع الرحمة

[ربنا وابعث فيهم رسولا منهم] أي ابعث في الأمة المسلمة رسولا من أنفسهم، وهذا من جملة دعواتهما المباركة، وقد استجاب الله الدعاء ببعثة السراج المنير محمد (ص)

[يتلو عليهم آياتك] أي يقرأ آيات القرآن

[ويعلمهم الكتاب والحكمة] أي يعلمهم القرآن والسنة المطهرة

[ويزكيهم] أي يطهرهم من رجس الشرك

[إنك أنت العزيز الحكيم] العزيز الذي لا يقهر ولا يغلب، الحكيم الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة والمصلحة.

===============
البلاغة:
===============
1- التعرض لعنوان الربوبية [ابتلى إبراهيم ربه] تشريف له عليه السلام، وإيذان بأن ذلك الابتلاء تربية له، وترشيح لأمر خطير، والمراد أنه سبحانه عامله معاملة المختبر، حيث كلفه بأوامر ونواهي، يظهر بها استحقاقه للإمامة العظمى.

2- إيقاع المصدر موقع اسم الفاعل في قوله: [وأمنا] للمبالغة، والإسناد مجازي، أي آمنا من دخله كقوله تعالى: [ومن دخله كان آمنا] وخير ما فسرته بالوارد.

3- إضافة البيت إلى ضمير الجلالة [وطهر بيتي] للتشريف والتعظيم.

4- قوله تعالى: [وإذ يرفع إبراهيم] ورد التعبير بصيغة المضارع حكاية عن الماضي، ولذلك وجه معروف في محاسن البيان، وهو استحضار الصورة الماضية، وكأنها مشاهدة بالعيان، فكأن السامع ينظر ويرى إلى البنيان وهو يرتفع أمامه، والبناء هو إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، قال أبو السعود: وصيغة الاستقبال لحكاية الحال الماضية لاستحضار صورتها العجيبة المنبئة عن المعجزة الباهرة.

5- [التواب الرحيم] صيغتان من صيغ المبالغة، لأن "فعال" و"فعيل" من صيغ المبالغة، أي عظيم المغفرة، واسع الرحمة، لا يخيب من دعاه.

===============
الفوائد:
===============
الفائدة الأولى: تقديم المفعول في قوله: [ابتلي إبراهيم ربه] واجب لاتصال الفاعل بضمير يعود على المفعول، فلو قدم الفاعل لزم عود الضمير على متأخر لفظاً ورتبة، وهذا لا يصح، قال ابن مالك:
وشاع نحو خاف ربه عمر وشذ نحو زان نوره الشجر

الثانية: الاختبار في الأصل الامتحان بالشيء، ليعلم صدق ذلك الشخص أو كذبه، وهو مستحيل على الله، لأنه عالم بذلك قبل الاختبار، فالمراد أنه عامله معاملة المختبر، لكشف الطائع من العاصي لعباده، فإنه تعالى عالم بعواقب الأمور.

الثالثة: اختلف المفسرون في الكلمات التي اختبر الله بها إبراهيم عليه السلام، وأصح هذه الأقوال ما روي عن ابن عباس أنه قال: "الكلمات التي ابتلى الله بهن إبراهيم فأتمهن: فراق قومه في الله حين أمر بمفارقتهم، ومحاجة نمرود في الله، وصبره على قذفهم إياه في النار ليحرقوه، والهجرة من وطنه حين أمر بالخروج عنهم، وما ابتلى به من ذبح ابنه إسماعيل حين أمر بذبحه".

الرابعة: المراد من الإمامة في الآية الكريمة (الإمامة في الدين) وهي النبوة التي حرمها الظالمون، ولو كانت الإمامة الدنيوية لخالف ذلك الواقع، إذ نالها كثير من الظالمين، فظهر أن المراد: الإمامة في الدين خاصة.

الخامسة: ذكر العلامة ابن القيم أن السر في تفضيل البيت العتيق ظاهر، وذلك في انجذاب الأفئدة، وهوى القلوب ومحبتها له، فجذبه للقلوب أعظم من جذب المغناطيس للحديد، فهم يثوبون إليه من جميع الأقطار، ولا يقضون منه وطرا، بل كلما ازدادوا له زيارة، ازدادوا له اشتياقا.
لا يرجع الطرف عنها حين يبصرها حتى يعود إليها الطرف مشتاقا


###############
قال الله تعالى: [ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه .. إلى.. ولا تسألون عما كانوا يعملون] من آية (130) إلى نهاية آية (134).
###############


===============
المناسبة:
===============
لما ذكر تعالى مآثر الخليل إبراهيم عليه السلام، وقصة بنائه للبيت العتيق منار التوحيد، أعقبه بالتوبيخ الشديد للمخالفين لملة الخليل من اليهود والنصارى والمشركين، وأكد أنه لا يرغب عن ملته إلا كل شقي سفيه الرأي، خفيف العقل، متبع لخطوات الشيطان

MERAMADA
2008-12-08, 01:38 AM
===============
اللغة:
===============
[سفه نفسه] امتهنها واستخف بها، وأصل السفه: الخفة ومنه زمام سفيه أي خفيف

[اصطفيناه] أي جعلناه صافيا من الأدناس، مشتق من الصفوة ومعناه تخير الأصفى، والمراد اصطفاؤه بالرسالة والخلة والإمامة العظمى

[وصى] التوصية: إرشاد الغير إلى ما فيه صلاح وقربة

[شهداء] جمع شاهد أي حاضر

[خلت] مضت وانقرضت.

===============
التفسير:
===============
[ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه] أي لا يرغب عن دين إبراهيم وملته الواضحة الغراء، إلا من استخف نفسه وامتهنها

[ولقد اصطفيناه في الدنيا] أي اخترناه من بين سائر الخلق بالرسالة والنبوة والإمامة

[وإنه في الآخرة لمن الصالحين] أي هو من المقربين الذين لهم الدرجات العلى

[إذ قال له ربه أسلم] أي استسلم لأمر ربك، وأخلص نفسك له

[قال أسلمت لرب العالمين] أي استسلمت لأمر الله وخضعت لحكمه

[ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب] أي وصى الخليل أبناءه باتباع ملته، وكذلك يعقوب أوصى بملة إبراهيم

[يا بني إن الله اصطفى لكم الدين] أي اختار لكم دين الإسلام ديناً، وهذه حكاية لوصية إبراهيم ويعقوب لأبنائهما

[فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون] أي اثبتوا على الإسلام، حتى يدرككم الموت وأنتم متمسكون به، فتموتون مسلمين

[أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت] أي هل كنتم شهداء حين احتضر (يعقوب) وأشرف على الموت، وأوصى بنيه باتباع ملة إبراهيم؟

[إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي] أي أي شيء تعبدونه بعدي؟

[قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا] أي لا نعبد إلا إلها واحدا هو [الله] رب العالمين، إله آبائك وأجدادك السابقين

[ونحن له مسلمون] أي نحن له وحده مطيعون خاضعون، والغرض تحقيق البراءة من الشرك، قال تعالى مشيرا إلى تلك الذرية الطيبة

[تلك أمة قد خلت] الإشارة إلى إبراهيم عليه السلام وبنيه أي تلك جماعة وجيل قد سلف ومضى

[لها ما كسبت ولكم ما كسبتم] أي لها ثواب ما كسبت ولكم ثواب ما كسبتم

[ولا تسألون عما كانوا يعملون] أي لا تسألون يوم القيامة عما كانوا يعملون في الدنيا، بل كل نفس تتحمل وحدها تبعة ما اكتسبت من سوء.

===============
البلاغة:
===============
1- [ومن يرغب] استفهام يراد به الإنكار والتقريع، وقع فيه معنى النفي أي لا يرغب عن ملة إبراهيم إلا السفيه الأحمق، والجملة واردة مورد التوبيخ للكافرين.

2- التأكيد ب"إن" و"اللام" [وإنه في الآخرة لمن الصالحين] لأنه لما كان إخباراً عن حالة مغيبة في الآخرة، احتاجت إلى تأكيد، بخلاف حال الدنيا فإنه معلوم ومشاهد.

3- [إذ قال له ربه أسلم] هو من باب الالتفاف إذ السياق [إذ قلنا] والالتفات من محاسن البيان، والتعرض بعنوان الربوبية [ربه] لإظهار مزيد اللطف والاعتناء بتربيته، كما أن جواب إبراهيم جاء على هذا المنوال [أسلمت لرب العالمين] ولم يقل: أسلمت لك للإيذان بكمال قوة إسلامه، وللإشارة إلى أن من كان رباً للعالمين، لا يليق إلا أن يتلقى أمره بالخضوع وحسن الطاعة.

4- قوله: [آبائك] شمل العم، والأب، والجد، فالجد إبراهيم، والعم إسماعيل، والأب إسحاق، وهو من باب "التغليب" وهو من المجازات المعهودة في فصيح الكلام.

===============
فائدة:
===============
قال أبو حيان: "كنى بالموت عن مقدماته، لأنه إذا حضر الموت نفسه لا يقول المحتضر شيئا، وفي قوله: [حضر الموت] كناية غريبة وهو أنه غائب ولابد أن يقدم علينا مهما طال الغياب، ولذلك يقال في الدعاء: واجعل الموت خير غائب ننتظره.

===============
تنبيه:
===============
[ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون] المقصود الأمر بالثبات على الإسلام إلى حين الموت، أي فاثبتوا على الإسلام، ولا تفارقوه أبدا، واستقيموا على محجته البيضاء، حتى يدرككم الموت وأنتم على الإسلام الكامل، كقولك: لا تصل إلا وأنت خاشع.


###############
قال الله تعالى: [وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا.. إلى .. ولا تسألون عما
كانوا يعملون] من آية (135) إلى نهاية آية (141).
###############

MERAMADA
2008-12-09, 12:57 AM
===============
المناسبة:
===============
لما ذكر تعالى أن ملة إبراهيم هي ملة الحنيفية السمحة، وأن من لم يؤمن بها ورغب
عنها، فقد بلغ الذروة العليا في الجهالة والسفاهة، ذكر تعالى ما عليه أهل
الكتاب، من الدعاوى الباطلة، من زعمهم أن الهداية في اتباع (اليهودية
والنصرانية)، وبين أن تلك الدعوى لم تكن عن دليل أو شبهة، بل هي مجرد جحود
للإسلام وعناد، ثم عقب ذلك بأن الدين الحق هو في التمسك بالإسلام، دين جميع
الأنبياء والمرسلين.

===============
اللغة:
===============
[حنيفا] الحنيف: المائل عن الدين الباطل إلى الدين الحق، والحنف الميل، وبه سمي
الاحنف لميل في إحدى قدميه، قال الشاعر: ولكنا خلقنا إذ خلقنا حنيفا ديننا عن
كل دين.

[الأسباط] جمع سبط وهم حفدة يعقوب أي ذريات أبنائه وكانوا اثنى عشر سبطا وهم في
بني إسرائيل كالقبائل في العرب

[شقاق] الشقاق: المخالفة والعداوة، وأصله من الشق وهو الجانب، أي صار هذا في شق
وهذا في شق .

[فسيكفيكهم] من الكفاية بمعنى الوقاية

[صبغة الله] الصبغة مأخوذة من الصبغ وهو تغيير الشيء بلون من الألوان، والمراد
بها هنا: الدين

[أتحاجوننا] أتجادلوننا من المحاجة وهي المجادلة

[مخلصون] الإخلاص أن يقصد بالعمل وجه الله وحده، من غير مباهاة ولا رياء.

===============
التفسير:
===============
[وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا] أي قال اليهود: كونوا على ملتنا يهودا
تهتدوا، وقال النصارى: كونوا نصارى تهتدوا، فكل من الفريقين يدعونا إلى دينه
الباطل الأعوج

[قل بل ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين] أي قل لهم يا محمد بل نتبع ملة
(الحنيفية السمحة)، وهي ملة إبراهيم حال كونه مائلا عن الأديان كلها إلى الدين
القيم، وما كان إبراهيم من المشركين بل كان مؤمنا موحداً، وفيه تعريض بأهل
الكتاب، وإيذان بأن ما هم عليه إنما هو شرك وضلال

[قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا] أي قولوا أيها المؤمنون آمنا بالله، وما
أنزل إلينا من القرآن العظيم

[وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط] أي وآمنا بما أنزل إلى
إبراهيم من الصحف والأحكام التي كان الأنبياء متعبدين بها، وكذلك حفدة إبراهيم
وإسحاق وهم الأسباط حيث كانت النبوة فيهم

[وما أوتي موسى وعيسى] أي من التوراة والإنجيل

[وما أوتي النبيون من ربهم] أي ونؤمن بما أنزل على غيرهم من الأنبياء جميعا،
ونصدق بما جاءوا به من عند الله، من الآيات البينات والمعجزات الباهرات

[لا نفرق بين أحد منهم] أي لا نؤمن بالبعض ونكفر بالبعض، كما فعلت اليهود
والنصارى

[ونحن له مسلمون] أي منقادون لأمر الله خاضعون لحكمه

[فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا] أي إن آمن أهل الكتاب بنفس ما آمنتم
به يا معشر المؤمنين، فقد اهتدوا إلى الحق كما اهتديتم

[وإن تولوا فإنما هم في شقاق] أي وإن أعرضوا عن الإيمان بما دعوتهم إليه، فاعلم
أنهم إنما يريدون عداوتك وخلافك، وليسوا من طلب الحق في شيء

[فسيكيفيكم الله] أي سيكفيك يا محمد ربك شره وأذاهم ويعصمك منهم

[وهو السميع العليم] أي هو تعالى يسمع ما ينطقون به، ويعلم ما يضمرونه في
قلوبهم من المكر والشر

[صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة]؟ أي ما نحن عليه من الإيمان والتصديق، هو
دين الله الحق، الذي صبغنا به وفطرنا عليه، فظهر أثره علينا كما يظهر الصبغ في
الثوب، ولا أحد أحسن من الله صبغة أي دينا

[ونحن له عابدون] أي ونحن نعبده جل وعلا ولا نعبد أحداً سواه

[قل أتحاجوننا في الله] أي أتجادلوننا في شأن الله، زاعمين أنكم أبناء الله
وأحباؤه، وأن الأنبياء منكم دون غيركم؟

[وهو ربنا وربكم] أي رب الجميع على السواء، وكلنا عبيده

[ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم] أي لنا جزاء أعمالنا ولكم جزاء أعمالكم، لا يتحمل
أحد وزر غيره

[ونحن له مخلصون] أي قد أخلصنا الدين والعمل لله

[أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى]؟
أي أم تدعون يا معشر أهل الكتاب أن هؤلاء الرسل وأحفادهم كانوا يهودا أو نصارى

[قل أأنتم أعلم أم الله] أي هل أنتم أعلم بديانتهم أم الله عز وجل؟ وقد شهد
الله لهم بملة الإسلام، وبرأهم من اليهودية والنصرانية بقوله: [ما كان إبراهيم
يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما] فكيف تزعمون أنهم على دينكم؟

[ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله] أي لا أحد أظلم، ممن أخفى وكتم ما
اشتملت عليه آيات التوراة والإنجيل، من البشارة برسول الله؟ وأن الأنبياء
الكرام كانوا على الإسلام

[وما الله بغافل عما تعملون] أي هو تعالى مطلع على أعمالهم ومجازيهم عليها،
وفيه وعيد شديد مع التهديد

[تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون] كررها
لأنها تضمنت معنى التهديد والتخويف، أي إذا كان أولئك الأنبياء على فضلهم
وجلالة قدرهم، يجازون بكسبهم فأنتم أحرى، وقد تقدم تفسيرها.

===============
البلاغة:
===============
1- [وقالوا كونوا هودا أو نصارى] فيه إيجاز بالحذف أي قال اليهود كونوا يهوداً،
وقال النصارى كونوا نصارى، وليس المعنى أن الفريقين قالوا ذلك، لأن كل فريق يعد
دين الآخر باطلا.

2- [فسيكفيكهم الله] فيه إيجاز ظاهر أي يكفيك الله شرهم، وتصدير الفعل بالسين
دون سوف، مشعر بأن ظهوره عليهم واقع في زمن قريب.

3- [السميع العليم] من صيغ المبالغة ومعناه الذين أحاط سمعه وعلمه بجميع
الأشياء.

4- [صبغة الله] سمي الدين صبغة بطريق الاستعارة حيث تظهر سمته على المؤمن كما
يظهر أثر الصبغ في الثوب.

5- [أتجادلوننا في الله] الاستفهام وارد على جهة التوبيخ والتقريع.

===============
الفوائد:
===============
الفائدة الأولى: تكرر ورود هذه الآية [وما الله بغافل عما تعملون] قال أبو
حيان: ولا تأتي الجملة إلا عقب ارتكاب معصية، فتجيء متضمنة وعيدا، ومعلمة أن
الله لا يترك أمرهم سدى.

الثانية: قال ابن عباس: إن النصارى كان إذا ولد لأحدهم ولد فأتى عليه سبعة
أيام، صبغوه في ماء لهم يقال له: (المعمودي) ليطهروه بذلك، ويقولون هذا طهور
مكان الختان، فإذا فعلوا ذلك صار نصرانيا حقا، فأنزل الله هذه الآية.

الثالثة: كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل
الإسلام فقال رسول الله (ص): "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا
بالله وما أنزل إلينا".


###############
قال الله تعالى: [سيقول السفهاء من الناس.. إلى .. وما الله بغافل عما يعملون]
من آية (142) إلى نهاية آية (144).
###############

MERAMADA
2008-12-09, 01:14 AM
===============
المناسبة:
===============
زعم اليهود والنصارى أن قبلة الأنبياء "بيت المقدس" وقد كان (ص) وهو بمكة
يستقبل بيت المقدس، فلما أمر (ص) بالتوجه إلى الكعبة المشرفة، طعن اليهود في
رسالته، واتخذوا ذلك ذريعة للنيل من الإسلام، وقالوا: لقد اشتاق محمد إلى
مولده، وعن قريب يرجع إلى دين قومه، فأخبر الله رسوله الكريم بما سيقوله
السفهاء، ولقنه الحجة الدامغة ليرد عليهم، وكان هذا الإخبار قبل (تحويل القبلة)
"معجزة" له عليه السلام، لأنه إخبار عن أمر غيبي.

===============
اللغة:
===============
[السفهاء] جمع سفيه وهو الجاهل الرأي، القليل المعرفة بالمنافع والمضار، وأصل
السفه: الخفة والرقة، من قولهم ثوب سفيه إذا كان خفيف النسج

[ولاهم] صرفهم يقال: ولى عن الشيء وتولى عنه أي انصرف

[وسطا] قال الطبري: الوسط في كلام العرب: الخيار وقيل: العدل، وأصل هذا أن خير
الأشياء أوساطها، وأن الغلو والتقصير مذمومان

[عقبيه] تثنية عقب وهو مؤخر القدم

[كبيرة] شاقة وثقيلة

[شطر] الشطر في اللغة يأتى بمعنى الجهة، كقول الشاعر: "تعدو بنا شطر نجد وهي
عائدة" ويأتي بمعنى النصف، ومنه الحديث "الطهور شطر الإيمان" أي نصف الإيمان.

===============
سبب النزول:
===============
عن البراء قال: لما قدم رسول الله (ص) المدينة صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا
أو سبعة عشر شهرا، وكان رسول الله (ص) يحب أن يتوجه نحو الكعبة فأنزل الله
تعالى: [قد نرى تقلب وجهك في السماء] الآية فقال السفهاء من الناس – وهم اليهود
– ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها تعالى: [قل لله المشرق والمغرب] إلى آخر
الآية.

===============
التفسير:
===============
[سيقول السفهاء من الناس] أي سيقول ضعفاء العقول من الناس

[ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها] أي ما صرفهم وحولهم عن القبلة التي
كانوا يصلون إليها وهي (بيت المقدس) قبلة المرسلين من قبلهم؟

[قل لله المشرق والمغرب] أي قل لهم يا محمد: الجهات كلها لله، له جل وعلا
المشرق والمغرب، فأينما ولينا وجوهنا فهناك وجه الله أي قبلته

[يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم] أي يهدي عباده المؤمنين إلى الطريق القويم،
الموصل لسعادة الدارين

[وكذلك جعلناكم أمة وسطاً] أي كما هديناكم إلى الإسلام، كذلك جعلناكم يا معشر
المؤمنين أمة عدولا خيارا

[لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا] أي لتشهدوا على الأمم يوم
القيامة أن رسلهم بلغتهم، ويشهد عليكم الرسول أنه بلغكم

[وما جعلنا القبلة التى كنت عليها] أي وما أمرناك بالتوجه إلى بيت المقدس، ثم
صرفناك عنها إلى الكعبة المشرفة

[إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه] أي إلا لنختبر إيمان الناس،
فنعلم من يصدق الرسول، ممن يشكك في الدين، ويرجع إلى الكفر لضعف يقينه

[وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله] أي وإن كان هذا التحويل لشاقاً
وصعباً إلا على الذين هداهم الله

[وما كان الله ليضيع إيمانكم] أي ما صح ولا استقام في شرع الله، أن يضيع الله
صلاتكم إلى بيت المقدس، بل يثيبكم عليها، وذلك حين سألوه (ص) عمن مات وهو يصلي
إلى بيت المقدس قبل تحويل القبلة فنزلت، وقوله تعالى:

[إن الله بالناس لرءوف رحيم] تعليل للحكم أي إنه تعالى عظيم الرحمة بعباده، لا
يضيع أعمالهم الصالحة التي فعلوها

[قد نرى تقلب وجهك في السماء] أي كثيرا ما رأينا تردد بصرك يا محمد جهة السماء،
تشوقاً لتحويل القبلة

[فول وجهك شطر المسجد الحرام] أي توجه في صلاتك نحو الكعبة المعظمة

[وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره] أي وحيثما كنتم أيها المؤمنون، فتوجهوا في
صلاتكم نحو الكعبة أيضا

[وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم] أي إن اليهود والنصارى،
ليعلمون أن هذا التحويل للقبلة حق من عند الله، ولكنهم يفتنون الناس بإلقاء
الشبهات

[وما الله بغافل عما يعملون] أي لا يخفى عليه شيء من أعمالهم وسيجازيهم عليها،
وفيه وعيد وتهديد لهم بليغ.

===============
البلاغة:
===============
1- في قوله: [ينقلب على عقبيه] استعارة تمثيلية حيث مثل لمن يرتد عن دينه، بمن
ينقلب على عقبيه، كأنه يرجع إلى الخلف، وينتكس فى دينه كما انتكس في مشيه.

2- [لرءوف رحيم ] الرأفة: شدة الرحمة، وقدم الأبلغ مراعاة للفاصلة وهي الميمم
في قوله: [صراط مستقيم] وقوله: [رءوف رحيم] وكلاهما من صيغ المبالغة.

3- [فول وجهك] أطلق الوجه وأراد به الذات كقوله: [ويبقى وجه ربك] وهذا النوع
يسمى "المجاز المرسل" من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل، ومثله قولهم: هذا ما
جنته يدك، أي ما فعلته بنفسك.

===============
الفوائد:
===============
الأولى: أخرج البخارى في صحيحه أن رسول الله (ص) قال: "يدعى نوح عليه السلام
يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم فيقال لأمته:
هل بلغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته
فيشهدون أنه قد بلغ، فذلك قوله عز وجل [لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول
عليكم شهيدا].

الثانية: سمى الله تعالى الصلاة "إيمانا" في قوله: [وما كان الله ليضيع
إيمانكم] أي صلاتكم لأن الإيمان لا يتم إلا بها، ولأنها تشتمل على نية وقول
وعمل ((روي عن البراء بن عازب أنه قال: مات قوم كانوا يصلون نحو بيت المقدس،
فقال الناس: كيف بإخواننا الذين صلوا إلى غير الكعبة؟ فأنزل الله الآية، أخرجه
الترمذي )).

الثالثة: في التعبير عن الكعبة (بالمسجد الحرام) إشارة إلى أن الواجب مراعاة
الجهة دون العين، لأن في إصابة (عين الكعبة) من البعيد حرجاً عظيما على الناس.


###############
قال الله تعالى: [ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك.. إلى..
ولعلكم تهتدون] من آية (145) إلى نهاية آية (150).
###############


===============
المناسبة:
===============
لما ذكر تعالى ما قاله السفهاء من اليهود، عند تحويل القبلة من بيت المقدس إلى
الكعبة المعظمة، وأمر رسوله بأن يتوجه في صلاته نحو البيت العتيق، ذكر فى هذه
الآيات أن أهل الكتاب، قد انتهوا في العناد والمكابرة، إلى درجة اليأس من
إسلامهم، فإنهم ما تركوا قبلتك لشبهة عارضة تزيلها الحجة، وإنما خالفوك عناداً
واستكباراً، وفي ذلك تسلية له (ص) لئلا يحزن ويتأثر بجحود وتكذيب أهل الكتاب!!.

===============
اللغة:
===============
[آية] الآية: الحجة والعلامة

[أهواءهم] جمع هوى مقصور، وهوى النفس: ما تحبه وتميل إليه

[الممترين] الامتراء: الشك، امترى في الشيء: شك فيه، ومنه المراء والمرية،
كقوله سبحانه: [ولا يزال الذين كفروا في مرية منه] أي شك

[وجهة] قال الفراء: وجهه وجهة ووجه بمعنى واحد، والمراد بها القبلة

[هو موليها] أي هو موليها وجهه، فاستغنى عن ذكر الوجه قال الفراء: أي مستقبلها

[فاستبقوا] أي بادروا وسارعوا

[الخيرات] الأعمال الصالحة جمع خير

[تخشوهم] تخافوهم والخشية: الخوف

MERAMADA
2008-12-09, 01:46 AM
===============
التفسير:
===============
[ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك] أي والله لئن جئت يا
أيها الرسول اليهود والنصارى، بكل معجزة تدل على صدقك، في أمر القبلة ما اتبعوك
ولا صلوا إلى قبلتك

[وما أنت بتابع قبلتهم] أي ولست أنت بمتبع قبلتهم، بعد أن حولك الله عنها،
وهذا لقطع أطماعهم الفارغة، حيث قالت اليهود: لو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن
تكون صاحبنا الذى ننتظره، تغريرا له عليه السلام

[وما بعضهم بتابع قبلة بعض] أي أن النصارى لا يتبعون قبلة اليهود، كما أن
اليهود لا يتبعون قبلة النصارى، لما بينهم من العداوة والخلاف الشديد، مع أن
الكل من بني إسرائيل

[ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم] أي ولئن فرض وقدر أنك سايرتهم
على أهوائهم، واتبعت ما يهوونه ويحبونه، بعد وضوح البرهان الذي جاءك بطريق
الوحي

[إنك إذا لم الظالمين] أي تكون ممن ارتكب أفحش الظلم والعدوان، والكلام وأراد
على سبيل الفرض والتقدير، وإلا فحاشاه (ص) من اتباع أهواء الكفرة المجرمين، وهو
من باب التهييج للثبات على الحق.

[الذين آتيناهم الكتاب] أي اليهود والنصارى

[يعرفونه كما يعرفون أبناءهم] أي يعرفون محمداً معرفة لا امتراء فيها، كما يعرف
الواحد منهم ولده، معرفة يقين

[وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون] أي وإن جماعة منهم – وهم رؤساؤهم
وأحبارهم – ليخفون الحق ولا يعلنونه، ويخفون صفة النبي مع أنه منعوت لديهم
بأظهر النعوت كما قال تعالى: [الذي يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراة والإنجيل]
فهم يكتمون أوصافه عن علم وعرفان

[الحق من ربك فلا تكونن من الممترين] أي ما أوحاه الله إليك يا محمد من أمر
القبلة والدين هو الحق، فلا تكونن من الشاكين، والخطاب للرسول والمراد أمته

[ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات] أي لكل أمة من الأمم قبلة هو موليها
وجهه أي مائل إليها بوجهه، فبادروا وسارعوا أيها المؤمنون إلى فعل الخيرات

[أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا] أي في أي موضع تكونون من أعماق الأرض، أو
قلل الجبال، يجمعكم الله للحساب والجزاء، فيفصل بين المحق والمبطل

[إن الله على كل شيء قدير] أي هو قادر على جمعكم من الأرض وإن تفرقت أجسامكم
وأبدانكم

[ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام] أي من أي مكان خرجت إليه للسفر،
فتوجه بوجهك في صلاتك جهة الكعبة

[وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون] تقدم تفسيره، وكرره لبيان تساوي
حكم السفر والحضر

[ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره] هذا
أمر ثالث باستقبال الكعبة المشرفة، وفائدة هذا التكرار أن القبلة كان أول ما
نسخ من الأحكام الشرعية، فدعت الحاجة إلى التكرار، لأجل التأكيد والتقرير
وإزالة الشبهة، قال تعالى:

[لئلا يكون للناس عليكم حجة] أي عرفكم أمر القبلة لئلا يحتج عليكم اليهود
فيقولوا: يجحد محمد ديننا ويتبع قبلتنا!! فتكون لهم حجة عليكم، أو كقول
المشركين: يدعي محمد ملة إبراهيم ويخالف قبلته

[إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني] أي إلا الظلمة المعاندين الذين لا
يقبلون أي تعليل فلا تخافوهم وخافوني

[ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون] أي أتم فضلي عليكم بالهداية إلى الإسلام،
قبلة أبيكم إبراهيم عليه السلام والتوفيق لسعادة الدارين.

===============
البلاغة:
===============
1- وضع اسم الموصول موضوع الضمير في قوله: [أوتوا الكتاب] للإيذان بكمال سوء
حالهم من العناد.

2- [ولئن اتبعت أهواءهم] هذا من باب التهييج والإلهاب للثبات على الحق.

3- [وما أنت بتابع قبلتهم] هذه الجملة أبلغ في النفي من قوله: [ما تبعوا قبلتك]
لأنها جملة اسمية أولا، ولتأكيد نفيها بالباء ثانيا، والتأكيد دال على أهمية
الأمر، وعظم الخطب.

4- [كما يعرفون أبناءهم] فيه تشبيه "مرسل مفصل" أي يعرفون محمدا معرفة واضحة
كمعرفة أبناءهم الذين من أصلابهم.

===============
الفوائد:
===============
الأولى: روى أن عمر بن الخطاب قال لعبد الله بن سلام: أتعرف محمدا كما تعرف
ولدك؟ قال وأكثر، نزل الأمين من السماء على الأمين في الأرض بنعته فعرفته، ولست
أشك فيه أنه نبي، وأما ولدي فلا أدري ما كان من أمه؟ فلعلها خانت، فقبل عمر
رأسه.

الثانية: توجه الوعيد على العلماء، أشد من توجهه على غيرهم، ولهذا زاد الله في
ذم أهل الكتاب بقوله: [وهم يعلمون] فإنه ليس المرتكب ذنبا عن جهل كمن يرتكبه عن
علم.

الثالثة: تكرر الأمر باستقبال الكعبة ثلاث مرات، قال القرطبي: والحكمة في هذا
التكرار أن الأول لمن هو بمكة، والثاني لمن هو ببقية الأمصار، والثالث لمن خرج
في الأسفار.


###############
قال الله تعالى: [كما أرسلنا فيكم رسولا منكم.. إلى .. وأولئك هم المهتدون] من
آية (151) إلى نهاية آية (157).
###############


===============
المناسبة:
===============
بدأت الآيات الكريمة بمخاطبة المؤمنين، وتذكيرهم بنعمة الله العظمى عليهم،
ببعثة خاتم المرسلين (ص)، بعد أن تحدثت الآيات السابقة عن بني إسرائيل، وذكرت
بالتفصيل نعم الله عليهم التي قابلوها بالجحود والكفران فيما يزيد على ثلث
السورة الكريمة، وقد عدد القرآن الكريم جرائمهم، ليعتبر ويتعظ بها المؤمنون،
ولما انتهى الحديث عن اليهود بعد ذلك البيان الواضح، جاء دور التذكير للمؤمنين
بالنعم الجليلة، والتشريعات الحكيمة التي بها سعادتهم في الدارين.

===============
اللغة:
===============
[الكتاب] القرآن العظيم

[الحكمة] السنة النبوية

[فاذكروني] أصل الذكر التنبيه بالقلب للمذكور، وسمي الذكر باللسان ذكرا لأنه
علامة على الذكر القلبي

[ولنبلونكم] أصل البلاء المحنة، ثم قد يكون بالخير أو بالشر [ونبلوكم بالشر
والخير فتنة]

[مصيبة] المصيبة: كل ما يؤذي المؤمن ويصيبه في نفسه أو ماله أو ولده

[صلوات] الأصل في الصلاة الدعاء، وهي من الله بمعنى الرحمة، ومن الملائكة بمعنى
الاستغفار.

===============
التفسير:
===============
[كما أرسلنا فيكم رسولا منكم] الكلام يتعلق بما سبق في قوله: [ولأتم نعمتي]
والمعنى كما أتممت عليكم نعمتي، كذلك أرسلت فيكم رسولاً منكم

[يتلوا عليكم آياتنا] أي يقرأ عليكم القرآن

[ويزكيكم] أي يطهركم من الشرك وقبيح الفعال

[ويعلمكم الكتاب والحكمة] أي يعلمكم أحكام الكتاب المجيد، والسنة النبوية
المطهرة

[ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون] أي يعلمكم من أمور الدنيا والدين الشيء الكثير،
الذي لم تكونوا تعلمونه

[فاذكروني أذكركم] أي اذكروني بالعبادة والطاعة، أذكركم بالثواب والمغفرة

[واشكروا لي ولا تكفرون] أي اشكروا نعمتي عليكم ولا تكفروها بالجحود والعصيان،
روي أن موسى عليه السلام قال: يا رب كيف أشكرك؟ قال له ربه: "تذكرني ولا
تنساني، فإذا ذكرتني فقد شكرتني، وإذا نسيتنى فقد كفرتني" ثم نادى تبارك وتعالى
عباده المؤمنين بلفظ الإيمان، ليستنهض هممهم إلى امتثال الأوامر الإلهية، وهو
النداء الثاني الذي جاء في هذه السورة الكريمة فقال:

[يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة] أي استعينوا على أمور دنياكم
وآخرتكم، بالصبر والصلاة، فبالصبر تنالون كل فضيلة، وبالصلاة تنتهون عن كل
رذيلة

[إن الله مع الصابرين] أي معهم بالنصر والمعونة والحفظ والتأييد

[ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات] أي لا تقولوا للشهداء إنهم أموات

[بل أحياء ولكن لا تشعرون] أي بل هم أحياء عند ربهم يرزقون، ولكن لا تشعرون
بذلك، لأنهم في حياة برزخية أسمى من هذه الحياة

[ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات] أي
ولنختبرنكم بشيء يسير من ألوان البلاء، مثل: الخوف، والجوع، وذهاب بعض الأموال،
وموت بعض الأحباب، وضياع بعض الزروع والثمار

[وبشر الصابرين] أي بشر الصابرين على المصائب والبلايا بجنات النعيم.. ثم بين
تعالى تعريف الصابرين بقوله:

[الذين إذا أصابتهم مصيبة] أي نزل بهم كرب أو بلاء أو مكروه

[قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون] أي استرجعوا وأقروا بأنهم عبيد لله، يفعل بهم
ما يشاء

[أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون] أي أولئك الموصوفون بما
ذكر لهم ثناء وتمجيد ورحمة من الله، وهم المهتدون إلى طريق السعادة والفلاح

MERAMADA
2008-12-09, 01:52 AM
===============
البلاغة:
===============
1- بين كلمتي [أرسلنا] و [رسولا] جناس الاشتقاق وهو من المحسنات البديعية.

2- قوله: [ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون] بعد قوله: [ويعلمكم الكتاب والحكمة] هو
من باب ذكر العام بعد الخاص لإفادة الشمول، ويسمى هذا في البلاغة بـ "الإطناب".

3- [أموات بل أحياء] فيه إيجاز بالحذف أي لا تقولوا هم أموات بل هم أحياء
(وبينهما طباق).

4- التنكير في قوله: [بشيء من الخوف] للتقليل أي بشيء قليل للاختبار.

5- [صلوات من ربهم ورحمة] التنوين فيهما للتفخيم، والتعرض بعنوان الربوبية مع
الإضافة إلى ضميرهم [ربهم] لإظهار مزيد العناية بهم.

6- [هم المهتدون] صيغة قصر وهو من نوع قصر الصفة على الموصوف.

===============
الفوائد:
===============
الأولى: روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "ما أصابتني مصيبة إلا
وجدت فيها ثلاث نعم:
- الأولى: أنها لم تكن في ديني،
- الثانية: أنها لم تكن أعظم مما كانت،
- الثالثة: أن الله يجازي عليها الجزاء الكبير ثم تلا قوله تعالى: [أولئك عليهم
صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون].

الثانية: قال (ص): "إذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته: قبضتم ولد
عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: فماذا قال
عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة
وسموه بيت الحمد".


###############
قال الله تعالى: [إن الصفا والمروة من شعائر الله.. إلى .. ولا هم ينظرون] من
آية (158) إلى نهاية آية (162).
###############


===============
المناسبة:
===============
لما أمر تعالى بذكره وشكره ودعا المؤمنين إلى الاستعانة بالصبر، والصلاة، أعقب
ذلك ببيان أهمية (الحج) وأنه من شعائر دين الله، ثم نبه تعالى على وجوب نشر
العلم وعدم كتمانه، وذكر خطر كتمان ما أنزل الله من البيانات والهدى، كما فعل
اليهود والنصارى في كتبهم، فاستحقوا اللعنة والغضب والدمار.

===============
اللغة:
===============
[شعائر الله] جمع شعيرة وهي فى اللغة: العلامة، ومنه الشعار، وأشعر الهدي جعل
له علامة ليعرف بها، والشعائر: كل ما تعبدنا الله به من أمور الدين، كالطواف،
والسعي، والأذان، ونحوه.

[حج] الحج في اللغة: القصد، وفي الشرع: قصد البيت العتيق لأداء المناسك من
الطواف والسعي

[اعتمر] العمرة في اللغة: الزيارة ثم صار علما لزيارة البيت للنسك

[جناح] الجناح: الميل إلى الإثم، وقيل: هو الإثم نفسه، سمى به لأنه ميل إلى
الباطل يقال: جنح إلى كذا إذا مال، قال ابن الأثير: وأينما ورد فمعناه الإثم
والميل

[يكتمون] الكتمان: الإخفاء والستر

[ينظرون] يمهلون.

===============
التفسير:
===============
[إن الصفا والمروة] اسم لجبلين بمقربة من البيت الحرام

[من شعائر الله] أي من أعلام دينه، ومناسكه التي تعبدنا الله بها

[فمن حج البيت أو اعتمر] أي من قصد بيت الله للحج، أو قصده للزيارة بأحد
النسكين "الحج" أو "العمرة"

[فلا جناح عليه أن يطوف بهما] أي لا حرج ولا إثم عليه أن يسعى بينهما، فإذا كان
المشركون يسعون بينهما، ويتمسحون بالأصنام، فاسعوا أنتم لله رب العالمين، ولا
تتركوا الطواف بينهما، خشية التشبه بالمشركين

[ومن تطوع خيرا] أي من تطوع بالحج والعمرة بعد قضاء حجته المفروضة عليه، أو فعل
خيرا فرضا كان أو نفلا

[فإن الله شاكر عليم] أي أنه سبحانه شاكر له طاعته، ومجازيه عليها خير الجزاء،
لأنه عليم بكل ما يصدر من عباده من الأعمال، فلا يضيع عنده أجر المحسنين

[إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البيانات والهدى] أي يخفون ما أنزلناه من الآيات
البينات، والدلائل الواضحات، التي تدل على صدق محمد (ص)

[من بعد ما بيناه للناس في الكتاب] أي من بعد توضيحه لهم في التوراة، أو في
الكتب السماوية كقوله تعالى: [الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل]

[أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون] أي أولئك الموصوفون بقبيح الأعمال،
الكاتمون لأوصاف الرسول، المحرفون لأحكام التوراة، يلعنهم الله فيبعدهم من
رحمته، وتلعنهم الملائكة والمؤمنون

[إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم] أي إلا الذين ندموا على ما
صنعوا، وأصلحوا ما أفسدوه، بالكتمان، وبينوا للناس حقيقة ما أنزل الله، فأولئك
يقبل الله توبتهم ويشملهم برحمته

[وأنا التواب الرحيم] أي كثير التوبة على عبادي، واسع الرحمة بهم، أصفح عما فرط
منهم من السيئات

[إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار] أي كفروا بالله واستمروا على الكفر، حتى
داهمهم الموت وهم على تلك الحالة

[أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين] أي يلعنهم الله وملائكته وأهل
الأرض جميعا، حتى الكفار فإنهم يوم القيامة يلعن بعضهم بعضا

[خالدين فيها] أي ماكثين في النار أبدا – وفي إضمارها تفخيم لشأنها -

[لا يخفف عنهم العذاب] أي إن عذابهم في جهنم دائم لا ينقطع، لا يخف عنهم طرفة
عين، كما قال تعالى: [لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون]

[ولا هم ينظرون] أي ولا يمهلون أو يؤجلون، بل يلاقيهم العذاب حال مفارقة الحياة
الدنيا.

===============
سبب النزول:
===============
عن أنس رضي الله عنه أنه سئل عن (الصفا والمروة) فقال: كنا نرى أنهما من أمر
الجاهلية، فلما جاء الإسلام أمسكنا عنهما فأنزل الله [إن الصفا والمروة من
شعائر الله

شموخ أنثى
2008-12-09, 01:52 AM
ربنا يبارك فيك ويباركلك وجزاك الله كل خير
الرابط لايظهر فى الأرشيف

MERAMADA
2008-12-09, 01:57 AM
===============
البلاغة:
===============
1- [من شعائر الله] أي من شعائر دين الله، ففيه إيجاز بالحذف.

2- [شاكر عليم] أي يثيب على الطاعة قال أبو السعود: عبر عن ذلك بالشكر مبالغة
في الإحسان على العباد، فأطلق الشكر وأراد به الجزاء بطريق المجاز.

3- [يلعنهم الله] فيه التفات من ضمير المتكلم إلى الغيبة، إذ الأصل "نلعنهم"
ولكن في إظهار الاسم الجليل [يلعنهم الله] إلقاء الروعة والمهابة في القلب.

4- [يلعنهم اللاعنون] فيه جناس الاشتقاق، وهو من المحسنات البديعية.

5- [خالدين فيها] أي في اللعنة أو في النار وأضمرت النار تفخيماً لشأنها
وتهويلا لأمرها.

6- [ولا هم ينظرون] إيثار الجملة الأسمية لإفادة دوام النفي واستمراره.

===============
الفوائد:
===============
الأولى: كان على الصفا صنم يقال له "إساف" وعلى المروة صنم يقال له "نائلة"
فكان المشركون إذا طافوا تمسحوا بهما، فخشي المسلمون أن يتشبهوا بأهل الجاهلية،
ولذلك تحرجوا من الطواف لهذا السبب، فنزلت الآية تبين أنهما من شعائر الله،
وأنه لا حرج عليهم في السعي بينهما فالمسلمون يسعون لله لا للأصنام الأوثان.!

الثانية: الشكر معناه مقابلة النعمة والإحسان بالثناء والعرفان، وهذا المعنى
محال على الله، إذ ليس لأحد عنده يد ونعمة حتى يشكره عليها، ولهذا حمله العلماء
على الثواب والجزاء، أي أنه تعالى يثيبه ولا يضيع أجر العاملين. أقول: والصحيح
ما عليه السلف من إثبات الصفات كما وردت، فهو شكر يليق بجلاله وكماله، أي يثني
على عبده المؤمن بما يحبه تعالى.!


###############
قال الله تعالى: [وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم .. إلى .. وما
هم بخارجين من النار] من آية (163) إلى نهاية (167).
###############


===============
المناسبة:
===============
لما ذكر تعالى حال الكافرين الجاحدين لآيات الله وما لهم من العذاب والنكال في
الآخرة، ذكر هنا أدلة القدرة والوحدانية، وأتى بالبراهين على وجود الخالق
الحكيم، فبدأ بذكر العالم العلوي، ثم بالعالم السفلي، ثم بتعاقب الليل والنهار،
ثم بالسفن التي تمخر عباب البحار، ثم بالأمطار التي فيها حياة الزروع والأشجار،
ثم بما بث في الأرض من أنواع الحيوانات العجيبة، ثم بالرياح والسحب التي سخرها
الله لفائدة الإنسان، وختم ذلك بالأمر بالتفكر في بدائع صنع الله، ليستدل
العاقل بالأثر على وجود المؤثر، وبالصنعة على عظمة الخالق المدبر جل وعلا.

===============
اللغة:
===============
[وإلهكم] الإله: المعبود بحق أو باطل، والمراد به هنا المعبود بحق وهو الله رب
العالمين

[الفلك] ما عظم من السفن وهو اسم يطلق على المفرد والجمع

[وبث] فرق ونشر ومنه [كالفراش المبثوث]

[دابة] الدابة في اللغة: كل ما يدب على الأرض، من إنسان وحيوان مأخوذ من الدبيب
وهو المشي رويداً وقد خصه العرف بالحيوان، ويدل على المعنى اللغوي قوله تعالى:
[والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشى على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين
ومنهم من يمشي على أربع] فجمع بين الزواحف والإنسان والحيوان

[تصريف الرياح] الرياح: جمع ريح وهي نسيم الهواء، وتصريفها تقليبها في الجهات،
ونقلها من حال إلى حال، فتهب حارة وباردة، وعاصفة ولينة، وملقحة للنبات وعقيما

[المسخر] من التسخير وهو التذليل والتيسير

[أنداداً] جمع ند وهو المماثل والمراد بها الأوثان والأصنام

[الأسباب] جمع سبب وأصله الحبل، والمراد به هنا: ما يكون بين الناس من روابط
كالنسب والصداقة

[كرة] الكرة: الرجعة والعودة إلى الحالة التي كان فيها

[حسرات] جمع حسرة وهي أشد الندم على شيء فائت، وفي التنزيل [أن تقول نفس يا
حسرتا على ما فرطت في جنب الله].

===============
سبب النزول:
===============
عن عطاء قال: أنزلت بالمدينة على النبي (ص) [وإلهكم إله واحد] فقالت كفار قريش
بمكة كيف يسع الناس إله واحد؟ فأنزل الله تعالى: [إن في خلق السموات والأرض..
إلى قوله.. لآيات لقوم يعقلون].

===============
التفسير:
===============
[وإلهكم إله واحد] أي إلهكم المستحق للعبادة إله واحد، لا نظير له في ذاته، ولا
في صفاته، ولا في أفعاله

[لا إله إلا هو الرحمن الرحيم] أي لا معبود بحق إلا هو جل وعلا، مولي النعم
ومصدر الإحسان

[إن في خلق السموات والأرض] أي إن في إبداع السموات والأرض بما فيهما من عجائب
الصنعة ودلائل القدرة

[واختلاف الليل والنهار] أي تعاقبهما بنظام محكم، يأتي الليل فيعقبه النهار،
وينسلخ النهار فيعقبه الليل،ويطول النهار ويقصر الليل، والعكس

[والفلك التي تجري في البحر] أي السفن الضخمة الكبيرة، التى تسير في البحر على
وجه الماء، وهي موقرة بالأثقال

[بما ينفع الناس] أي بما فيه مصالح الناس من أنواع المتاجر والبضائع

[وما أنزل الله من السماء من ماء] أي وما أنزل الله من السحاب من المطر الذي به
حياة البلاد والعباد

[فأحيا به الأرض بعد موتها] أي أحيا بهذا الماء الزروع والأشجار، بعد أن كانت
يابسة مجدبة ليس فيها حبوب ولا ثمار

[وبث فيها من كل دابة] أي نشر وفرق في الأرض، من كل ما يدب عليها من أنواع
الدواب، المختلفة في أحجامها وأشكالها وألوانها وأصواتها

[وتصريف الرياح] أي تقليب الرياح في هبوبها جنوبا وشمالا، حارة وباردة، ولينة
وعاصفة

[والسحاب المسخر بين السماء والأرض] أي السحاب المذلل بقدرة الله، يسير حيث شاء
الله، وهو يحمل الماء الغزير، ثم يصبه على الأرض قطرات قطرات، قال كعب الأحبار:
السحاب غربال المطر، ولولا السحاب لأفسد المطر ما يقع عليه من الأرض

[لآيات لقوم يعقلون] أي لدلائل وبراهين عظيمة دالة على القدرة القاهرة، والحكمة
الباهرة، والرحمة الواسعة، لقوم لهم عقول تعي، وأبصار تدرك، وتتدبر، بأن هذه
الأمور من صنع إله قادر حكيم.. ثم أخبر تعالى عن سوء عاقبة المشركين الذين
عبدوا غير الله فقال

[ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا] أي ومن الناس من تبلغ بهم الجهالة، أن
يتخذ من غير الله رؤساء وأصناماً، يجعلها أشباها ونظراء مع الله، كأنها تخلف
وترزق، وهي حجارة صماء بكماء

[يحبونهم كحب الله] أي يعظمونهم ويخضعون لهم كحب المؤمنين لله

[والذين آمنوا أشد حبا لله] أي حب المؤمنين لله أشد من حب المشركين للأنداد

[ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا] أي لو رأى الظالمون
حين يشاهدون العذاب، المعد لهم يوم القيامة، أن القدرة كلها لله وحده

[وأن الله شديد العذاب] أي وأن عذاب الله شديد أليم، وجواب "لو" محذوف للتهويل
أي لرأوا ما لا يوصف من الهول والفظاعة

[إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا] أي تبرأ الرؤساء من الأتباع

[ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب] أي حين عاينوا العذاب وتقطعت بينهم الروابط
وزالت المودات

[وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم] أي تمنى الأتباع لو أن لهم رجعة
إلى الدنيا، ليتبرءوا من هؤلاء الذين أضلوهم السبيل

[كما تبرءوا منا] أي كما تبرأ الرؤساء من الأتباع في ذلك اليوم العصيب.. قال
تعالى:

[كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم] أي أنه تعالى كما أراهم شدة عذابه كذلك
يريهم أعمالهم القبيحة ندامات شديدة، وحسرات تتردد في صدورهم كأنها شرر الجحيم

[وما هم بخارجين من النار] أي ليس لهم سبيل إلى الخروج من النار، بل هم في عذاب
سرمدي، وشقاء أبدي

MERAMADA
2008-12-09, 02:08 AM
===============
البلاغة:
===============
1- [وإلهكم إله واحد] ورد الخبر خاليا من التأكيد، مع أن من الناس من ينكر
وحدانية الله، تنزيلا للمنكر منزلة غير المنكر، وذلك لأن بين أيديهم من
البراهين الساطعة، والحجج القاطعة، ما لو تأملوه لوجدوا فيه غاية الإقناع.

2- [لآيات] التنكير في آيات للتفخيم أي آيات عظيمة دالة على قدرة قاهرة وحكمة
باهرة.

3- [كحب الله] فيه تشبيه (مرسل مجمل حيث ذكرت الأداة وحذف وجه الشبه.

4- [أشد حبا لله] التصريح بالأشدية أبلغ من أن يقال "أحب الله" كقوله [فهي
كالحجارة أو أشد قسوة] مع صحة أن يقال: أو أقسى.

5- [ولو يرى الذين ظلموا] وضع الظاهر موضع الضمير [ولو يرون] لإحضار الصورة في
ذهن السامع، وتسجيل السبب فى العذاب الشديد، وهو الظلم الفادح.

6- في قوله: [رأوا العذاب] و [تقطعت بهم الأسباب] من علم البديع ما يسمى بـ
(الترصيع) وهو أن يكون الكلام مسجوعا، من غير تكلف ولا تعسف.

7- [وما هم بخارجين من النار] الجملة اسمية وإيرادها بهذه الصيغة لإفادة دوام
الخلود.

===============
الفوائد:
===============
الأولى: ذكر تعالى فى الآية من عجائب مخلوقاته ثمانية أنواع تنبيها على ما فيها
من العبر، واستدلالا على الوحدانية من الأثر،
- الأول: خلق السموات وما فيها من الكواكب والشمس والقمر.
- الثاني: الأرض وما فيها من جبال وبحار وأشجار وأنهار ومعادن وجواهر،
- الثالث: اختلاف الليل والنهار بالطول والقصر، والنور والظلمة، والزيادة
والنقصان،
- الرابع: السفن العظيمة كأنها الراسيات من الجبال، وهي موقرة بالأثقال
والرجال، تجري بها الرياح مقبلة ومدبرة،
- الخامس: المطر الذي جعله الله سببا لحياة الموجودات من حيوان ونبات وإنزاله
بمقدار،
- السادس: ما بث في الأرض من إنسان وحيوان مع اختلاف الصور والأشكال والألوان،
- السابع: تصريف الرياح، والهواء جسم لطيف وهو مع ذلك في غاية القوة، بحيث يقلع
الصخر والشجر ويخرب البنيان العظيم، وهو سبب حياة الموجودات، فلو أمسك طرفة عين
لمات كل ذي روح وأنتن ما على وجه الأرض،
- الثامن: السحاب مع ما فيه من المياه العظيمة التي تسيل منها الأودية الكبيرة،
يبقى معلقا بين السماء والأرض، بلا علاقة تمسكه، ولا دعامة تسنده، فسبحان الله
الواحد القهار!!.

الثانية: ورد لفظ الرياح في القرآن مفردة ومجموعة، فجاءت مجموعة مع الرحمة،
مفردة مع العذاب كقوله: [ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات] وقوله: [وهو الذي
أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته] وجاءت مفردة في العذاب كقوله: [بريح صرصر
عاتية] وقوله: [الريح العقيم] وروي أن رسول الله (ص) كان يقول إذا هبت الريح:
"اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحاً".


###############
قال الله تعالى: [يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيبا.. إلى .. لفي
شقاق بعيد] من آية (168) إلى نهاية آية (176).
###############


===============
المناسبة:
===============
لما بين تعالى التوحيد ودلائله، وما للمؤمنين المتقين والكفرة العاصين، اتبع
ذلك بذكر إنعامه على الكافر والمؤمن، ليدل على أن الكفر لا يؤثر في قطع
الإنعام، لأنه تعالى رب العالمين، فإحسانه عام لجميع الأنام، دون تمييز بين
مؤمن و كافر، وبر وفاجر ، ثم دعا المؤمنين الى شكر المنعم جل وعلا، و الأكل من
الطيبات التي أباحها الله، واجتناب ما حرمه الله من أنواع الخبائث.

===============
اللغة:
===============
[خطوات الشيطان] جمع خطوة وهي في الأصل ما بين القدمين عند المشي، وتستعمل
مجازاً في تتبع الآثار

[السوء] ما يسوء الإنسان أي يحزنه ويطلق على المعصية قولا أو فعلاً أو اعتقادا
لأنها تسوء صاحبها أي تحزنه في الحال أو المآل

[الفحشاء] ما يستعظم ويستفحش من المعاصي فهي أقبح أنواع المعاصي

[ألفينا] وجدنا ومنه قوله سبحانه: [وألفينا سيدها لدى الباب] [إنهم ألفوا
آباءهم ضالين] أي وجدوا

[ينعق] يصيح يقال: نعق الراعي بغنمه ينعق نعيقا إذا صاح بها وزجرها، قال
الأخطل: فانعق بضأنك يا جرير فإنما منتك نفسك في الخلاء ضلالا

[أهل] الإهلال: رفع الصوت يقال: أهل المحرم إذا رفع صوته بالتلبية، ومنه إهلال
الصبي وهو صياحه عند الولادة، وكان المشركون إذا ذبحوا ذكروا اللات والعزى،
ورفعوا بذلك أصواتهم

[أضطر] ألجئ أي ألجأته الضرورة إلى الأكل من المحرمات

[باغ ولا عاد] الباغي من البغي، والعادي من العدوان، وهما بمعنى الظلم وتجاوز
الحد

[يزكيهم] يطهرهم من التزكية وهي التطهير

[شقاق] الشقاق: الخلاف والعداوة، بحيث يكون كل واحد في شق أي طرف

MERAMADA
2008-12-09, 02:31 AM
===============
التفسير:
===============
[يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا] الخطاب عام لجميع البشر، أي كلوا
مما أحله الله لكم من الطيبات، حال كونه مستطابا في نفسه، غير ضار بالأبدان
والعقول

[ولا تتبعوا خطوات الشيطان] أي لا تقتدوا بآثار الشيطان، فيما يزينه لكم من
المعاصي والفواحش

[إنه لكم عدو مبين] أي إنه عظيم العداوة لكم، وعداوته ظاهرة لا تخفى على عاقل

[إنما يأمركم بالسوء والفحشاء] أي لا يأمركم الشيطان بما فيه خير، إنما يأمركم
بالمعاصي والمنكرات، وما تناهى في القبح من الرذائل

[وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون] أي وأن تفتروا على الله بتحريم ما أحل لكم،
وتحليل ما حرم عليكم، فتحلوا وتحرموا من تلقاء أنفسكم

[وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله] أي وإذا قيل للمشركين اتبعوا ما أنزل الله
على رسوله من الوحي والقرآن، واتركوا ما أنتم عليه من الضلال والجهل

[قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا] أي بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا، قال
تعالى فى الرد عليهم:

[أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون] أي أيتبعون آباءهم ولو كانوا
سفهاء أغبياء، ليس لهم عقل يردعهم عن الشر، ولا بصيرة تنير لهم الطريق؟
والاستفهام للإنكار والتوبيخ، والتعجيب من حالهم، في تقليدهم الأعمى للآباء..
ثم ضرب تعالى مثلا للكافرين في غاية الوضوح والجلاء فقال تعالى:

[ومثل الذين كفروا كمثل الذى ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء] أي ومثل الكفار
في عدم انتفاعهم بالقرآن وحججه الساطعة، ومثل من يدعوهم إلى الهدى، كمثل الراعي
الذي يصيح بغنمه ويزجرها، فهي تسمع الصوت والنداء، دون أن تفهم الكلام والمراد،
أو تدرك المعنى الذي يقال لها، فهؤلاء الكفار كالدواب السارحة، لا يفهمون ما
تدعوهم إليه ولا يفقهون، يسمعون القرآن ويصمون عنه الآذان [إن هم إلا كالأنعام
بل هم أضل سبيلا] ولهذا قال تعالى:

[صم بكم عمي فهم لا يعقلون] أي صم عن سماع الحق، بكم أي خرس عن النطق به، عمي
عن رؤيته، فهم لا يفقهون ما يقال لهم، لأنهم أصبحوا كالدواب فهم في ضلالهم
يتخبطون .. وخلاصة المثل – والله أعلم – مثل الذين كفروا كالبهائم التي لا تفقه
ما يقول الراعي أكثر من سماع الصوت دون أن تفهم المعنى، وهو خلاصة قول ابن عباس

[يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم] خاطب المؤمنين لأنهم الذين
ينتفعون بالتوجيهات الربانية، والمعنى: كلوا يا أيها المؤمنون من المستلذات وما
طاب من الرزق الحلال الذي رزقكم الله إياه

[واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون] أي واشكروا الله على نعمه التي لا تحصى، إن
كنتم تخصونه بالعبادة ولا تعبدون أحدا سواه

[إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير] أي ما حرم عليكم إلا الخبائث،
كالميتة، والدم، ولحم الخنزير

[وما أهل به لغير الله] أي وما ذبح للأصنام فذكر عليه اسم غير الله، كقولهم:
باسم اللات باسم العزى

[فمن اضطر غير باغ ولا عاد] أي فمن ألجأته ضرورة إلى أكل شيء من المحرمات، بشرط
ألا يكون ساعيا فى فساد، ولا متجاوزاً مقدار الحاجة

[فلا إثم عليه] أي فلا عقوبة عليه في الأكل

[إن الله غفور رحيم] أي يغفر الذنوب ويرحم العباد، ومن رحمته أن أباح المحرمات
وقت الضرورة

[إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب] أي يخفون صفة النبى (ص) المذكورة في
التوراة وهم اليهود، قال ابن عباس: نزلت فى رؤساء اليهود حين كتموا نعت النبي
(ص)

[ويشترون به ثمنا قليلا] أي يأخذون بدله عوضا حقيرا من حطام الدنيا

[أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار] أي إنما يأكلون نارا تتأجج في بطونهم
يوم القيامة، لأن أكل ذلك المال الحرام يفضي بهم إلى النار

[ولا يكلمهم الله يوم القيامة] أي لا يكلمهم كلام رضى كما يكلم المؤمنين، بل
يكلمهم كلام غضب وسخط كقوله: [اخسئوا فيها ولا تكلمون]

[ولا يزكيهم] أي يطهرهم من دنس الذنوب

[ولهم عذاب أليم] أي عذاب مؤلم وهو عذاب جهنم

[أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى] أي أخذوا الضلالة بدل الهدى والكفر بدل
الإيمان

[والعذاب بالمغفرة] أي واستبدلوا الجحيم بالجنة

[فما أصبرهم على النار] أي ما أشد صبرهم على نار جهنم؟ وهو تعجيب للمؤمنين من
جراءة أولئك الكفار، على اقتراف أنواع المعاصي، ثم قال تعالى مبينا سبب النكال
والعذاب

[ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق] أي ذلك العذاب الأليم بسبب أن الله أنزل كتابه
التوراة ببيان الحق فكتموا وحرفوا ما فيه

[وإن الذين اختلفوا في الكتاب] أي اختلفوا في تأويله وتحريفه

[لفي شقاق بعيد] أي في خلاف بعيد عن الحق والصواب، مستوجب لأشد العذاب.

===============
سبب النزول:
===============
قال ابن عباس: نزلت هذه الآية فى رؤساء اليهود: كعب بن الأشرف، ومالك بن الصيف،
وحيي بن أخطب كانوا يأخذون من أتباعهم الهدايا، فلما بعث محمد عليه السلام
خافوا انقطاع تلك المنافع فكتموا أمر محمد (ص) والبشارة به، في سبيل حطام
الدنيا، فنزلت [إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب..] الآية.

===============
البلاغة:
===============
1- [خطوات الشيطان] استعارة عن الاقتداء به واتباع آثاره قال في تلخيص البيان:
وهي أبلغ عبارة عن التحذير من طاعته فيما يأمر به وقبول قوله فيما يدعو إلي
فعله.

2- [السوء والفحشاء] هو من باب "عطف الخاص على العام" لأن السوء يتناول جميع
المعاصي، والفحشاء أقبح وأفحش المعاصي، خصت بالذكر لخطرها.

3- [ومثل الذين كفروا] فيه تشبيه (مرسل ومجمل) مرسل لذكر الأداة ومجمل لحذف وجه
الشبه، فقد شبه الكفار بالبهائم التى تسمع صوت المنادي دون أن تفقه كلامه وتعرف
مراده.

4- [صم بكم عمي] حذفت أداة التشبيه ووجه الشبه فهو "تشبيه بليغ" أي هم كالصم في
عدم سماع الحق، وكالعمي في عدم رؤية الهدى، وكالبكم في عدم الانتفاع بنور
القرآن.

5- [ما يأكلون في بطونهم إلا النار] مجاز مرسل باعتبار ما يؤول إليه إنما
يأكلون المال الحرام الذي يفضي بهم إلى النار وقوله: [في بطونهم] زيادة تشنيع
وتقبيح لحالهم، وتصويرهم بمن يتناول رضف جهنم، وذلك أفظع سماعا وأشد إيجاعاً.

6- [اشتروا الضلالة بالهدى] استعارة والمراد استبدلوا الكفر بالإيمان، شبه
تعالى تركهم الإيمان وأخذهم الكفر، بإنسان اشترى بضاعة، فدفع فيها ثمنا كبيرا،
ثم ذهبت التجارة وعظمت الخسارة، فأصبح من النادمين

MERAMADA
2008-12-09, 02:42 AM
===============
الفوائد:
===============
الأولى: عن ابن عباس قال: تليت هذه الآية عند النبى (ص) [يا أيها الناس كلوا
مما في الأرض حلالا طيبا] فقام سعد بن أبي وقاص فقال يا رسول الله: (ادع الله
أن يجعلني مستجاب الدعوة! فقال يا سعد: أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، والذي نفس
محمد بيده إن الرجل ليقذف اللقمة الحرام في جوفه، ما يتقبل الله منه أربعين
يوما، وأيما عبد نبت لحمه من السحت والربا فالنار أولى به).

الثانية: قال بعض السلف: "يدخل في اتباع خطوات الشيطان كل معصية لله، وكل نذر
في المعاصي، قال الشعبي: نذر رجل أن ينحر ابنه فأفتاه مسروق بذبح كبش، وقال:
هذا من خطوات الشيطان.

الثالثة: قال ابن القيم في أعلام الموقعين عن قوله تعالى: [ومثل الذين كفروا
كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء] قال: لك أن تجعل هذا من التشبيه
المركب، وأن تجعله من التشبيه المفرق، فإن جعلته من المركب كان تشبيها للكفار –
في عدم فقههم وانتفاعهم – بالغنم التي ينعق بها الراعي فلا تفقه من قوله شيئا
غير الصوت المجرد الذي هو الدعاء والنداء، وإن جعلته من التشبيه المفرق: فالذين
كفروا بمنزلة البهائم، ودعاء داعيهم إلى الطريق والهدى بمنزلة الذي ينعق بها،
ودعاؤهم إلى الهدى بمنزلة النعق، وإدراكهم مجرد الدعاء والنداء كإدراك البهائم
مجرد صوت الناعق والله أعلم.


###############
قال الله تعالى: [ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب.. إلى .. فأصلح
بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم] من آية (177) إلى نهاية آية (182).
###############

من هنا بداية النصف الثاني من السورة الكريمة على وجه التقريب، ونصف السورة
السابق كان متعلقا بأصول الدين وبقبائح بني إسرائيل، وهذا النصف غالبه متعلق
بالأحكام التشريعية الفرعية، ووجه المناسبة أنه تعالى ذكر في الآية السابقة أن
أهل الكتاب اختلفوا في دينهم اختلافا كبيرا صاروا بسببه في شقاق بعيد، ومن
أسباب شقاقهم "أمر القبلة" إذ أكثروا الخوض فيه، وأنكروا على المسلمين التحول
إلى استقبال الكعبة، وادعى كل من الفريقين – اليهود والنصارى – أن الهدى مقصور
على قبلته، فرد الله عليهم وبين أن العبادة الحقة وعمل البر ليس بتوجه الإنسان
جهة المشرق والمغرب، ولكن بطاعة الله وامتثال أوامره وبالإيمان الصادق الراسخ.

===============
اللغة:
===============
[البر] اسم جامع للطاعات وأعمال الخير

[الرقاب] جمع رقبة وهي في الأصل العنق، وتطلق على البدن كله، كما تطلق العين
على الجاسوس والمراد في الآية الأسرى والأرقاء

[البأساء] الفقر

[الضراء] السقم والوجع

[البأس] القتال، وأصل البأس في اللغة: الشدة

[كتب] فرض

[القصاص] العقوبة بالمثل، من قتل أو جرح، مأخوذ من القص وهو تتبع الأثر

[وقالت لأخته قصيه] أي اتبعى أثره

[القتلى] جمع قتيل يستوي المذكر والمؤنث يقال: رجل قتيل وامرأة قتيل

[الألباب] العقول جمع لب مأخوذ من لب النخلة

[وإثما] الإثم: الذنب

[جنفا] الجنف: العدول عن الحق على وجه الخطأ والجهل.

===============
سبب النزول:
===============
عن قتادة أن أهل الجاهلية كان فيهم بغي وطاعة للشيطان، وكان الحي منهم إذا كان
فيهم منعة، فقتل عبدهم عبد آخرين، قالوا: لن نقتل به إلا حرا، وإذا قتلت امرأة
منهم امرأة من آخرين قالوا: لن نقتل بها إلا رجلا فأنزل الله [الحر بالحر
والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى].

===============
التفسير:
===============
[ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب] أي ليس فعل الخير وعمل الصالحات
محصوراً في أن يتوجه الإنسان في صلاته جهة المشرق أو المغرب

[ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر] أي ولكن الطاعة، والبر الصحيح هو
الإيمان بالله واليوم الآخر

[والملائكة والكتاب والنبيين] أي وأن يؤمن بالملائكة والكتب والرسل

[وآتى المال على حبه ذوي القربى] أي أعطى المال على محبته له ذوي قرابته، فهم
أولى بالمعروف

[واليتامى والمساكين وابن السبيل] أي وأعطى المال أيضا لليتامى الذين فقدوا
آباءهم والمساكين الذين لا مال لهم، وابن السبيل المسافر المنقطع عن ماله

[والسائلين وفي الرقاب] أي الذين يسألون المعونة بدافع الحاجة، وفي تخليص
الأسرى والأرقاء بالفداء

[وأقام الصلاة وآتى الزكاة] أي وأتى بأهم أركان الإسلام وهما: الصلاة، والزكاة

[والموفون بعهدهم إذا عاهدوا] أي ومن يوفون بالعهود، ولا يخلفون الوعود

[والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس] أي الصابرين على الشدائد، وحين
القتال في سبيل الله، وهو منصوب على المدح

[أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون] أي أهل هذه الأوصاف الحميدة، هم الذين
صدقوا في إيمانهم، وأولئك هم الكاملون في التقوى، وفي الآية ثناء على الأبرار،
وإيحاء إلى ما سيلاقونه من اطمئنان وخيرات حسان.

[يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى] أي فرض عليكم أن تقتصوا من
قاتل الإنسان، بالمساواة دون بغي أو عدوان

[الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى] أي اقتصوا من الجاني فقط، فإذا قتل
الحر الحر فاقتلوه به، وإذا قتل العبد العبد فاقتلوه به، وكذلك الأنثى إذا قتلت
الأنثى، اقتلوها بها، مثلا بمثل، ولا تعتدوا فتقتلوا غير الجاني، فإن أخذ غير
الجاني ليس بقصاص، بل هو ظلم واعتداء

[فمن عفى له من أخيه شيء] أي فمن ترك له من دم أخيه المقتول شيء، بأن ترك وليه
القود، وأسقط القصاص، راضياً بقبول الدية

[فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان] أي فعلى العافي اتباع للقاتل بالمعروف،
بأن يطالبه بالدية بلا عنف ولا إرهاق، وعلى القاتل أداء للدية إلى العافى – ولي
المقتول – بلا مطل ولا بخس

[ذلك تخفيف من ربكم ورحمة] أي ما شرعته لكم من العفو إلى الدية، تخفيف من ربكم
عليكم، ورحمة منه بكم، ففي الدية تخفيف على القاتل ونفع لأولياء القتيل، وقد
جمع الإسلام في عقوبة القتل بين (العدل) و (الرحمة) فجعل القصاص حقاً لأولياء
المقتول، إذا طالبوا به وذلك عدل، وشرع الدية إذا أسقطوا القصاص عن القاتل،
وذلك رحمة

[فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم] أي فمن اعتدى على القاتل بعد قبول الدية،
فله عذاب أليم في الآخرة

[ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب] أي ولكم – يا أولي العقول – فيما شرعت
من القصاص حياة وأي حياة!؟ لأن القاتل إذا علم أنه إذا قتل نفساً قتل بها يرتدع
وينزجر عن القتل، فيحفظ حياته وحياة من أراد قتله، وبذلك تصان الدماء وتحفظ
حياة الناس

[لعلكم تتقون] أي لعلكم تنزجرون وتتقون محارم الله ومآثمه

[كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت] أي فرض عليكم إذا أشرف أحدكم على الموت، وقد
ترك مالا كثيرا

[الوصية للوالدين والأقربين] أي وجب عليه الإيصاء للوالدين والأقربين

[بالمعروف حقا على المتقين] أي بالعدل بأن لا يزيد على الثلث، وألا يوصي
للأغنياء ويترك الفقراء، حقا لازما على المتقين لله، وقد كان هذا واجبا قبل
نزول آية المواريث، ثم نسخ بآية المواريث

[فمن بدله بعدما سمعه] أي من غير هذه الوصية بعدما علمها، من وصي أو شاهد

[فإنما إثمه على الذين يبدلونه] أي إثم هذا التبديل على الذين بدلوه، لأنهم
خانوا وخالفوا حكم الشرع

[إن الله سميع عليم] فيه وعيد شديد للمبدلين

[فمن خاف من موص جنفا] أي فمن علم أو ظن من الموصي ميلا عن الحق بالخطأ

[أو إثما] أي ميلا عن الحق عمدا

[فأصلح بينهم فلا إثم عليه] أي أصلح بين الموصي والموصى له فلا ذنب عليه بهذا
التبديل

[إن الله غفور رحيم] أي واسع المغفرة والرحمة لمن قصد بعمله الإصلاح.

===============
البلاغة:
===============
1- [ولكن البر من آمن] جعل البر نفس من آمن على طريق المبالغة وهذا معهود في
كلام البلغاء إذ تجدهم يقولون: السخاء حاتم، والشعر زهير أي أن السخاء سخاء
حاتم، والشعر شعر زهير، وعلى هذا خرجه سيبويه حيث قال فى كتابه: قال عز وجل
[ولكن البر من آمن] وإنما هو: ولكن البر بر من آمن بالله، انتهى. ونظير ذلك أن
تقول: ليس الكرم أن تبذل درهماً ولكن الكرم بذل الآلاف.

2- [وفي الرقاب] إيجاز بالحذف أي وفي (فك الرقاب) يعنى فداء الأسرى، وفي لفظ
الرقاب (مجاز مرسل) حيث أطلق الرقبة وأراد به النفس وهو من إطلاق الجزء وإرادة
الكل.

3- [والصابرين في البأساء] الأصل أن يأتي مرفوعا لعطفها على المرفوع :
[والموفون بعهدهم] وإنما نصب هنا على الاختصاص، أي وأخص بالذكر الصابرين، وهذا
الأسلوب معروف بين البلغاء، فإذا ذكرت صفات للمدح أو الذم وخولف الإعراب في
بعضها، فذلك تفنن، ويسمى قطعا لأن تغيير المألوف يدل على مزيد اهتمام بشأنه
وتشويق لسماعه.

4- [أولئك الذين صدقوا] الجملة جاء الخبر فيها فعلا ماضيا (صدقوا) لإفادة
التحقيق، وأن ذلك وقع منهم واستقر، وأتى بخبر الثانية في جملة اسمية [وأولئك هم
المتقون] ليدل على الثبوت، وأنه ليس متجدداً بل صار كالسجية لهم، ومراعاة
للفاضلة أيضا.

5- [حقا على المتقين] ذكر "المتقين" من باب الإلهاب والتهييج للتمسك بالتقوى.

6- الطباع بين [اتباع] و [أداء] وبين [الحر] و [العبد

MERAMADA
2008-12-09, 03:41 PM
===============
الفوائد:
===============
الأولى: في ذكر الأخوة "من أخيه" تعطف داع إلى العفو، فقد سمى الله القاتل أخاً
لولي المقتول [فمن عفي له من أخيه شيء] تذكيراً بالأخوة الدينية والبشرية، حتى
يهز عطف كل واحد منهما إلى الآخر، فيقع بينهم العفو، والاتباع بالمعروف،
والأداء بالإحسان.

الثانية: كان في بني إسرائيل القصاص، ولم يكن فيهم الدية، وكان في النصارى
الدية، ولم يكن فيهم القصاص، فأكرم الله هذه الأمة المحمدية وخيرها بين
(القصاص، والدية، والعفو)، وهذا من يسر الشريعة الغراء التي جاء بها سيد
الأنبياء.

الثالثة: اتفق علماء البيان على أن هذه الآية [ولكم في القصاص حياة] بالغة أعلى
درجات البلاغة، ونقل عن بلغاء العرب في هذا المعنى قولهم: "القتل أنفى للقتل"
ولكن لورود الآية فضل من ناحية حسن البيان، وإذا شئت أن تزداد خبرة بفضل بلاغة
القرآن، وسمو مرتبته على مرتبة ما نطق به بلغاء البشر، فانظر إلى العبارتين،
فإنك تجد من نفحات الإعجاز ما ينبهك لأن تشهد الفرق بين كلام الخالق وكلام
المخلوق، أما (الحكمة القرآنية) فقد جعلت سبب الحياة القصاص، وهو القتل عقوبة
على وجه التماثل، والمثل العربي جعل سبب الحياة القتل، ومن القتل ما يكون ظلما،
فيكون سبباً للفناء، وتصحيح العبارة أن يقال: القتل قصاصا أنفى للقتل ظلما،
والآية جاءت خالية من التكرار اللفظي، والمثل كرر فيه لفظ القتل، فمسه بهذا
التكرار من الثقل ما سلمت منه الآية، ومن الفروق الدقيقة بينهما أن الآية جعلت
القصاص سببا للحياة, والمثل جعل القتل سببا لنفى القتل، وهو لا يستلزم الحياة
.... الخ. وقد عد العلماء عشرين وجها من وجوه التفريق بين الآية القرآنية
واللفظة
العربية، وقد ذكرها السيوطي في كتابه (الإتقان) فارجع إليه تجد فيه شفاء
العليل.


###############
قال الله تعالى [يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام.. إلى .. كذلك يبين الله
آياته للناس لعلهم يتقون] من آية (183) إلى نهاية آية (187).
###############


===============
المناسبة:
===============
ذكر تعالى في الآيات السابقة حكم القصاص، ثم عقبه بحكم الوصية
للوالدين والأقربين، ثم بأحكام الصيام على وجه التفصيل، لأن هذا الجزء من
السورة الكريمة يتناول جانب الأحكام التشريعية، ولما كان الصوم من أهم الأركان،
ذكره الله تعالى هنا ليهيء عباده إلى منازل القدس، ومعارج المتقين الأبرار.

===============
اللغة:
===============
[الصيام] في اللغة: الإمساك عن الشيء، قال أبو عبيدة: كل ممسك عن طعام، أو
كلام، أو سير فهو صائم، قال الشاعر: خيل صيام وخيل غير صائمة تحت العجاج وأخرى
تعلك اللجما
وفي الشرع: الإمساك عن الطعام والشراب والجماع في النهار مع النية

[يطيقونه] أي يصومونه بعسر ومشقة قال الراغب: الطاقة اسم لمقدار ما يمكن
للإنسان أن يفعله مع المشقة، وشبه بالطوق المحيط بالشيء

[فدية] ما يفدي به الإنسان نفسه من مال وغيره

[شهر] من الاشتهار وهو الظهور

[رمضان] من الرمض وهو شدة الحر والرمضاء شدة حر الشمس، وسمي رمضان لأنه يرمض
الذنوب أي يحرقها

[الرفث] الجماع ودواعيه، وأصله قول الفحش ثم كني به عن الجماع، قال الشاعر:
ويرين من أنس الحديث زوانياً وبهن عن رفث الرجال نفار

[تختانون] قال في اللسان: خانه واختانه، والمخاتنة مصدر من الخيانة وهي ضد
الأمانة، وسئل بعضهم عن السيف فقال: أخوك وإن خانك

[عاكفون] الاعتكاف في اللغة: اللبث واللزوم، وفي الشرع: المكث في المسجد
للعبادة

[حدود الله] الحد في اللغة: المنع وأصله الحاجز بين الشيئين المتقابلين، وسميت
الأحكام (حدودا) لأنها تحجز بين الحق والباطل.

===============
سبب النزول:
===============
روي أن بعض الأعراب سألوا النبي (ص) فقالوا: يا محمد أقريب ربنا فنناجيه أم
بعيد فنناديه؟ فسكت النبى (ص) فأنزل الله: [وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب
دعوة الداع إذا دعان] الآية

MERAMADA
2008-12-12, 02:22 PM
===============
التفسير:
===============
[يا أيها الذين آمنوا] ناداهم بلفظ الإيمان ليحرك فيهم مشاعر الطاعة، ويذكي
فيهم جذوة الإيمان

[كتب عليكم الصيام] أي فرض عليكم صيام شهر رمضان

[كما كتب على الذين من قبلكم] أي كما فرض على الأمم قبلكم

[لعلكم تتقون] أي لتكونوا من المتقين لله، المجتنبين لمحارمه

[أياما معدودات] أي الصيام أيامه معدودات، وهي أيام قلائل، فلم يفرض عليكم
الدهر كله، تخفيفا ورحمة بكم

[فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر] أي من كان به مرض أو كان
مسافرا فأفطر فعليه قضاء عدة ما أفطر من أيام غيرها

[وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين] أي وعلى الذين يستطيعون صيامه مع المشقة،
لشيخوخة أو ضعف، إذا أفطروا عليهم فدية بقدر طعام مسكين لكل يوم

[فمن تطوع خيرا] أي فمن زاد على القدر المذكور في الفدية

[فهو خير له] ثم قال تعالى:

[وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون] أي والصوم خير لكم من الفطر والفدية، إن
كنتم تعلمون ما في الصوم من أجر وفضيلة، ثم بين تعالى وقت الصيام فقال:

[شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان] أي
الأيام المعدودات التي فرضتها عليكم أيها المؤمنون، هي (شهر رمضان) الذي ابتدأ
فيه نزول القرآن حال كونه هداية للناس، لما فيه من إرشاد وإعجاز، وآيات واضحات
تفرق بين الحق والباطل

[فمن شهد منكم الشهر فليصمه] أي من حضر منكم الشهر فليصمه

[ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام آخر] أي ومن كان مريضا أو مسافرا،
فأفطر فعليه صيام أيام أخر، وكرر ذكر المرض والسفر، لئلا يتوهم نسخه بعموم لفظ
شهود الشهر

[يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر] أي يريد الله بهذا الترخيص، التيسير
عليكم لا التعسير

[ولتكملوا العدة] أي ولتكملوا عدة شهر رمضان بقضاء ما أفطرتم

[ولتكبروا الله على ما هداكم] أي ولتحمدوا الله على ما أرشدكم إليه من معالم
الدين

[ولعلكم تشكرون] أي ولكي تشكروا الله على فضله وإحسانه.. ثم بين تعالى أنه قريب
يجيب دعوة الداعين، ويقضي حوائج السائلين فقال:

[وإذا سألك عبادي عني فإني قريب] أي أنا معهم أسمع دعاءهم، وأرى تضرعهم، وأعلم
حالهم كقوله سبحانه: [ونحن اقرب إليه من حبل الوريد]!!

[أجيب دعوة الداع إذا دعان] أي أجيب دعوة من دعاني إذا كان عن إيمان وخشوع قلب

[فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون] أي إذا كنت أنا ربكم الغني عنكم،
أجيب دعاءكم، فاستجيبوا أنتم لدعوتي، بالإيمان بي وطاعتي، ودوموا على الإيمان
لتكونوا من السعداء الراشدين.. ثم شرع تعالى في بيان تتمة أحكام الصيام بعد أن
ذكر آية القرب والدعاء فقال:

[أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم] أي أبيح لكم أيها الصائمون غشيان
النساء في ليالي الصوم

[هن لباس لكم وأنتم لباس لهن] قال ابن عباس: أراد به الجماع، ولكن الله عز وجل
كريم، حليم، يكني، أي هن سكن لكم وأنتم سكن لهن

[علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم] أي تخونونها ولا تصبرون عن الانقطاع عن
معاشرتهن في ليالي رمضان، وكان محرما ذلك عليهم ثم نسخ، روى البخاري عن البراء
رضي الله عنه قال:
(لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون
أنفسهم، فأنزل الله [علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم] الآية

[فتاب عليكم وعفا عنكم] أي فقبل توبتكم وعفا عنكم، لما فعلتموه قبل النسخ

[فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم] أي جامعوهن في ليالي الصوم، واطلبوا
بنكاحهن الولد، ولا تباشروهن لقضاء الشهوة فقط

[وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر] أي كلوا
واشربوا إلى طلوع الفجر

[ثم أتموا الصيام إلى الليل] أي أمسكوا عن الطعام والشراب والنكاح إلى غروب
الشمس

[ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد] أي لا تقربوهن ليلا أو نهارا، ما دمتم
معتكفين في المساجد

[تلك حدود الله فلا تقربوها] أي تلك أوامر الله وزواجره، وأحكامه التي شرعها
لكم، فلا تخالفوها

[كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون] أي يوضح لكم الأحكام، لتجتنبوا
المحارم التي نهاكم عنها ربكم!

===============
البلاغة:
===============
1- [كما كتب] التشبيه في الفرضية لا في الكيفية أي فرض الصيام عليكم كما فرض
على الأمم قبلكم، وهذا التشبيه يسمى (مرسلا مجملا).

2- [فمن كان منكم مريضا أو على سفر] فيه إيجاز بالحذف أي من كان مريضا فأفطر،
أو على سفر فأفطر، فعليه قضاء أيام بعدد ما أفطر.

3- [وعلى الذين يطيقونه] في تفسير الجلالين قدره بحذف "لا" أي لا يطيقونه، ولا
ضرورة لهذا الحذف لأن معنى الآية يطيقونه بجهد شديد، وذلك كالشيخ الهرم،
والحامل، والمرضع، فهم يستطيعونه لكن مع المشقة الزائدة، والطاقة اسم لمن كان
قادرا على الشيء مع الشدة والمشقة.

4- [يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر] فيه من المحسنات البديعية ما يسمى
بـ "طباق السلب" كما أن بين لفظ "اليسر" و"العسر" طباقا.

5- [الرفث إلى نسائكم] الرفث كناية عن الجماع، وعدي بـ" إلى" لتضمنه معنى
الإفضاء وهو من الكنايات الحسنة كقوله: [فلما تغشاها] وقوله: [فأتوا حرثكم]
وقوله: [فالآن باشروهن] قال ابن عباس: إن الله عز وجل كريم حليم يكني.

6- [هن لباس لكم وأنتم لباس لهن] استعارة بديعة شبه كل واحد من الزوجين
لاشتماله على صاحبه في العناق والضم، باللباس المشتمل على لابسه قال في تلخيص
البيان: "المراد قرب بعضهم من بعض واشتمال بعضهم على بعض كما تشتمل الملابس على
الأجسام فاللباس استعارة".

7- [الخيط الأبيض من الخيط الأسود] هذه استعارة عجيبة، والمراد بها بياض الصبح
وسواد الليل، والخيطان هنا مجاز عن إشراق النهار، وظلمة الليل. وذهب الزمخشري
على أنه من التشبيه البليغ

MERAMADA
2008-12-12, 02:28 PM
===============
الفوائد:
===============
الأولى: روي عن الحسن أنه قال: إن الله تعالى فرض صيام رمضان على اليهود
والنصارى، أما اليهود فإنها تركت هذا الشهر، وصامت يوما من السنة زعموا أنه يوم
غرق الله فيه فرعون، وأما النصارى فإنهم صاموا رمضان فصادفوا فيه الحر الشديد،
فحولوه إلى وقت لا يتغير، ثم قالوا عند ذلك نزيد فيه فزادوا عشرا، ثم بعد زمان
اشتكى ملكهم فنذر سبعا فزادوه، ثم جاء بعد ذلك ملك آخر فقال: ما بال هذه
الثلاثة فأتمه خمسين يوما وهذا معنى قوله تعالى: [اتخذوا أحبارهم ورهبانهم
أرباباً]

الثانية: قال الحافظ ابن كثير: وفي ذكره تعالى هذه الآية الباعثة على الدعاء
متخللة بين أحكام الصيام [وإذا سألك عبادي عني] إرشاد إلى الاجتهاد في الدعاء
عند إكمال العدة، بل وعند كل فطر، لحديث "إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد" وكان
عبد الله بن عمرو يقول إذا أفطر: "اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن
تغفر لي ذنوبي".

الثالثة: ظاهر نظم الجملة [وإذا سألك عبادي عني] أنهم سألوا عن الله، والسؤال
لا يكون عن الذات، وإنما يكون عن شأن من شؤونها فقوله في الجواب [فإني قريب]
يدل على أنهم سألوا عن جهة القرب أو البعد، ولم يصدر الجواب بـ"قل" أو فقل كما
وقع في أجوبة مسائلهم الواردة في آيات أخرى نحو [ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها
ربي نسفا] بل تولى جوابهم بنفسه، إشعارا بفرط قربه تعالى منهم، وحضوره مع كل
سائل، بحيث لا تتوقف إجابته على وجود واسطة بينه وبين السائلين من ذوي الحاجات.

الرابعة: قال الإمام ابن تيمية: "وهو سبحانه فوق العرش رقيب على خلقه مهيمن
عليهم، مطلع إليهم، فدخل في ذلك الإيمان بأنه قريب من خلقه"، وفي الصحيح: "إن
الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته" وما ذكر في الكتاب والسنة من قربه
ومعيته، لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته، فإنه سبحانه ليس كمثله شيء.

الخامسة: عبر المولى جل وعلا عن المباشرة الجنسية التي تكون بين الزوجين بتعبير
سام لطيف، لتعليمنا الأدب في الأمور التي تتعلق بالجنس والنساء ولهذا قال ابن
عباس رضي الله عنه: إن الله عز وجل كريم حليم يكني.

###############
قال الله تعالى: [ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل.. إلى.. وأحسنوا إن الله
يحب المحسنين] من آية (188) إلى نهاية آية (195).
###############

===============
المناسبة:
===============
لما بين تعالى في الآيات السابقة أحكام الصيام وأباح للمؤمنين الاستمتاع
بالطعام والشراب والنكاح في ليالي رمضان، عقبه بالنهي عن أكل الأموال بغير حق،
ينبه تعالى إلى أن الغرض من الصيام، ليس الامتناع عن الطعام، إنما هو اجتناب
الحرام، ولما كان حديث الصيام يتصل برؤية الهلال وهذا ما يحرك في النفوس خاطر
السؤال عن الأهلة، جاءت الآيات الكريمة تبين أن الأهلة مواقيت لعبادات الناس في
الصيام وسائر أنواع القربات.

===============
اللغة:
===============
[الباطل] في اللغة: الزائل الذاهب يقال: بطل الشيء بطولا فهو باطل، وفي الشرع
هو المال الحرام، كالغصب، والسرقة، والقمار، والربا

[وتدلوا] الإدلاء في الأصل: إرسال الدلو في البئر، ثم جعل لكل إلقاء، والمراد
بالإدلاء هنا الدفع إلى الحاكم بطريق الرشوة

[الأهلة] جمع هلال، وهو أول ظهور القمر حين يراه الناس، ثم يصبح قمرا، ثم بدرا
حين يتكامل نوره

[مواقيت] جمع ميقات وهو الوقت كالميعاد بمعنى الوعد، وقيل: الميقات منتهى الوقت

[ثقفتموهم] ثقف الشيء إذا ظفر به ووجده على جهة الأخذ والغلبة، ورجل ثقف سريع
الأخذ لأقرانه، قال الشاعر: فإما تثقفوني فاقتلوني فمن أثقف فليس إلى خلود

[التهلكة] الهلاك يقال: هلك يهلك هلاكا وتهلكة.

===============
[سبب النزول]:
===============
روي أن بعض الصحابة قالوا يا رسول الله: ما بال الهلال يبدو دقيقا مثل الخيط ثم
يزيد حتى يمتلىء ويستوي ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدأ، لا يكون على حالة
واحدة كالشمس فنزلت
[يسألونك عن الأهلة] الآية.

وروي أن الأنصار كانوا إذا أحرم الرجل منهم في الجاهلية لم يدخل بيتا من بابه
بل كان يدخل من نقب في ظهره، أو يتخذ سلما يصعد فيه، فجاء رجل من الأنصار، فدخل
من جهة بابه، فكأنه عير بذلك، فنزل قوله تعالى: [وليس البر بأن تأتوا البيوت من
ظهورها

MERAMADA
2008-12-14, 09:09 AM
===============
التفسير:
===============
[ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل] أي لا يأكل بعضكم أموال بعض، بالوجه الذي
لم يبحه الله

[وتدلوا بها إلى الحكام] أي تدفعوها إلى الحكام رشوة

[لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم] أي ليعينوكم على اخذ طائفة من أموال
الناس بالباطل

[وأنت تعلمون] أنكم مبطلون تأكلون الحرام

[يسألونك عن الأهلة] أي يسألونك يا محمد عن الهلال، لم يبدو دقيقا مثل الخيط ثم
يعظم ويستدير، ثم ينقص ويدق حتى يعود كما كان؟

[قل هي مواقيت للناس والحج] أي فقل لهم إنها أوقات لعباداتكم، ومعالم تعرفون
بها مواعيد الصوم والحج والزكاة

[وليس البر أن تأتوا البيوت من ظهورها] أي ليس البر بدخولكم المنازل من ظهورها
كما كنتم تفعلون في الجاهلية

[ولكن البر من اتقى] أي ولكن العمل الصالح الذي يقربكم من الله في اجتناب محارم
الله

[وأتوا البيوت من أبوابها] ادخلوها كعادة الناس من الأبواب

[واتقوا الله لعلكم تفلحون] أي اتقوا الله لتسعدوا وتظفروا برضاه

[وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم] أي قاتلوا لإعلاء دين الله، من قاتلكم
من الكفار

[ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين] أي لا تبدأوا بقتالهم فإنه تعالى لا يحب
من ظلم أو اعتدى، وكان هذا في بدء أمر الدعوة ثم نسخ بآية براءة [وقاتلوا
المشركين كافة] وقيل نسخ بالآية التي بعدها وهي قوله: [واقتلوهم حيث ثقفتموهم]
أي اقتلوهم حيث وجدتموهم في حل أو حرم

[وأخرجوهم من حيث أخرجوكم] أي شردوهم من أوطانهم، وأخرجوهم منها كما أخرجوكم من
مكة

[والفتنة أشد من القتل] أي فتنة المؤمن عن دينه أشد من قتله، وقيل: كفر الكفار
أشد وأبلغ من قتلكم لهم في الحرم، فإذا استعظموا القتال فيه، فكفرهم أعظم

[ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه] أي لا تبدأوهم بالقتال في
الحرم حتى يبدأوا هم بقتالكم فيه

[فإن قاتلوكم فاقتلوهم] أي إن بدأوكم بالقتال فلكم حينئذ قتالهم، لأنهم انتهكوا
حرمته والبادي بالشر أظلم

[كذلك جزاء الكافرين] أي هذا الحكم جزاء كل من كفر بالله

[فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم] أي فإن انتهوا عن الشرك وأسلموا فكفوا عنهم،
فإن الله يغفر لمن تاب وأناب

[وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله] أي قاتلوا المحاربين حتى تكسروا
شوكهم، ولا يبقى شرك على وجه الأرض، ويصبح دين الله هو الظاهر العالي على سائر
الأديان

[فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين] أي فإن انتهوا عن قتالكم فكفوا عن
قتلهم، فمن قاتلهم بعد ذلك فهو ظالم، ولا عدوان إلا على الظالمين، أو فإن
انتهوا عن الشرك فلا تعتدوا عليهم.. ثم بين تعالى أن قتال المشركين لهم في
الشهر الحرام، يبيح للمؤمنين دفع العدوان فيه فقال:

[الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص] أي إذا قاتلوكم في الشهر الحرام
فقاتلوهم في الشهر الحرام، فكما هتكوا حرمة الشهر، واستحلوا دماءكم فيه،
فافعلوا بهم مثله ((وقيل معناه الشهر الحرام الذي دخلتم فيه مكة بالشهر الحرام
الذي صددتم فيه عن دخولها، وكان ذلك لما صد الكفار النبي (ص) عن دخول مكة عام
الحديبية في شهر ذى القعدة)).

[فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم] أي ردوا عن أنفسكم العدوان
فمن قاتلكم في الحرم أو في الشهر الحرام، فقابلوه وجازوه بالمثل

[واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين] أي راقبوا الله في جميع أعمالكم
وأفعالكم، واعلموا أن الله مع المتقين بالنصر والتأييد في الدنيا والآخرة

[وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة] أي أنفقوا في الجهاد وفي
سائر وجوه القربات، ولا تبخلوا في الإنفاق فيصيبكم الهلاك، ويتقوى عليكم
الأعداء، وقيل معناه: لا تتركوا الجهاد في سبيل الله وتشتغلوا بالأموال
والأولاد فتهلكوا

[وأحسنوا إن الله يحب المحسنين] أي أحسنوا في جميع أعمالكم حتى يحبكم الله،
وتكونوا من أوليائه المقربين.

===============
البلاغة:
===============
1- [يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج] هذا النوع من البديع يسمى
"الأسلوب الحكيم" فقد سألوا الرسول (ص) عن الهلال لم يبدو صغيرا ثم يزداد حتى
يتكامل نوره؟ فصرفهم إلى بيان الحكمة من الأهلة وكأنه يقول: كان الأولى بكم أن
تسألوا عن حكمة خلق الأهلة لا عن سبب تزايدهم في أول الشهر وتناقصها في آخره،
وهذا ما يسميه علماء البلاغة "الأسلوب الحكيم".

2- [الشهر الحرام بالشهر الحرام] فيه إيجاز بالحذف تقديره: هتك حرمة الشهر
الحرام، تقابل بهتك حرمة الشهر الحرام، ويسمى حذف الإيجاز.

3- [فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه] سمي جزاء العدوان عدواناً من قبيل
"المشاكلة" وهي الاتفاق في اللفظ مع الاختلاف في المعنى كقوله: [وجزاء سيئة
سيئة مثلها] قال الزجاج: العرب تقول: ظلمني فلان فظلمته أي جازيته بظلمه.

===============
فائدة:
===============
لا يذكر في القرآن الكريم لفظ القتال أو الجهاد إلا ويقرن بكلمة (سبيل الله)
وفي ذلك دلالة واضحة على أن الغاية من القتال، غاية شريفة نبيلة هي (إعلاء كلمة
الله)، لا السيطرة أو المغنم، أو الاستعلاء في الأرض أو غيرها من الغايات
الدنيئة.

===============
تنبيه:
===============
كل ما ورد في القرآن بصيغة السؤال أجيب عنه ب"قل" بلا فاء إلا في طه [فقل
ينسفها ربي نسفا] فقد وردت بالفاء، والحكمة أن الجواب في الجميع كان بعد وقوع
السؤال، وفي طه كان قبله، إذ تقديره إن سئلت عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا

MERAMADA
2008-12-14, 10:25 AM
===============
فائدة:
===============
روي أن رجلا من المسلمين حمل على جيش الروم حتى دخل فيهم، فصاح الناس: سبحان
الله ألقى بيديه إلى التهلكة، فقال (أبو أيوب الأنصاري): إنما نزلت هذه الآية
فينا معشر الأنصار، حين أعز الله الإسلام وكثر ناصروه فقلنا: لو أقمنا في
أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها فنزلت [وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم
إلى التهلكة] فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها، وترك الجهاد في سبيل
الله، فما زال أبو أيوب شاخصا – أي مجاهدا – في سبيل الله، حتى استشهد ودفن
بأرض الروم.


###############
قال الله تعالى: [وأتموا الحج والعمرة لله.. إلى.. واعلموا أنكم إليه تحشرون]
من آية (196) إلى نهاية آية (203).
###############


===============
المناسبة:
===============
لما ذكر الله تعالى في الآيات السابقة أحكام الصيام، أعقب ذلك بذكر أحكام الحج،
لأن شهوره تأتي مباشرة بعد شهر الصيام، وأما آيات القتال فقد ذكرت عرضا لبيان
حكم هام، وهو بيان الأشهر الحرم والقتال فيها، ثم عاد الكلام إلى أحكام الحج،
وحكم الإحصار فيه، فهذا هو وجه الارتباط بين الآيات السابقة واللاحقة.

===============
اللغة:
===============
[أحصرتم] الإحصار: معناه المنع والحبس، يقال: حصره عن السفر، وأحصره إذا حبسه
ومنعه، قال الأزهري: حصر الرجل في الحبس، وأحصر في السفر من مرض أو انقطاع به

[الهدي] هو ما يهدى إلى بيت الله من أنواع النعم كالإبل والبقر والغنم وأقله
شاة

[محله] المحل: الموضع الذي يحل به نحر الهدي، وهو الحرم أو مكان الإحصار للمحصر

[النسك] جمع نسيكة وهي الذبيحة ينسكها العبد لله تعالى

[جناح] إثم وأصله من الجنوح وهو الميل عن القصد

[أفضتم] أي دفعتهم، وأصله من فاض الماء، إذا سال منصبا ومعنى [أفضتم من عرفات]
أي دفعتم منها بقوة، تشبيهاً بفيض الماء.

[خلاق] نصيب من رحمة الله تعالى

[تحشرون] تجمعون للحساب.

===============
سبب النزول:
===============
أولا: عن ابن عباس رضي الله عنه قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون،
ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قدموا مكة سألوا الناس، فأنزل الله عز وجل
[وتزودوا فإن خير الزاد التقوى].

ثانيا: وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كانت قريش ومن دان دينها يقفون
بالمزدلفة، وكانوا يسمون (الحمس) وسائر العرب يقفون بعرفات، فلما جاء الإسلام
أمر الله تعالى نبيه أن يأتي عرفات، ثم يقف بها ثم يفيض منها، وكانت قريش تفيض
من جمع من المشعر الحرام، فأنزل الله تعالى [ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس] أي
أنزلوا من عرفة، وساووا الناس في حجهم وعبادتهم

MERAMADA
2008-12-14, 10:32 AM
===============
التفسير:
===============
[وأتموا الحج والعمرة لله] أي أدوهما تامين بأركانهما وشروطهما لوجه الله تعالى

[فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي] أي إذا منعتم عن إتمام الحج أو العمرة، بمرض
أو عدو، وأردتم التحلل فعليكم أن تذبحوا ما تيسر من بدنة، أو بقرة، أو شاة

[ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله] أي لا تتحللوا من إحرامكم بالحلق أو
التقصير، حتى يصل الهدي المكان الذي يحل ذبحه فيه وهو الحرم، أو مكان الإحصار

[فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك] أي فمن
كان منكم معشر المحرمين مريضا مرضا يتضرر معه بالشعر فحلق، أو كان به أذى من
رأسه كقمل وصداع فحلق في الإحرام، فعليه فدية وهي: إما صيام ثلاثة أيام، أو
يتصدق بثلاثة آصع على ستة مساكين، أو يذبح ذبيحة وأقلها شاة

[فإذا أمنتم] أي كنتم آمنين من أول الأمر، أو صرتم بعد الإحصار آمنين

[فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي] أي من اعتمر في أشهر الحج،
واستمتع بما يستمتع به غير المحرم، من الطيب والنساء وغيرها، فعليه ما تيسر من
الهدي، وهو شاة يذبحها شكرا لله تعالى

[فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم] أي من لم يجد ثمن
الهدي، فعليه صيام عشرة أيام ، ثلاثة حين يحرم بالحج، وسبعة إذا رجع إلى وطنه

[تلك عشرة كاملة] أى عشرة كاملة تجزئ عن الذبح، وثوابها كثوابه من غير نقصان

[ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام] أي ذلك التمتع أو الهدي، خاص بغير
أهل الحرم، أما سكان الحرم فليس لهم تمتع وليس عليهم هدى

[واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب] أي خافوا الله تعالى بامتثال أوامره
واجتناب نواهيه، واعلموا أن عقابه شديد لمن خالف أمره.. ثم بين تعالى وقت الحج
فقال:

[الحج أشهر معلومات] أي وقت الحج هو تلك الأشهر المعروفة بين الناس وهي (شوال،
وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة)

[فمن فرض فيهم الحج] أي من ألزم نفسه الحج بالإحرام والتلبية

[فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج] أي لا يقرب النساء، ولا يستمتع بهن فإنه
مقبل على الله قاصد لرضاه، فعليه أن يترك الشهوات، وأن يترك المعاصي، والجدال،
والخصام، مع الرفقاء

[وما تفعلوا من خير يعلمه الله] أي وما تقدموا لأنفسكم من خير يجازيكم عليه
الله خير الجزاء

[وتزودوا فإن خير الزاد التقوى] أي تزودوا لآخرتكم بالتقوى فإنها خير زاد

[واتقون يا أولي الألباب] أي خافون واتقوا عقابي يا ذوي العقول والأفهام

[ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم] أي لا حرج ولا إثم عليكم، في التجارة
في أثناء الحج، فإن التجارة الدنيوية لا تنافي العبادة الدينية... وقد كانوا
يتأثمون من ذلك فنزلت الآية تبيح لهم الاتجار في أشهر الحج

[فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام] أي إذا دفعتم من عرفات
بعد الوقوف بها، فاذكروا الله بالدعاء والتضرع، والتكبير والتهليل، عند المشعر
الحرام بالمزدلفة

[واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين] أي اذكروه ذكرا حسنا كما
هداكم هداية حسنة، واشكروه على نعمة الهداية والإيمان، فقد كنتم قبل هدايته لكم
في عداد الضالين، الجاهلين بالإيمان وشرائع الدين

[ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس] أي ثم انزلوا من عرفة حيث ينزل الناس، لا من
المزدلفة، والخطاب لقريش حيث كانوا يترفعون على الناس أن يقفوا معهم، وكانوا
يقولون: نحن أهل الله وسكان حرمه، فلا نخرج منه، فيقفون في المزدلفة لأنها من
الحرم، ثم يفيضون منها وكانوا يسمون "الحمس" فأمر الله تعالى رسوله (ص) أن يأتي
عرفة، ثم يقف بها ثم يفيض منها

[واستغفروا الله إن الله غفور رحيم] أي استغفروا الله عما سلف منكم من المعاصي،
فإن الله عظيم المغفرة، واسع الرحمة

[فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا] أي إذا فرغتم من
أعمال الحج وانتهيتم منها فأكثروا ذكره، وبالغوا في ذلك كما كنت تذكرون آباءكم،
وتعدون مفاخرهم بل أشد، قال المفسرون: كانوا يقفون بمنى بين المسجد والجبل بعد
قضاء المناسك، فيذكرون مفاخر آبائهم ومحاسن أيامهم، فأمروا أن يذكروا الله وحده

[فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق] أي من الناس
من تكون الدنيا همه فيقول: اللهم اجعل عطائي ومنحتي في الدنيا خاصة، وما له في
الآخرة من حظ ولا نصيب

[ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة] أي ومنهم من يطلب
خيري الدنيا والآخرة وهو المؤمن العاقل، وقد جمعت هذه الدعوة كل خير، وصرفت كل
شر، فالحسنة في الدنيا تشمل الصحة والعافية، والدار الرحبة، والزوجة الحسنة،
والرزق الواسع إلى غير ما هنالك، والحسنة في الآخرة تشمل الأمن من الفزع
الأكبر، وتيسير الحساب، ودخول الجنة، والنظر إلى وجه الله الكريم إلخ

[وقنا عذاب النار] أي نجنا من عذاب جهنم

[أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سرع الحساب] أي هؤلاء الذين طلبوا سعادة
الدارين، لهم حظ وافر مما عملوا من الخيرات، والله سريع الحساب يحاسب الخلائق
بقدر لمحة بصر

[واذكروا الله في أيام معدودات] أي كبروا الله في أعقاب الصلوات وعند رمي
الجمرات، في أيام التشريق الثلاثة بعد يوم النحر

[فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه] أي من استعجل بالنفر من منى بعد تمام يومين
من أيام التشريق، وهو اليوم الثالث من أيام عيد الأضحى المبارك فنفر فلا حرج
عليه

[ومن تأخر فلا إثم عليه] أي ومن تأخر حتى رمى في اليوم الثالث – وهو النفر
الثاني – فلا حرج عليه أيضا وهو اليوم الرابع من عيد الأضحى

[لمن اتقى] لمن أراد أن يتقي الله، فيأتي بالحج على الوجه الأكمل

[واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون] أي خافوا الله تعالى واعلموا أنكم
مجموعون إليه للحساب، فيجازيكم بأعمالكم

MERAMADA
2008-12-14, 10:38 AM
===============
البلاغة:
===============
1- [يبلغ الهدى محله] كناية عن ذبحه في مكان الإحصار.

2- [فمن كان منكم مريضا] فيه إيجاز بالحذف أي كان مريضا فحلق أو به أذى من رأسه
فحلق، فعليه فدية.

3- [وسبعة إذا رجعتم] فيه التفات من الغائب إلى المخاطب، وهو من المحسنات
البديعية.

4- [تلك عشرة كاملة] فيه إجمال بعد التفصيل وهذا من باب "الإطناب" وفائدته
زيادة التأكيد والمبالغة في المحافظة على صيامها، وعدم التهاون بها أو تنقيص
عددها.

5- [واتقوا الله واعلموا أن الله] إظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لتربية
المهابة وإدخال الروعة في النفس.

6- [فلا رفث ولا فسوق] صيغته نفي وحقيقته نهي، أي لا يرفث ولا يفسق، وهو أبلغ
من النهي الصريح، لأنه يفيد أن هذا الأمر مما لا ينبغي أن يقع أصلا، فإن ما كان
منكرا مستقبحاً في نفسه ففي أشهر الحج يكون أقبح وأشنع ففي الإتيان بصيغة
الخبر، وإرادة النهي مبالغة واضحة.

7- [فاذكروا الله كذكركم آباءكم] فيه تشبيه تمثيلي يسمى (مرسلا مجملا).

8- المقابلة اللطيفة بين [فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا] وبين [ومنهم
من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة] الآية.

===============
فائدة:
===============
أصل النسك: العبادة، وسميت (ذبيحة الأنعام) نسكا لأنها من أشرف العبادات التي
يتقرب بها المؤمن إلى الله تعالى، وبخاصة فى موسم الحج.

فائدة ثانية: زاد الدنيا يوصل إلى مراد النفس وشهواتها، وزاد الآخرة يوصل إلى
النعيم المقيم في الآخرة، ولهذا ذكر تعالى زاد الآخرة وهو الزاد النافع، وفي
هذا المعنى يقول الأعشى:
إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ولاقيت بعد الموت من قد تزودا
ندمت على ألا تكون كمثلــه وأنك لم ترصد كما كان أرصدا


###############
قال الله تعالى: [ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا.. إلى .. والله
يرزق من يشاء بغير حساب] من آية (204) إلى نهاية آية (212).
###############


===============
المناسبة:
===============
لما ذكر تعالى في الآيات السابقة العبادات التى تطهر القلوب، وتزكي النفوس
كالصيام، والصدقة، والحج، وذكر أن من الناس من يطلب الدنيا ولا غاية له وراءها،
ومنهم من تكون غايته نيل رضوان الله تبارك وتعالى، أعقبها بذكر نموذج عن
الفريقين: فريق الضلالة الذي باع نفسه للشيطان، وفريق الهدى الذي باع نفسه
للرحمن، ثم حذر تبارك وتعالى من اتباع خطوات الشيطان، وبين لنا عدواته الشديدة.

===============
اللغة:
===============
[ألد] اللدد: شدة الخصومة قال الطبري: الألد: الشديد الخصومة, وفي الحديث (إن
أبغض الرجال إلى الله الالد الخصم)

[الحرث]: الزرع لأنه يزرع ثم يحرث

[النسل] الذرية والولد، وأصله الخروج بسرعة ومنه

[إلى ربهم ينسلون] وسمي نسلا لأنه ينسل – يسقط – من بطن أمه بسرعة

[العزة] الأنفة والحمية

[حسبه] حسب اسم فعل أمر بمعنى كافيه

[المهاد]: الفراش الممهد للنوم

[يشري]: يبيع

[ابتغاء] طلب

[السلم] بكسر السين بمعنى الإسلام، وبفتحها بمعنى الصلح، وأصله من الاستسلام
وهو الخضوع والانقياد، قال الشاعر:
دعوت عشيرتي للسلم حتى رأيتهم تولوا مدبرينا

[زللتم] الزلل: الانحراف عن الطريق المستقيم وأصله في القدم ثم استعمل في
الأمور المعنوية

[ظلل] جمع ظلة وهي ما يستر الشمس ويحجب أشعتها عن الرؤية.

===============
سبب النزول:
===============
1- روي أن الأخنس بن شريق أتى النبى (ص) فأظهر له الإسلام وحلف أنه يحبه، وكان
منافقا حسن العلانية خبيث الباطن، ثم خرج من عند النبي (ص) فمر بزرع لقوم من
المسلمين، وحمر فأحرق الزرع وقتل الحمر، فأنزل الله تعالى فيه هذه الآيات [ومن
الناس من يعجبك قوله..] الآية إلى قوله: [وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها
ويهلك الحرث والنسل..] الآية.

2- وروي أن صهيبا الرومي لما أراد الهجرة إلى المدينة المنورة لحقه نفر من قريش
من المشركين ليردوه، فنزل عن راحلته ونثر ما في كنانته وأخذ قوسه ثم قال: يا
معشر قريش لقد علمتم أني من أرماكم رجلا، وأيم الله لا تصلون إلي حتى أرمي بما
في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، ثم افعلوا ما شئتم، قالوا:
جئتنا صعلوكا لا تملك شيئا وأنت الآن ذو مال كثير!! فقال: أرأيتم إن دللتكم على
مالي تخلون سبيلي؟ قالوا: نعم، فدلهم على ماله بمكة، فلما قدم المدينة دخل على
رسول الله (ص) فقال له (ص): (ربح البيع صهيب ، ربح البيع صهيب)، وأنزل الله عز
وجل فيه [ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله..] الآيه

MERAMADA
2008-12-18, 03:09 PM
===============
التفسير:
===============
[ومن الناس من يعجبك قوله] أي ومن الناس فريق يروقك كلامه يا محمد، ويثير
إعجابك بخلابة لسانه وقوة بيانه، ولكنه منافق كذاب

[في الحياة الدنيا] أي في هذه الحياة فقط، أما الآخرة فالحاكم فيها علام
الغيوب الذي يطلع على القلوب والسرائر

[ويشهد الله على ما في قلبه] أي يظهر لك الإيمان، ويبارز الله بما في قلبه من
الكفر والنفاق

[وهو ألد الخصام] أي شديد الخصومة يجادل بالباطل، ويتظاهر بالدين والصلاح
بكلامه المعسول

[وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها] أي وإذا انصرف عنك عاث في الأرض فسادا،
وقد نزلت في الأخنس ولكنها عامة في كل منافق، يقول بلسانه ما ليس في قلبه.
يعطيك من طرف اللسان حلاوة ويروغ فيك كما يروغ الثعلب

[ويهلك الحرث والنسل] أي يهلك الزرع والذرية، وهي ما تناسل من الإنسان
والحيوان، الذي لا قوام للناس إلا بهما، فإفسادهما تدمير للإنسانية

[والله لا يحب الفساد] أي يبغض الفساد ولا يحب المفسدين

[وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم] أي إذا وعظ هذا الفاجر، وذكر وقيل
له انزع عن قولك وفعلك القبيح، حملته الأنفة وحمية الجاهلية، على الفعل بالإثم،
والتكبر عن قبول الحق، فأغرق في الإفساد، وأمعن في العناد

[فحسبه جهنم ولبئس المهاد] أي يكفيه أن تكون له جهنم فراشا ومهاداً، وبئس هذا
الفراش والمهاد

[ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله] هذا هو النوع الثاني وهم الأخيار
الأبرار، والمعني: ومن الناس فريق من أهل الخير والصلاح باع نفسه لله، طالبا
لمرضاته ورغبة في ثوابه لا يتحرى بعمله إلا وجه الله

[والله رءوف بالعباد] أي عظيم الرحمة بالعباد يضاعف الحسنات ويعفو عن السيئات
ولا يعجل العقوبة لمن عصاه.. ثم أمر تعالى المؤمنين بالانقياد لحكمه،
والاستسلام لأمره والدخول في الإسلام، الذي لا يقبل الله دينا سواه فقال:

[يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة] أي ادخلوا في الإسلام بكليته في
جميع أحكامه وشرائعه، فلا تأخذوا حكما وتتركوا حكما، لا تأخذوا بالصلاة وتمنعوا
الزكاة مثلا، فالإسلام كل لا يتجزأ

[ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين] أي لا تتبعوا طرق الشيطان
وإغواءه، فإنه عدو لكم ظاهر العداوة

[فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات] أي إن انحرفتم عن الدخول في الإسلام، من
بعد مجيء الحجج الباهرة والبراهين القاطعة على أنه حق

[فاعلموا أن الله عزيز حكيم] أي اعلموا أن الله غالب لا يعجزه الانتقام ممن
عصاه، حكيم في خلقه وصنعه

[هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة] أي ما ينتظرون شيئا
إلا أن يأتيهم الله يوم القيامة لفصل القضاء بين الخلائق، ((ذهب الإمام الفخر
إلى أن معنى قوله: [أن يأتيهم الله] أي يأتيهم أمره وبأسه فهو على حذف مضاف مثل
قوله: [واسأل القرية] واستدل على ذلك بالآية الأخرى [هل ينظرون إلا أن تأتيهم
الملائكة أو يأتي أمر ربك] وما أثبتناه هو قول ابن كثير وهو مذهب السلف
الصالح.!)) حيث تنشق السماء، وينزل الجبار عز وجل في ظلل من الغمام، وحملة
العرش والملائكة الذين لا يعلم كثرتهم إلا الله ولهم زجل من التسبيح يقولون:
(سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان ذي العزة والجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت،
سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح)

[وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور] أي انتهى أمر الخلائق بالفصل بينهم، فريق
في الجنة وفريق في السعير، وإلي الله وحده مرجع الناس جميعاً.. والمقصود تصوير
عظمة يوم القيامة، وهولها وشدتها، وبيان أن الحاكم فيها هو ملك الملوك جل وعلا،
الذي لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه وهو أحكم الحاكمين.. ثم قال تعالى مخاطبا
رسوله الكريم

[سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة] أي سل يا محمد بني إسرائيل – توبيخا
لهم وتقريعا – كم شاهدوا مع موسى من معجزات باهرات، وحجج قاطعات تدل على صدقه؟
ومع ذلك كفروا ولم يؤمنوا

[ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب] أي من يبدل نعم
الله بالكفر والجحود بها، فإن عقاب الله له أليم وشديد

[زين للذين كفروا الحياة الدنيا] أي زينت لهم شهوات الدنيا ونعيمها حتى نسوا
الآخرة، وأشربت محبتها في قلوبهم حتى تهافتوا عليها، وأعرضوا عن دار الخلود

[ويسخرون من الذين آمنوا] أي وهم مع ذلك يهزأون ويسخرون بالمؤمنين يرمونهم بقلة
العقل، لتركهم الدنيا وإقبالهم على الآخرة كقوله سبحانه: [إن الذين أجرموا
كانوا من الذين آمنوا يضحكون] قال تعالى ردا عليهم:

[والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة] أي والمؤمنون المتقون لله، فوق أولئك
الكافرين منزلة ومكانة، فهم في أعلى عليين، وأولئك في أسفل سافلين، والمؤمنون
في الآخرة في أوج العز والكرامة، والكافرون في حضيض الذل والمهانة

[والله يرزق من يشاء بغير حساب] أي والله يرزق أولياءه رزقاً واسعاً رغداً، لا
فناء له ولا انقطاع كقوله: [يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب] أو يرزق في
الدنيا من شاء من خلقه ويوسع على من شاء، مؤمنا كان أو كافرا، برا أو فاجرا،
على حسب الحكمة والمشيئة دون أن يكون له محاسب سبحانه وتعالى

MERAMADA
2008-12-18, 03:13 PM
===============
البلاغة:
===============
1- [أخذته العزة بالإثم] ذكر لفظ الإثم بعد قوله العزة يسمى عند علماء البديع
بـ (التتميم) لأنه قد يتوهم أن المراد عزة المدح والثناء فذكر (بالإثم) ليشير
على أنها عزة مذمومة.

2- [ولبئس المهاد] هذا من باب التهكم أي جعلت له جهنم غطاء وفراشا تكريما له،
كما تكرم الأم ولدها بالفراش اللبن.

3- [هل ينظرون] استفهام إنكاري في معنى النفي بدليل مجيء إلا بعدها أي ما
ينتظرون.

4- [في ظلل من الغمام] التنكير للتهويل، فهي في غاية الهول لما لها من الكثافة
التي تغم على الرائي ما فيها وقوله: [وقضي الأمر] هو عطف على المضارع

[يأتيهم الله] وإنما عدل إلى صيغة الماضي، للدلالة على تحققه فكأنه قد كان.

5- [فإن الله شديد العقاب] إظهار الاسم الجليل لتربية المهابة وإدخال الروعة.

6- [زين .. ويسخرون] أورد التزيين بصيغة الماضى لكونه مفروغاً منه مركوزاً في
طبيعتهم، وعطف عليه بالفعل المضارع [ويسخرون] للدلالة على استمرار السخرية
منهم، لأن صيغة المضارع تفيد الدوام والاستمرار.

===============
تنبيه:
===============
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى فى رسالته التدمرية: "وصفه تعالى نفسه بالإتيان
في ظلل من الغمام، كوصفه بالمجيء في آيات أخر والقول في جميع ذلك من جنس واحد،
وهو مذهب سلف الأمة وأئمتها، إنهم يصفونه سبحانه بما وصف به نفسه من غير تحريف،
ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، والقول في صفاته كالقول في ذاته، فلو سأل سائل:
كيف يجيء سبحانه؟ فليقل له: كما لا تعلم كيفية ذاته، كذلك لا تعلم كيفية
صفاته".


###############
قال الله تعالى: [كان الناس أمة واحدة.. إلى .. أولئك يرجون رحمة الله والله
غفور رحيم] من آية (213) إلى نهاية آية (218).
###############


===============
المناسبة:
===============
ذكر سبحانه وتعالى في الآيات السابقة أن الناس فريقان: فريق يسعى في الأرض
فسادا ويضل الناس بخلابة لسانه وقوة بيانه، وفريق باع نفسه للحق يبتغي به رضى
الله ولا يرجو أحدا سواه، ولما كان لابد من التنازع بين الخير والشر، ولابد
للحق من سيف مصلت إلى جانبه، لذا شرع الله للمؤمنين أن يحملوا السيف مناضلين،
وشرع الجهاد دفعا للعدوان، وردعا للظلم والطغيان.

===============
اللغة:
===============
[بغيا] البغي: العدوان والطغيان

[وزلزلوا] مأخوذ من زلزلة الأرض وهو اضطرابها والزلزلة: التحريك الشديد

[كره] مكروه تكرهه نفوسكم، قال ابن قتيبة: الكره بالضم المشقة، وبالفتح الإكراه
والقهر

[صد] الصد: المنع يقال: صده عن الشيء أي منعه عنه

[يرتدد] يرجع والردة الرجوع من الإيمان إلى الكفر قال الراغب : الارتداد
والردة: الرجوع في الطريق الذي جاء منه لكن الردة تختص بالكفر، والارتداء
يستعمل فيه وفي غيره، قال تعالى: [فارتدا على آثارهما قصصا]

[حبطت] بطلت وذهبت قال في اللسان: حبط: عمل عملا ثم أفسده، وفي التنزيل [فأحبط
أعمالهم] أي أبطل ثوابهم

[يرجون] الرجاء: الأمل والطمع في حصول ما فيه نفع ومصلحة.

===============
سبب النزول:
===============
بعث رسول الله (ص) عبد الله بن جحش على سرية ليترصدوا عيرا لقريش فيها "عمرو بن
الحضرمي" وثلاثة معه فقتلوه وأسروا اثنين واستاقوا العير بما فيها من تجارة،
وكان ذلك أول يوم من رجب وهم يظنونه من جمادى الآخرة، فقالت قريش: قد استحل
محمد الشهر الحرام، شهراً يأمن فيه الخائف، ويتفرق فيه الناس إلى معايشهم وعظم
ذلك على المسلمين، فنزلت
[يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه..] الآية

MERAMADA
2008-12-18, 03:16 PM
===============
التفسير:
===============
[كان الناس أمة واحدة] أي كانوا على الإيمان والفطرة المستقيمة، فاختلفوا
وتنازعوا

[فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين] أي بعث الله الأنبياء لهداية الناس، مبشرين
للمؤمنين بجنات النعيم، ومنذرين للكافرين بعذاب الجحيم

[وأنزل معهم الكتاب بالحق] أي وأنزل معهم الكتب السماوية لهداية البشرية، حال
كونها منزلة لمصالح الناس، في أمر الدين الذي اختلفوا فيه

[وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه] أي وما اختلف في الكتاب الهادي المنير، المنزل
لإزالة الاختلاف، إلا الذين أعطوا الكتاب، أي إنهم عكسوا الأمر حيث جعلوا ما
أنزل لإزالة الاختلاف، سببا لاستحكامه ورسوخه

[من بعد ما جاءتهم البينات] أي من بعد ظهور الحجج الواضحة والدلائل القاطعة على
صدق الكتاب، فقد كان خلافهم عن بينة وعلم، لا عن غفلة وجهل

[بغيا بينهم] أي حسدا من الكافرين للمؤمنين

[فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه] أي هدى الله المؤمنين
للحق الذي اختلف فيه أهل الضلالة بتيسيره ولطفه

[والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم] أي يهدي من يشاء هدايته إلى طريق الحق،
الموصل إلى جنات النعيم

[أم حسبتم أن تدخلوا الجنة] أي بل ظننتم يا معشر المؤمنين أن تدخلوا الجنة،
بدون ابتلاء وامتحان واختبار

[ولما يأتكم مثل الذين من قبلكم] أي والحال لم ينلكم مثل ما نال من سبقكم من
المؤمنين، من المحن الشديدة، ولم تبتلوا بمثل ما ابتلوا به من النكبات

[مستهم البأساء والضراء] أي أصابتهم الشدائد والمصائب والنوائب

[وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله]؟ أي أزعجوا إزعاجا
شديدا، شبيها بالزلزلة، حتى وصل بهم الحال أن يقول الرسول والمؤمنون معه: متى
نصر الله؟ أي متى يأتي نصر الله؟ وذلك استبطاء منهم للنصر، لتناهي الشدة عليهم،
وهذا غاية الغايات في تصوير شدة المحنة، فإذا كان الرسل – مع علو كعبهم في
الصبر والثبات – قد عيل صبرهم، وبلغوا هذا المبلغ من الضجر والضيق، كان ذلك
دليلا على أن الشدة بلغت منتهاها، قال تعالى جوابا لهم:

[ألا إن نصر الله قريب] أي ألا فأبشروا بالنصر فإنه قد حان أوانه [ولينصرن الله
من ينصره إن الله لقوي عزيز] ثم قال تعالى:

[يسألونك ماذا ينفقون] أي يسألونك يا محمد ماذا ينفقون وعلى من ينفقون؟ نزلت
لما قال بعض الصحابة يا رسول الله: ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها؟

[قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل] أي
قل لهم يا محمد اصرفوا في هذه الوجوه

[وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم] أي وكل معروف تفعلونه يعلمه الله،
وسيجزيكم عليه أوفر الجزاء.. ثم قال تعالى مبينا حكمة مشروعية القتال في
الإسلام

[كتب عليكم القتال وهو كره لكم] أي فرض عليكم أيها المؤمنون قتال الكفار، وهو
شاق ومكروه على نفوسكم، لما فيه من بذل المال، وخطر هلاك النفس

[وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم] أي ولكن قد تكره نفوسكم شيئا وفيه كل النفع
والخير

[وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم] أي وقد تحب نفوسكم شيئا وفيه كل الخطر والضرر
عليكم، فلعل لكم في القتال – وإن كرهتموه – خيرا لأن فيه إما الظفر والغنيمة،
أو الشهادة والأجر، ولعل لكم في تركه – وإن أحببتموه – شرا لأن فيه الذل
والفقر، وحرمان الأجر

[والله يعلم وأنتم لا تعلمون] أي الله أعلم بعواقب الأمور منكم، وأدرى بما فيه
صلاحكم، في دنياكم وآخرتكم، فبادروا إلى ما يأمركم به ربكم

[يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه] أي يسألك أصحابك يا محمد عن القتال في
الشهر الحرام، أيحل لهم القتال فيه؟

[قل قتال فيه كبير] أي قل لهم القتال فيه أمره كبير ووزره عظيم، ولكن هناك ما
هو أعظم وأخطر، وهو

[وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله] أي
ومنع المؤمنين عن دين الله وكفرهم بالله، وصدهم عن المسجد الحرام – يعني مكة –
وإخراجكم من البلد الحرام وأنتم أهله وحماته، كل ذلك أعظم وزراً وذنبا عند
الله، من قتل من قتلتم من المشركين، فإذا استعظموا قتالكم لهم في الشهر الحرام،
فليعلموا أن ما ارتكبوه في حق النبى والمؤمنين أعظم وأشنع

[والفتنة أكبر من القتل] أي فتنة المسلم عن دينه، ليردوه إلى الكفر بعد إيمانه،
أكبر عند الله من القتل

[ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا] أي ولا يزالون جاهدين
في قتالكم، حتى يعيدوكم إلى الكفر والضلال إن قدروا، فهم غير نازعين عن كفرهم
وعدوانهم

[ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة]
أي ومن يستجب لهم منكم فيرجع عن دينه، ويرتد عن الإسلام، ثم يموت على الكفر، قد
بطل عمله الصالح في الدارين وذهب ثوابه

[وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون] أي وهم مخلدون في جهنم، لا يخرجون منها
أبدا

[إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله] أي إن المؤمنين الذين
فارقوا الأهل والأوطان، وجاهدوا الأعداء لإعلاء دين الله

[أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم] أي أولئك الموصوفون بالأوصاف الحميدة،
هم الجديرون أن ينالوا رحمة الله ، والله عظيم المغفرة، واسع الرحمة

MERAMADA
2008-12-18, 03:30 PM
===============
البلاغة:
===============
1- [كان الناس أمة واحدة] فيه إيجاز بالحذف أي كانوا أمة واحدة على الإيمان
متمسكين بالحق فاختلفوا، فبعث الله النبيين، ودل على هذا المحذوف قوله: [ليحكم
بين الناس فيما اختلفوا فيه].

2- [أم حسبتم] أم منقطعة والهمزة فيها للإنكار والاستبعاد.

3- [ولما يأتكم] (لما) تدل على النفي مع توقع وقوع المنفي، والمعنى: لما ينزل
بكم مثل ما نزل بمن قبلكم، وسينزل فإن نزل فاصبروا، قال المبرد: إذا قال
القائل: لم يأتني زيد، فهو نفي لقولك أتاك زيد؟ وإذا قال: لما يأتني فمعناه أنه
لم يأتني بعد وأنا أتوقعه، وعلى هذا يكون إتيان الشدائد على المؤمنين متوقعا
منتظراً.

4- [ألا إن نصر الله قريب] في هذه الجملة عدة مؤكدات تدل على تحقق النصر أولا:
بدء الجملة بأداة الاستفتاح "ألا" التي تفيد التأكيد، ثانيا: ذكر "إن" الدالة
على التوكيد أيضا، ثالثا: إيثار الجملة الإسمية على الفعلية فلم يقل "ستنصرون"
والتعبير بالجملة الإسمية يفيد التأكيد رابعا: إضافة النصر إلى رب العالمين
القادر على كل شيء.

5- [وهو كره لكم] وضع المصدر موضع اسم المفعول (مكروه) للمبالغة، كقول الخنساء:
فإنما هي إقبال وإدبار.

6- [وعسى أن تكرهوا شيئا.. وعسى أن تحبوا شيئا] بين الجملتين من المحسنات
البديعية ما يسمى بـ "المقابلة" فقد قابل بين الكراهية والحب، وبين الخير
والشر.

7- [والله يعلم وأنتم لا تعلمون] فيه من البديع ما يسمى بـ "طباق السلب".

===============
فائدة:
===============
عبر تعالى بصيغة الواحد عن كتب النبيين [وأنزل معهم الكتاب] للإشارة إلى أن كتب
النبيين وإن تعددت هي في لبها وجوهرها كتاب واحد لاشتمالها على شرع واحد، في
أصله كما قال تعالى: [شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك..]
الآية.

===============
تنبيه:
===============
روى البخاري عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: (شكونا إلى رسول الله (ص) وهو
متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: قد كان
من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض، فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما
دون لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر، حتى يسير
الراكب من صنعاء إلى حضر موت، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم
تستعجلون).


###############
قال الله تعالى: [يسألونك عن الخمر والميسر.. إلى .. والله غفور حليم] من آية
(219) إلى نهاية آية (225).
###############


===============
المناسبة:
===============
لما ذكر تعالى أحكام القتال، وبين الهدف السامي من مشروعيته، وهو نصرة الحق
وإعزاز الدين، وحماية الأمة من أن يلتهمها العدو الخارجي، ذكر بعدها ما يتعلق
بإصلاح (المجتمع الداخلي) على أسس من الفضيلة والخلق الكريم، لتقوم دعائمها على
أسس متينة، وتبقى صرحاً شامخاً لا تؤثر في الأعاصير.

===============
اللغة:
===============
[الخمر] المسكر من الأشربة سميت خمرا لأنها تستر العقل وتغطيه، وقولهم: خمرت
الغناء أي غطيته

[الميسر] القمار وأصله من اليسر لأنه كسب من غير كد ولا تعب، وقيل من اليسار
لأنه سبب الغنى

[إثم] : الذنب وجمعه آثام، وتسمى الخمر بـ "الإثم" لأن شربها سبب في الإثم، قال
الشاعر: شربت الإثم حتى ضل عقلي كذاك الإثم تذهب بالعقول

[العفو] الفضل والزيادة على الحاجة

[أعنتكم] أوقعكم في الحرج والمشقة، وأصل العنت: المشقة

[أمة] الأمة: المملوكة بملك اليمين وهي تقابل الحرة وجمعها إماء

[المحيض] مصدر بمعنى الحيض، كالمعيش بمعنى العيش، وأصل الحيض: السيلان يقال:
حاض السيل وفاض، وحاضت الشجرة أي سالت

[حرث] الحرث: إلقاء البذر في الأرض قاله الراغب، وقال الجوهري: الحرث: الزرع،
والحارث الزارع ومعنى حرث أي مزرع ومنبت للولد على سبيل التشبيه

[عرضة] مانعاً وكل ما يعترض فيمنع عن الشيء فهو عرضة، ولهذا يقال للسحاب: عارض
لأنه يمنع رؤية الشمس.

[اللغو] الساقط الذي لا يعتد به سواء كان كلاماً أو غيره، ولغو الطائر: تصويته

MERAMADA
2008-12-18, 03:33 PM
===============
سبب النزول:
===============
أ ) جاء جماعة من الأنصار فيهم عمر بن الخطاب إلى رسول الله (ص) فقالوا يا رسول
الله: أفتنا في الخمر والميسر، فإنهما مذهبة للعقل ، مسلبة للمال؟ فأنزل الله
[يسألونك عن الخمر والميسر..] الآية.

ب) عن ابن عباس قال: لما أنزل الله [ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن]
انطلق من كان عنده مال يتيم، فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه، فجعل يفضل
الشيء من طعامه، فيحبس له حتى يأكله أو يفسد، واشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك
لرسول الله (ص) فأنزل الله [ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير..] الآية.

ج) عن أنس أن اليهود كانت إذا حاضت منهم امرأة أخرجوها من البيت فلم يؤاكلوها
ولم يشاربوها ولم يجامعوها في البيت، فسئل رسول الله (ص) من ذلك فأنزل الله عز
وجل
[ويسألونك عن المحيض قل هو أذى..] الآية.

===============
التفسير:
===============
[يسألونك عن الخمر والميسر] أي يسألونك يا محمد عن حكم الخمر وحكم القمار

[قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس] أي قل لهم إن في تعاطي الخمر والميسر ضررا
عظيما وإثما كبيرا، ومنافع مادية ضئيلة

[وإثمهما أكبر من نفعهما] أي وضررهما أعظم من نفعهما، فإن ضياع العقل وذهاب
المال، وتعريض البدن للمرض في الخمر، وما يجره القمار من خراب البيوت ودمار
الأسر، وحدوث العداوة والبغضاء بين اللاعبين، كل ذلك محسوس مشاهد، وإذا قيس
الضرر الفادح بالنفع التافه، ظهر خطر المنكر الخبيث

[ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو] أي ويسألونك ماذا ينفقون وماذا يتركون من
أموالهم؟ قل لهم: أنفقوا الفاضل عن الحاجة، ولا تنفقوا ما تحتاجون إليه وتضيعوا
أنفسكم

[كذلك يبين الله لكم الآيات] أي كما يبين لكم الأحكام يبين لكم المنافع
والمضار، والحلال والحرام

[لعلكم تتفكرون][في الدنيا والآخرة] أي لتتفكروا في أمر الدنيا والآخرة،
فتعلموا أن الأولى فانية والآخرة باقية، فتعملوا لما هو أصلح، والعاقل من آثر
ما يبقى على ما يفنى.

[ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير] أي ويسألونك يا محمد عن مخالطة اليتامى
في أموالهم؟ أيخالطونهم أم يعتزلونهم؟ فقل لهم: مداخلتهم على وجه الإصلاح خير
من اعتزالهم

[وإن تخالطوهم فإخوانكم] أي إذا خلطتم أموالهم بأموالكم على وجه المصلحة لهم،
فهم إخوانكم في الدين، وأخوة الدين أقوى من أخوة النسب، ومن حقوق هذه الأخوة
المخالطة بالإصلاح والنفع

[والله يعلم المفسد من المصلح] أي والله تعالى أعلم وأدرى، بمن يقصد بمخالطتهم
الخيانة والإفساد لأموالهم، ويعلم كذلك من يقصد لهم الإصلاح، فيجازي كلا بعمله

[ولو شاء الله لأعنتكم] أي لو شاء تعالى لأوقعكم في الحرج والمشقة وشدد عليكم،
ولكنه يسر عليكم الدين وسهله رحمة بكم

[إن الله عزيز حكيم] أي هو تعالى الغالب الذي لا يمتنع عليه شيء، الحكيم فيما
يشرع لعباده من الأحكام.. ثم حذر تعالى من زواج المشركات اللواتي ليس لهن دين
سماوي فقال:

[ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن] أي لا تتزوجوا أيها المسلمون بالمشركات من غير
أهل الكتاب حتى يؤمن بالله واليوم الآخر

[ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم] أي ولأمة مؤمنة خير وأفضل من حرة
مشركة، ولو أعجبتكم المشركة بجمالها ومالها وسائر ما يوجب الرغبة فيها، من حسب
أو جاه أو سلطان

[ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا] أي ولا تزوجوا بناتكم من المشركين – وثنيين
كانوا أو أهل كتاب – حتى يؤمنوا بالله ورسوله

[ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم] أي ولأن تزوجوهن من عبد مؤمن، خير لكم من
أن تزوجوهن من حر مشرك، مهما أعجبكم في الحسب والنسب والجمال

[أولئك يدعون إلى النار] أي أولئك المذكورون من المشركين والمشركات، الذين حرمت
عليكم مصاهرتهم ومناكحتهم، يدعونكم إلى ما يوصلكم إلى النار، وهو الكفر والفسوق
فحقكم ألا تتزوجوا منهم ولا تزوجوهم

[والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه] أي هو تعالى يريد بكم الخير ويدعوكم إلى
ما فيه سعادتكم، وهو العمل الذي يوجب الجنة ومغفرة الذنوب

[ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون] أي يوضح حججه وأدلته للناس، ليتذكروا
فيميزوا بين الخير والشر والخبيث والطيب.. ثم بين تعالى أحكام الحيض فقال:

[ويسألونك عن المحيض قل هو أذى] أي يسألونك يا أيها الرسول عن إتيان النساء في
حالة الحيض، أيحل أم يحرم؟ فقل لهم: إنه شيء مستقذر، ومعاشرتهن في هذه الحالة
فيه أذى للزوجين

[فاعتزلوا النساء في المحيض] أي اجتنبوا معاشرة النساء في حالة الحيض

[ولا تقربوهن حتى يطهرن] أي لا تجامعوهن حتى ينقطع عنهن دم الحيض ويغتسلن،
والمراد من الآية التنبيه على أن الغرض (عدم المعاشرة) لا عدم القرب منهن، وعدم
مؤاكلتهن ومجالستهن، كما كان يفعل اليهود إذا حاضت عندهم المرأة

[فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله] أي فإذا تطهرن بالماء، فأتوهن في المكان
الذي أحله الله لكم، وهو مكان النسل والولد، وهو القبل لا الدبر

[إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين] أي يحب التائبين من الذنوب، المتنزهين
عن الفواحش والأقذار

[نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم] أي نساؤكم مكان زرعكم وموضع نسلكم، وفي
أرحامهن يتكون الولد، فأتوهن في موضع النسل والذرية ولا تتعدوه إلى غيره، قال
ابن عباس: (اسق نباتك من حيث ينبت) ومعنى [أنى شئتم] أي كيف شئتم، قائمة وقاعدة
ومضطجعة، بعد أن يكون في مكان الحرث "الفرج" وهو رد لقول اليهود: إذا أتى الرجل
امرأته في قبلها من دبرها جاء الولد أحول

[وقدموا لأنفسكم] أي قدموا صالح الأعمال التي تكون لكم ذخرا في الآخرة

[واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه] أي خافوا الله باجتناب معاصيه، وأيقنوا بأن
مصيركم إليه فيجازيكم بأعمالكم

[وبشر المؤمنين] أي بشرهم بالفوز العظيم في جنات النعيم

[ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم] أي لا تجعلوا الحلف بالله، سبباً مانعاً عن
فعل الخير، فتتعللوا باليمين بأن يقول أحدكم: قد حلفت بالله ألا أفعله، وأريد
أن أبر بيميني!! بل افعلوا الخير وكفروا عن أيمانكم، ((وقيل المعنى: لا تكثروا
الحلف فتجعلوا الله هدفا لأيمانكم، تبتذلون اسمه الأعظم في كل شيء قليل أو
كثير، عظيم أو حقير، إرادة أن تبروا وتتقوا وتصلحوا فإن الحلاف لا يكون برا ولا
تقياً )) قال ابن عباس: لا تجعلن الله عرضة ليمينك أن لا تصنع الخير، ولكن كفر
عن يمينك واصنع الخير

[أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس] أي لا تجعلوه تعالى سببا مانعا عن البر
والتقوى والإصلاح بين الناس، وقد نزلت في (عبد الله بن رواحة) حين حلف ألا يكلم
ختنه "النعمان بن بشير" ولا يصلح بينه وبين أخته

[والله سميع عليم] أي سميع لأقوالكم عليم بأحوالكم.. ثم قال تعالى:

[لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم] أي لا يؤاخذكم بما جرى على لسانكم من ذكر
اسم الله، من غير قصد الحلف، كقول أحدكم: بلى والله، ولا والله، لا يقصد به
اليمين

[ولكن يؤاخذكم بما كسبتم قلوبكم] أي يؤاخذكم بما قصدتم إليه وعقدتم القلب عليه
من الأيمان إذا حنثتم فيها

[والله غفور حليم] أي واسع المغفرة، حليم لا يعاجل عباده بالعقوبة

MERAMADA
2008-12-22, 11:23 PM
===============
البلاغة:
===============
1- [يسألونك عن الخمر والميسر] فيه إيجاز بالحذف أي عن شرب الخمر وتعاطي
الميسر.

2- [وإثمهما أكبر من نفعهما] هذا من باب التفصيل بعد الإجمال وهو ما يسمى فى
البلاغة ب"الإطناب".

3- [كذلك يبين الله لكم الآيات] فيه تشبيه مرسل مجمل.

4- [المفسد من المصلح] في الآية طباق بين كلمة "المفسد" و"المصلح" وهو من
المحسنات البديعية.

5- [يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة] كذلك يوجد طباق بين كلمة "النار"
وكلمة "الجنة".

6- [قل هو أذى] فيه تشبيه بليغ، حيث جعله عين الأذى والضرر، فأصبح بليغاً وأصله
الحيض شيء مستقذر كالأذى فحذف ذلك مبالغة على حد قولهم: علي أسد.

7- [ولا تقربوهن] كناية عن الجماع، أي لا تجامعوهن حال الحيض.

8- [نساؤكم حرث] هذا على سبيل التشبيه، فالمرأة كالأرض، والنطفة كالبذر، والولد
كالنبات الخارج، فالحرث بمعنى المحترث سمي به على سبيل المبالغة.

===============
الفوائد:
===============
الأولى: تسمى الخمر أم الخبائث لأنها سبب في كل فعل قبيح، روى النسائي عن عثمان
رضي الله عنه أنه قال: (اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث، إنه كان رجل ممن قبلكم
متعبد، فعلقته امرأة غوية فأرسلت إليه جاريتها فقالت له: إنا ندعوك للشهادة !!
فانطلق مع جاريتها، فطفقت كلما دخل باباً أغلقته دونه، حتى أفضى إلى امرأة
وضيئة، عندها غلام وباطية خمر، فقالت: إني ما دعوتك للشهادة، ولكن دعوتك لتقع
علي، أو تشرب من هذه الخمر كأسا أو تقتل هذا الغلام، قال: فاسقيني من هذه الخمر
كأسا، فسقته كأسا، فقال: زيدوني فزادوه، فلم يبرح حتى وقع عليها، وقتل النفس،
فاجتنبوا الخمر، فإنها والله لا يجتمع الإيمان وإدمان الخمر، إلا يوشك أن يخرج
أحدهما صاحبه).

الثانية: فإن قيل: كيف يكون في الخمر منافع، مع أنها تذهب بالعقل والمال؟
والجواب أن المراد بالمنافع في الآية "المنافع المادية" حيث كانوا يتاجرون بها
فيربحون منها الربح الفاحش، ويحتمل أن يراد بالنفع تلك (اللذة والنشوة)
المزعومة التى عبر عنها الشاعر بقوله: ونشربها فتتركنا ملوكا وأسدا ما
ينهنهنا اللقاء
قال القرطبي: وشارب الخمر يصير ضحكة للعقلاء فيلعب ببوله وعذرته وربما يمسح
وجهه بها، حتى رؤي بعضهم يمسح وجهه ببوله ويقول: اللهم اجعلنى من التوابين
واجعلنى من المتطهرين، ورؤي بعضهم والكلب يلحس وجهه وهو يقول: أكرمك الله كما
أكرمتنى.

الثالثة: قال الزمخشري: [فاعتزلوا النساء] [من حيث أمركم الله] [فأتوا حرثكم
أنى شئتم] من الكنايات اللطيفة والتعريضات المستحسنة، وهذه وأشباهها فى كلام
الله آداب حسنة، على المؤمنين أن يتعلموها ويتأدبوا بها، ويتكلفوا مثلها في
محاورتهم ومكاتبتهم.


###############
قال الله تعالى: [للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر.. إلى .. وتلك حدود
الله يبينها لقوم يعلمون] من آية (226) إلى نهاية آية (230).
###############

===============
المناسبة:
===============
ذكر تعالى في الآيات السابقة بعض الأمراض الاجتماعية التي تنخر جسم الأمة، وتحل
عرى الجماعة، وتوقع بينهم العداوة والبغضاء كالخمر والميسر، ثم انتقل إلى
الحديث عن الأسرة باعتبار أنها النواة الأولى لبناء المجتمع الفاضل، فبصلاح
الأسرة يصلح المجتمع، وبفسادها يفسد المجتمع، وابتدأ من أحكام الأسرة بالعلاقة
الزوجية ونبه على ضرورة أن يكون الاختيار على أساس الدين، لتظل العلاقة موثقة
بروابط المودة والرحمة والإخلاص، ولهذا حرم الإسلام الزواج بالمشركات، وتزويج
المشركين بالمؤمنات، ثم بين في هذه الآيات الكريمة بعض الأمراض التي تحل
بالأسرة وتهدد كيانها فذكر منها (الإيلاء، والطلاق، والخلع)، وبين العلاج
الناجع لمثل هذه المشاكل التي تقوض بنيان الأسرة

MERAMADA
2008-12-22, 11:28 PM
===============
اللغة:
===============
[يؤلون] الإيلاء لغة: الحلف يقال: آلى يؤالي إيلاء، قال الشاعر: فآليت لا أنفك
أحدو قصيدة تكون وإياها بها مثلا بعدي
وفي الشرع: اليمين على ترك وطء الزوجة

[تربص] التربص: الانتظار ومنه [قل تربصوا فإني معكم من المتربصين] أي انتظروا

[فاءوا] الفيء: الرجوع ومنه قيل للظل فيء، لانه يرجع بعد أن تقلص، قال الفراء:
العرب تقول: فلان سريع الفيء أي سريع الرجوع بعد الغضب، قال الشاعر:
ففاءت ولم تقض الذي أقبلت له ومن حاجة الإنسان ما ليس قاضيا

[قروء] جمع قرء اسم يقع على الحيض والطهر، فهو من الأضداد، وأصل القرء:
الاجتماع سمي به الحيض لاجتماع الدم في الرحم، قال في القاموس: القرء بالفتح
ويضم: الحيض والطهر والوقت، وجمع الطهر قروء، وجمع الحيض أقراء

[بعولتهن] جمع بعل ومعناه الزوج [وهذا بعلي شيخا] والمرأة بعلة

[درجة] الدرجة: المنزلة الرفيعة

[الطلاق] مصدر طلقت المرأة ومعنى الطلاق: حل عقد النكاح، وأصله الانطلاق
والتخلية يقال: ناقة طالق أي مهملة تركت في المرعى بلا قيد ولا راعي،

[تسريح] التسريح: إرسال الشيء، وسرح الماشية أرسلها، قال الراغب: والتسريح في
الطلاق مستعار من تسريح الإبل، كالطلاق مستعار من إطلاق الإبل.

===============
سبب النزول:
===============
كان الرجل في الجاهلية يطلق امرأته ما شاء من الطلاق، ثم يراجعها قبل أن تنقضي
عدتها، ولو طلقها ألف مرة، كان له الحق في مراجعتها، فعمد رجل لامرأته فقال
لها: لا آويك ولا أدعك تحلين، قالت: وكيف؟ قال: أطلقك فإذا دنا مضي عدتك
راجعتك، فشكت المرأة أمرها للنبي (ص) فأنزل الله
[الطلاق مرتان..] الآيه

===============
التفسير:
===============
[للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر] أي للذين يحلفون ألا يجامعوا نساءهم
للإضرار بهن، لهن انتظار أربعة أشهر

[فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم] أي إن رجعوا إلى عشرة أزواجهن بالمعروف – وهو
كناية عن الجماع – أي رجعوا عن اليمين إلى الوطء، فإن الله يغفر ما صدر منهم من
إساءة ويرحمهم

[وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم] أي وإن صمموا على عدم المعاشرة،
والامتناع عن الوطء، فإن الله سميع لأقوالهم عليم بنياتهم، والمراد من الآية أن
الزوج إذا حلف ألا يقرب زوجته تنتظره الزوجة مدة أربعة أشهر، فإن عاشرها في
المدة فبها ونعمت، ويكون قد حنث في يمينه وعليه الكفارة، وإن لم يعاشرها وقعت
الفرقة والطلاق، بمضي تلك المدة عند أبي حنيفة، وقال الشافعي: ترفع أمره إلى
الحاكم، فيأمره إما بالفيئة أو الطلاق فإن امتنع عنهما طلق عليه الحاكم، هذا هو
خلاصة حكم الإيلاء.. ثم قال تعالى مبينا أحكام العدة والطلاق الشرعي

[والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء] أي الواجب على المطلقات الحرائر المدخول
بهن أن ينتظرن مدة ثلاثة أطهار – على قول الشافعي ومالك – أو ثلاث حيض على قول
أبي حنيفة وأحمد، ثم تتزوج إن شاءت بعد انتهاء عدتها، وهذا في المدخول بها، أما
غير المدخول بها، فلا عدة عليها، لقوله تعالى [فما لكم عليهن من عدة]

[ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن] أي لا يباح للمطلقات أن يخفين
ما في أرحامهن من حبل أو حيض، استعجالا في العدة، وإبطالا لحق الزوج في الرجعة

[إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر] أي إن كن حقا مؤمنات بالله، ويخشين من عقابه،
وهذا تهديد لهن حتى يخبرن بالحق من غير زيادة ولا نقصان، لأنه أمر لا يعلم إلا
من جهتهن

[وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا] أي وأزوجهن أحق بهن في الرجعة،
من التزويج للأجانب إذا لم تنقض عدتهن، إذا كان الغرض من الرجعة الإصلاح لا
الإضرار، وهذا في الطلاق الرجعي

[ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف] أي ولهن على الرجال من الحق مثل ما للرجال
عليهن، بالمعروف الذي أمر تعالى به، من حسن العشرة وترك الضرار ونحوه

[وللرجال عليهن درجة] أي وللرجال على النساء ميزة، وهي فيما أمر تعالى به من
(القوامة، والإنفاق، والإمرة، ووجوب الطاعة)، فهي درجة تكليف لا تشريف لقوله
تعالى [إن أكرمكم عند الله أتقاكم]

[والله عزيز حكيم] أي غالب ينتقم ممن عصاه، حكيم في أمره وتشريعه.. ثم بين
تعالى طريقة الطلاق الشرعية فقال

[الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان] أي الطلاق المشروع الذي يملك به
الزوج الرجعة (مرتان) وليس بعدهما إلا المعاشرة بالمعروف مع حسن المعاملة، أو
التسريح بإحسان، بألا يظلمها من حقها شيئا، ولا يذكرها بسوء، ولا ينفر الناس
عنها

[ولا يحل لكم أن تأخذوا مما أتيتموهن شيئا] أي لا يحل لكم أيها الأزواج أن
تأخذوا مما دفعتم إليهن من المهور شيئا ولو قليلا

[إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله] أي إلا أن يخاف الزوجان سوء العشرة وألا
يرعيا حقوق الزوجية التي أمر الله تعالى بها

[فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به] أي فإن خفتم سوء
العشرة بينهما وأرادت الزوجة أن تختلع بالنزول عن مهرها، أو بدفع شيء من المال
لزوجها حتى يطلقها، فلا إثم على الزوج في أخذه ولا على الزوجة في بذله

[تلك حدود الله فلا تعتدوها] أي هذه الأحكام العظيمة، من (الطلاق، والرجعة،
والخلع) وغيرها هي شرائع الله وأحكامه، فلا تخالفوها ولا تتجاوزوها إلى غيرها
مما لم يشرعه الله

[ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون] أي من خالف أحكام الله فقد عرض نفسه
لسخط الله، وهو من الظالمين المستحقين للعقاب الشديد

[فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره] أي فإن طلق الرجل المرأة
الطفلة الثالثة، فلا تحل له بعد ذلك حتى تتزوج غيره وتطلق منه، بعد أن يذوق
عسيلتها وتذوق عسيلته، كما صرح به الحديث الشريف، وفي ذلك زجر عن طلاق المرأة
ثلاثا، لمن له رغبة في زوجته، لأن كل ذي مروءة يكره أن يفترش امرأته آخر

[فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله] أي إن طلقها
الزوج الثاني، فلا بأس أن تعود إلى زوجها الأول بعد انقضاء العدة، إن كان ثمة
دلائل تشير إلى الوفاق وحسن العشرة

[وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون] أي تلك شرائع الله وأحكامه، يوضحها
ويبينها لذوي العلم والفهم، الذين ينظرون في عواقب الأمور

MERAMADA
2008-12-22, 11:31 PM
===============
البلاغة:
===============
1- [فإن الله سميع عليم] خرج الخبر عن ظاهره إلى معنى الوعيد والتهديد.

2- [والمطلقات يتربصن] خبر في معنى الأمر وأصل الكلام وليتربص المطلقات، قال
الزمخشري: وإخراج الأمر في صيغة الخبر تأكيد للأمر وإشعار بأنه مما يجب أن
يتلقى بالمسارعة إلى امتثاله، فكأنهن امتثلن الأمر فهو يخبر عنه موجودا، وبناؤه
على المبتدأ مما زاده فضل تأكيد .

3- [إن كن يؤمن بالله] ليس الغرض منه التقييد بالإيمان، بل هو للتهييج وتهويل
الأمر في نفوسهن، لأن الكلام مع المؤمنات!

4- [ولهن مثل الذي عليهن] فيه إيجاز وإبداع لا يخفى على المتمكن من علوم
البيان، فقد حذف من الأول بقرينة الثاني، ومن الثاني بقرينة الأول والمعنى: لهن
على الرجال من الحقوق، مثل الذي للرجال عليهن من الحقوق وفيه من المحسنات
البديعية أيضا "الطباق" بين "لهن" و"عليهن" وهو طباق بين حرفين.

5- [فإمساك بمعروف] بين لفظ "إمساك" ولفظ "تسريح" طباق أيضا.

6- [تلك حدود الله] وضع الاسم الجليل موضع الضمير لتربية المهابة وإدخال الروعة
في النفوس، وتعقيب النهي بالوعيد للمبالغة في التهديد.

7- [فأولئك هم الظالمون] هو من باب قصر الصفة على الموصوف.

===============
فائدة:
===============
أول خلع كان في الإسلام في امرأة (ثابت بن قيس) أتت رسول الله (ص) فقالت يا
رسول الله: لا يجمع الله رأسي ورأسه شيء أبدا، والله ما أعيب عليه في خلق ولا
دين، ولكن أكره الكفر بعد الإسلام، فقال لها عليه الصلاة والسلام: أتريدين عليه
حديقته؟ قالت: نعم، ففرق بينهما.

===============
لطيفة:
===============
روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إني لأحب أن أتزين لامرأتي كما أحب أن
تتزين لي، لأن الله تعالى يقول [ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف] وهذا استدلال
منه لطيف.


###############
قال الله تعالى: [وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن.. إلى .. والله يعلم وأنتم لا
تعلمون] من آية (231) إلى نهاية آية (232).
###############


===============
المناسبة:
===============
لا تزال الآيات الكريمة تتحدث عن أحكام الطلاق وتوضح طريقته وشروطه وآدابه،
وتنهى عن الإيذاء والإضرار، فوجه المناسبة إذا ظاهر.

===============
اللغة:
===============
[فبلغن أجلهن] أي قاربن الانتهاء من العدة

[ضرارا] أي بقصد الإضرار، قال القفال: الضرار هو المضارة كقوله [مسجدا ضرارا]
أي ليضاروا المؤمنين

[تعضلوهن] العضل: المنع والتضييق يقال: أعضل الأمر أي أشكل وضاقت فيه الحيل،
وداء عضال أي عسيرا أعيا الأطباء، قال الأزهري: وأصله من عضلت الناقة إذا نشب
ولدها فلم يسهل خروجه
[يوعظ به] يوصى ويؤمر به

[أزكى] أنمى وأنفع يقال: زكا الزرع إذا نما بكثرة وبركة

[وأطهر] الطهارة: التنزه عن الدنس والمعاصي.

===============
سبب النزول:
===============
روي أن "معقل بن يسار" زوج أخته رجلا من المسلمين على عهد النبى (ص) فكانت عنده
ما كانت، ثم طلقها تطليقة لم يراجعها حتى انقضت العدة، فهويها وهويته، ثم خطبها
مع الخطاب فقال له: يا لكع "أي يا لئيم" أكرمتك بها وزوجتك فطلقتها!! والله لا
ترجع أبدا !! فعلم الله حاجته إليها وحاجتها إلى بعلها فأنزل الله [وإذا طلقتم
النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن..] الآية فلما سمعها معقل قال: سمعاً لربي
وطاعة، ثم دعاه فقال: أزوجك وأكرمك، أقول: في هذا غاية الاستجابة والمسارعة
لأمر الله عز وجل

MERAMADA
2008-12-26, 02:40 AM
===============
التفسير :
===============
[وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن] أي إذا طلقتم يا معشر الرجال النساء طلاقا
رجعيا وقاربن انقضاء العدة

[فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف] أي فراجعوهن من غير ضرار ولا أذى، أو
اتركوهن حتى تنقضى عدتهن بإحسان، من غير تطويل العدة عليهن [ ولا تمسكوهن ضرارا
لتعتدوا ] أى لا تراجعوهن إرادة الإضرار بهن، لتظلموهن بالإلجاء إلى الافتداء،
وفيه زجر لما كان عليه الناس، حيث كان الزوج يترك المعتدة حتى إذا شارفت انقضاء
العدة، يراجعها للإضرار بها، ليطول عليها العدة لا للرغبة فيها

[ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه] أي من يمسكها للإضرار بها أو ليكرهها على
الافتداء، فقد ظلم بذلك العمل نفسه لأنه عرضها لعذاب الله

[ ولا تتخذوا آيات الله هزوا] أي لا تهزءوا بأحكام الله وأوامره ونواهيه،
فتجعلوا شريعته مهزوءاً بها بمخالفتكم لها

[واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة] أي اذكروا فضل
الله عليكم بهدايتكم للإسلام، وما أنعم به عليكم من القرآن العظيم، والسنة
المطهرة

[يعظكم به] أي يرشدكم ويذكركم بكتابه وهدي رسوله إلى سعادتكم في الدارين

[واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم] أي خافوا الله وراقبوه في أعمالكم،
واعلموا أنه تعالى لا تخفى عليه خافية من أحوالكم.. ثم أمر تعالى الأولياء بعدم
عضل النساء الراغبات في العودة إلى أزواجهن فقال

[وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن] أي إذا طلقتم النساء وانقضت عدتهن

[فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف] أي فلا تمنعوهن يا
معشر الأولياء من العودة لأزواجهن، إذا صلحت الأحوال بين الزوجين، وظهرت أمارات
الندم، ورضي كل منهما العودة لصاحبه والسير بما يرضي الله

[ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر] أي ما نهيتكم عنه من
الإضرار بالنساء، والعضل لهن، ينصح به ويوعظ به، من كان يؤمن بالله واليوم
الآخر، لأنه هو المنتفع بالمواعظ الشرعية

[ذلكم أزكى لكم وأطهر] أي الاتعاظ بما ذكر والتمسك بأوامر الله، خير وأنفع لكم
وأطهر من الآثام وأوضار الذنوب

[والله يعلم وأنتم لا تعلمون] أي والله يعلم ما هو أصلح لكم من الأحكام
والشرائع، وأنتم لا تعلمون ذلك، فامتثلوا أمره تعالى ونهيه في جميع ما تأتون
وما تذرون.

===============
البلاغة:
===============
1- [فبلغن أجلهن] أي قاربن انقضاء عدتهن، أطلق الكل على الأكثر، فهو مجاز مرسل،
لأنه لو انقضت العدة لما جاز له إمساكها والله تعالى يقول [فأمسكوهن بمعروف].

2- [واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة] هو من باب عطف
الخاص على العام، لأن النعمة يراد بها (نعم الله) والكتاب والسنة من أفراد هذه
النعم.

3- [واعلموا أن الله بكل شيئ عليم] بين كلمة "اعلموا" و"عليم" من المحسنات
البديعية ما يسمى بجناس الاشتقاق.

4- [أن ينكحن أزواجهن] يراد بأزواجهن "المطلقين" لهن، فهو من باب "المجاز
المرسل" والعلاقة اعتبار ما كان قبل الطلاق

MERAMADA
2008-12-26, 02:43 AM
===============
فائدة:
===============
قال الإمام الفخر: الحكمة في إثبات حق الرجعة، أن الإنسان ما دام مع صاحبه لا
يدري هل تشق عليه المفارقة أو لا؟ فإذا فارقه فعند ذلك يظهر، فلو جعل الله
الطلقة الواحدة مانعة من الرجوع، لعظمت المشقة على الإنسان إذ قد تظهر المحبة
بعد المفارقة، ثم لما كان كمال التجربة لا يحصل بالمرة الواحدة، أثبت تعالى حق
المراجعة مرتين، وهذا يدل على كمال رحمته تعالى ورأفته بعباده.


###############
قال الله تعالى: [والوالدات يرضعن أولادهن حولين .. إلى .. ولا تنسوا الفضل
بينكم إن الله بما تعملون بصير] من آية (233) إلى نهاية آية (237).
###############

===============
المناسبة:
===============
لما ذكر تعالى جملة من الأحكام المتعلقة بالنكاح، والطلاق والعدة، والرجعة، ذكر
في هذه الآية الكريمة (حكم الرضاع) لأن الطلاق يحصل به الفراق، فقد يطلق الرجل
زوجه ويكون لها طفل ترضعه، وربما أضاعت الطفل أو حرمته الرضاع، انتقاماً من
الزوج، وإيذاء له في ولده، لذلك جاءت هذه الآية لندب الوالدات المطلقات، إلى
رعاية الأطفال والاهتمام بشأنهم.

===============
اللغة:
===============
[فصالا] الفصال والفصل: الفطام، سمى به لأن الولد ينفصل عن لبن أمه إلى غيره من
الأقوات، قال المبرد: الفصال أحسن من الفصل، لأنه إذا انفصل عن أمه، فقد انفصلت
عنه، فبينهما فصال كالقتال والضراب

[تشاور]: استخراج الرأي ومثله المشاورة والمشورة، مأخوذ من الشور وهو استخراج
العسل

[يذرون] يتركون، وهذا الفعل لا يستعمل منه الماضي ولا المصدر

[عرضتم] التعريض: الإيماء والتلويح من غير كشف وإظهار، مأخوذ من عرض الشيء أي
جانبه، كقول الفقير للمحسن: جئت لأنظر إلى وجهك الكريم

[خطبة] بكسر الخاء طلب النكاح، وبالضم الموعظة كخطبة الجمعة والعيدين

[أكننتم] سترتم وأضمرتم والإكنان: السر والخفاء

[عقدة النكاح] من العقد وهو الشد، وفي المثل "يا عاقد اذكر حلا" قال الراغب:
العقدة اسم لما يعقد من نكاح أو يمين أو غيرهما

[حليم] يمهل العقوبة فلا يعجل بها للعاصي

[المقتر] الفقير يقال: أقتر الرجل إذا افتقر.

===============
سبب النزول:
===============
روي أن رجلا من الأنصار تزوج امرأة من بني حنيفة ولم يسم لها مهرا، ثم طلقها
قبل أن يمسها، فنزلت الآية [لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن] فقال
له النبي (ص) "متعها ولو بقلنسوتك

MERAMADA
2008-12-26, 02:46 AM
===============
التفسير:
===============
[والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين] أي الواجب على الأمهات أن يرضعن
أولادهن لمدة سنتين كاملتين

[لمن أراد أن يتم الرضاعة] أي إذا شاء الوالدان إتمام الرضاعة ولا زيادة عليه

[وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف] أي وعلى الأب نفقة الوالدات المطلقات
وكسوتهن بما هو متعارف، بدون إسراف ولا تقتير، لتقوم بخدمته حق القيام

[لا تكلف نفس إلا وسعها] أي تكون النفقة بقدر الطاقة لأنه تعالى لا يكلف نفسا
إلا وسعها

[لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده] أي لا يضر الوالدان بالولد فيفرطا
في تعهده، ويقصرا في ما ينبغي له، أو يضار أحدهما الآخر بسبب الولد، فترفض الأم
إرضاعه لتضر أباه بتربيته، وينتزع الأب الولد منها إضرارا بها مع رغبتها في
إرضاعه، ليغيظ أحدهما صاحبه، قاله مجاهد

[وعلى الوارث مثل ذلك] أي وعلى الوارث مثل ما على والد الطفل من الإنفاق على
الأم، والقيام بحقوقها وعدم الإضرار بها، والمراد به (وارث الأب) وقيل: وارث
الصبي، والأول اختيار الطبري

[فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما] أي فإذا اتفق الوالدان
على فطامه قبل الحولين، ورأيا في ذلك مصلحة له بعد التشاور، فلا إثم عليهما

[وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف]
أي وإن أردتم أيها الآباء أن تطلبوا مرضعة لولدكم غير الأم، بسبب عجزها أو
إرادتها الزواج، فلا إثم عليكم شريطة أن تدفعوا لها ما اتفقتم عليه من الأجر،
فإن المرضع إذا لم تكرم، لا تهتم بالطفل، ولا تعنى بإرضاعه

[واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير] أي راقبوا الله في جميع
أفعالكم، فإنه تعالى لا يخفى عليه شيء من أقوالكم وأحوالكم، وفي ضمنه وعيد
وتهديد

[والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا] أي على
النساء اللواتي يموت أزواجهن، أن يمكثن في العدة أربعة أشهر وعشرة أيام، حداداً
على أزواجهن، وهذا الحكم لغير الحامل، أما الحامل فعدتها وضع الحمل، لقوله
تعالى [وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن]

[فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف] أي فإذا انقضت
عدتهن فلا إثم عليكم أيها الأولياء في الإذن لهن بالزواج، وفعل ما أباحه لهن
الشرع، من الزينة والتعرض للخطاب

[والله بما تعملون خبير] أي عليم بجميع أعمالكم فيجازيكم عليها

[ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء] أي لا إثم عليكم أيها الرجال في
التعريض بخطبة النساء، المتوفى عنهن أزواجهن في العدة، بطريق التلميح لا
التصريح، قال ابن عباس: كقول الرجل: وددت أن الله يسر لي امرأة صالحة، وإن
النساء لمن حاجتي

[أو أكننتم في أنفسكم] أي ولا إثم عليكم أيضا فيما أخفيتموه في أنفسكم من رغبة
الزواج بهن

[علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا] أي
قد علم الله أنكم ستذكرونهن في أنفسكم، ولا تصبرون عنهن، فرفع عنكم الحرج،
فاذكروهن ولكن لا تواعدوهن بالنكاح سرا، إلا بطريق التعريض والتلويح، وبالمعروف
الذي أقره لكم الشرع

[ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله] أي ولا تعقدوا عقد النكاح حتى
تنتهى العدة

[واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه] أي احذروا عقابه فى مخالفتكم أمره

[واعلموا أن الله غفور حليم] أي يمحو ذنب من أناب، ولا يعاجل العقوبة لمن
عصاه.. ثم ذكر تعالى حكم المطلقة قبل المساس فقال

[لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة] أي لا إثم
عليكم أيها الرجال إن طلقتم النساء، قبل المسيس "الجماع" وقبل أن تفرضوا لهن
مهرا، فالطلاق في مثل هذه الحالة غير محظور، إذا كان لمصلحة أو ضرورة

[ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعاً بالمعروف حقا على المحسنين]
أي فإذا طلقتموهن فادفعوا لهن المتعة تطييبا لخاطرهن، وجبرا لوحشة الفراق، على
قدر حال الرجل في الغنى والفقر، الموسر بقدر يساره، والمعسر بقدر إعساره،
تمتيعاً بالمعروف حقا على المؤمنين المحسنين

[وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم] أي وإذا
طلقتموهن قبل الجماع، وقد كنتم ذكرتم لهن مهرا معينا، فالواجب عليكم أن تدفعوا
(نصف المهر) المسمى لهن، لأنه طلاق قبل المسيس

[إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح] أي إلا إذا أسقطت المطلقة حقها،
أو أسقط ولي أمرها الحق إذا كانت صغيرة، وقيل: هو الزوج لأنه هو الذي ملك عقدة
النكاح، وذلك بأن يسامحها بكامل المهر الذي دفعه لها واختاره ابن جرير، وقال
الزمخشري: القول بأنه الولي ظاهر الصحة

[وأن تعفوا أقرب للتقوى] الخطاب عام للرجال والنساء، قال ابن عباس: أقربهما
للتقوى الذي يعفو

[ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير] أي لا تنسوا أيها المؤمنون
الجميل، والإحسان بينكم، فالله مطلع على أعمالكم وسيجازيكم عليها.. ختم تعالى
الآيات بالتذكير بعدم نسيان المودة والإحسان والجميل بين الزوجين، فإذا كان
الطلاق قد تم لأسباب ضرورية قاهرة، فلا ينبغي أن يكون هذا قاطعاً لروابط
المصاهرة ووشائج القربى

MERAMADA
2008-12-28, 05:13 PM
===============
البلاغة:
===============
1- [والوالدات يرضعن] أمر أخرج مخرج الخبر، مبالغة في الحمل على تحقيقه، أي
ليرضعن كالآية السابقة [والمطلقات يتربصن].

2- [أن تسترضعوا أولادكم] فيه إيجاز بالحذف أي تسترضعوا المراضع لأولادكم، كما
أن فيه الالتفات من الغيبة إلى الخطاب لأن ما قبله [فإن أرادا فصالا] وفائدة
هذا الالتفات هز مشاعر الآباء شفقة على الأبناء، ورحمة بهم!

3- [ولا تعزموا عقدة النكاح] ذكر العزم للمبالغة في النهي عن مباشرة النكاح،
فإذا نهي عنه، كان النهي عن الفعل من باب أولى.

4- [ما لم تمسوهن] كنى تعالى بالمس عن "الجماع" تأديبا وتعليما للعباد، في
اختيار أحسن الألفاظ فيما يتخاطبون به.

5- [وأن تعفوا] و [لا تنسوا الفضل] الخطاب عام للرجال والنساء ولكنه ورد بطريق
التغليب.

6- [واعلموا أن الله] إظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لتربية المهابة
والروعة.

===============
الفوائد:
===============
الأولى: التعبير بلفظ "الوالدات" دون قوله "والمطلقات" أو النساء المطلقات،
لاستعطافهن نحو الأولاد، فحصول الطلاق لهن لا ينبغي أن يحرمهن (عاطفة الأمومة)
فالأم ينبغي أن تبقى في حنانها ولو طلقت!

الثانية: أضاف تعالى الولد في الآية الكريمة إلى كل من الأبوين في قوله [والدة
بولدها] و [مولود له بولده] وذلك لطلب الاستعطاف والإشفاق عليه، فالولد ليس
أجنبيا عن الوالدين، هذه أمه، وذاك أبوه، فمن حقهما أن يشفقا عليه، ولا تكون
العداوة بينهما سببا للإضرار به.

الثالثة: الحكمة في إيجاب المتعة للمطلقة هي جبر إيحاش الطلاق، قال ابن عباس:
إن كان معسرا متعها بثلاثة أثواب، وإن كان موسراً متعها بخادم.

الرابعة: روي أن (الحسن بن علي) متع زوجته بعشرة آلاف درهم، فقالت المرأة:
"متاع قليل من حبيب مفارق" وسبب طلاقه إياها ما روي أنه لما أصيب علي كرم الله
وجهه، وبويع الحسن بالخلافة، قالت له: لتهنك الخلافة يا أمير المؤمنين! فقال:
يقتل علي وتظهرين الشماتة؟ اذهبي فأنت طالق ثلاثا، فتلفعت وقعدت حتى انقضت
عدتها، فبعث إليها بعشرة آلاف درهم متعة، وبقية ما بقي لها من صداقها، فقالت
ذلك، فلما أخبره الرسول بكى وقال: لولا أنني طلقتها ثلاثا لراجعتها.


###############
قال الله تعالى: [حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى.. إلى .. كذلك يبيتن الله
لكم آياته لعلكم تعقلون] من آية (238) إلى نهاية آية (242).
###############

===============
المناسبة:
===============
توسطت آيات المحافظة على الصلاة خلال الآيات الكريمة المتعلقة بأحكام الأسرة،
وعلاقات الزوجين عند الطلاق أو الافتراق وذلك لحكمة بليغة، وهي أن الله تعالى
لما أمر بالعفو والتسامح وعدم نسيان الفضل بعد الطلاق، بين بعد ذلك أمر الصلاة،
لأنها أعظم وسيلة إلى نسيان هموم الدنيا وأكدارها، ولهذا كان (ص) إذا حزبه هم
فزع إلى الصلاة، فالطلاق يولد الشحناء والبغضاء، والصلاة تدعو إلى الإحسان
والتسامح، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، وذلك أفضل طريق لتربية النفس الإنسانية

MERAMADA
2008-12-28, 05:16 PM
===============
اللغة:
===============
[حافظوا] المحافظة: لمداومة على الشيء والمواظبة عليه

[الوسطى] مؤنث الأوسط، ووسط الشيء خيره وأعدله، قال اعرابي يمدح الرسول (ص).
يا أوسط الناس طرا في مفاخرهم وأكرم الناس أما برة وأبا

[قانتين] أصل القنوت في اللغة: المداومة على الشيء، وقد خصه القرآن بالدوام على
الطاعة والملازمة لها، على وجه الخشوع والخضوع قال تعالى [يا مريم اقتني لربك]

[فرجالا] جمع راجل وهو القائم على القدمين، قال الراغب: اشتق من الرجل راجل،
للماشي بالرجل ويقال: رجل راجل أي قوي على المشي

[ركبانا] جمع راكب وهو من يركب الفرس والدابة ونحوهما.

===============
التفسير:
===============
[حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى] أي واظبوا أيها المؤمنون وداوموا على أداء
الصلوات في أوقاتها، وبخاصة (صلاة العصر) فإن الملائكة تشهدها

[وقوموا لله قانتين] أي داوموا على العبادة والطاعة بالخشوع والخضوع، وقوموا
لله فى صلاتكم خاشعين

[فإن خفتم فرجالا أو ركبانا] أي فإذا كنتم في خوف من عدو أو غيره، فصلوا ماشين
على الأقدام أو راكبين على الدواب

[فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون] أي فإذا زال الخوف
وجاء الأمن، فأقيموا الصلاة مستوفية لجميع الأركان، كما أمركم الله وعلى الوجه
الذي شرعه لكم، وهذه الآية كقوله [فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة] والذكر في
الآية يراد به (الصلاة) الكاملة المستوفية للأركان، قال الزمخشري: المعنى:
اذكروه بالعبادة كما أحسن إليكم بما علمكم من الشرائع، وكيف تصلون في حال الخوف
والأمن.. ثم قال تعالى مبيناً أحكام العدة

[والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج]
أي والذين يموتون من رجالكم ويتركون زوجاتهم على هؤلاء أن يوصوا قبل أن يحتضروا
بأن تمتع أزواجهم بعدهم حولا كاملا، ينفق عليهن من تركته، ولا يخرجن من مساكنهن
– وكان ذلك في أول الإسلام – ثم نسخت المدة إلى أربعة أشهر وعشرة أيام

[فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف] أي فإن خرجن مختارات
راضيات، فلا إثم عليكم يا أولياء الميت في تركهن أن يفعلن ما لا ينكره الشرع،
كالتزين والتطيب والتعرض للخطاب إذا انتهت عدتهن

[والله عزيز حكيم] أي هو سبحانه غالب في ملكه، حكيم في صنعه

[وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين] أي واجب على الأزواج أن يمتعن
المطلقات بقدر استطاعتهم، جبرا لوحشة الفراق، وهذه المتعة حق لازم على المؤمنين
المتقين لله

[كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون] أي مثل ذلك البيان الشافي، الذي يوجه
النفوس نحو المودة والرحمة، يبين الله سبحانه لكم آياته الدالة على أحكامه
الشرعية، لتعقلوا ما فيها وتعملوا بموجبها.

===============
البلاغة:
===============
1- [الصلاة الوسطى] هو من باب عطف "الخاص على العام" لبيان مزيد فضل صلاة
العصر.

2- [فإن خفتم] [فإذا أمنتم] بين لفظ "خفتم" و"أمنتم" طباق، وهو من المحسنات
البديعية، قال أبو السعود: وفي إيراد الشرطية بكلمة "إن" المنبئة عن عدم تحقق
وقوع الخوف، وإيراد الثانية بكلمة "إذا" المنبئة عن تحقق وقوع الأمن وكثرته مع
الإيجاز في جواب الأولى والإطناب في جواب الثانية، من الجزالة ولطف الاعتبار،
ما فيه عبرة لأولي الأبصار

MERAMADA
2008-12-28, 05:19 PM
===============
تنبيه:
===============
الصلاة الوسطى على الراجح من الأقوال هي (صلاة العصر) لأنها وسط بين الفجر
والظهر والمغرب والعشاء، ويقوي هذا ما ورد في الصحيحين "شغلونا عن الصلاة
الوسطى صلاة العصر ملأ الله قلوبهم وبيوتهم نارا" وفي الحديث "الذي تفوته صلاة
العصر فكأنما وتر أهله وماله" أخرجه الشيخان وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة
الدالة على فضل صلاة العصر وأهميتها.


###############
قال الله تعالى: [ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف.. إلى .. وإنك لمن
المرسلين] من آية (242) إلى نهاية آية (252).
###############

===============
المناسبة:
===============
لما ذكر تعالى أحكام الأسرة، ذكر بعدها أحكام الجهاد، وذلك لحماية العقيدة
وصيانة المقدسات، وتأمين البيئة الصالحة للأسرة المسلمة، فلا صلاح للأسرة إلا
بصلاح المجتمع، ولا بقاء لها ولا خلود إلا ببقاء الحق وأنصاره، ولهذا أمر تعالى
بالقتال وضرب عليه الأمثال بالأمم السابقة، كيف جاهدت في سبيل الحق، وانتصرت
القلة مع إيمانها على الكثرة مع كفرها وطغيانها، فليست العبرة بكثرة أنصار
الباطل، بل بصمود أهل الحق، والتزامهم له وجهادهم في سبيله.

===============
اللغة:
===============
[ألوف] جمع ألف جمع كثرة وفي القلة آلاف، ومعناه كثرة كاثرة وألوف مؤلفة

[حذر] خشية وخوف

[يقبض ويبسط] القبض: ضم الشيء والجمع عليه والمراد به هنا التقتير، والبسط ضده
والمراد به التوسيع قال أبو تمام:
تعود بسط الكف حتى لو أنه دعاها لقبض لم تجبه أنامله.

[الملأ] الأشراف من الناس سموا بذلك لأنهم يملأون العين مهابة وإجلالا

[فصل] انفصل من مكانه يقال: فصل عن الموضع انفصل عنه وجاوزه

[مبتليكم] مختبركم

[يظنون] يستيقنون ويعلمون

[فئة] الفئة: الجماعة من الناس لا واحد له كالرهط والنفر

[أفرغ] أفرغ الشيء صبه وأنزله

MERAMADA
2009-01-03, 07:32 AM
===============
التفسير :
===============
[ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف] أي ألم يصل إلى سمعك أيها
المخاطب، حال أولئك القوم الذين خرجوا من وطنهم وهم ألوف مؤلفة

[حذر الموت] أي خوفا من الموت وفرارا منه، والغرض من الاستفهام التعجيب
والتشويق إلى سماع قصتهم، وكانوا سبعين ألفا

[فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم] أي أماتهم الله ثم أحياهم، وهم قوم من بني
إسرائيل، دعاهم ملكهم إلى الجهاد، فهربوا خوفا من الموت فأماتهم الله، ثمانية
أيام ثم أحياهم بدعوة نبيهم "حزقيل" فعاشوا بعد ذلك دهرا، وقيل: هربوا من
الطاعون فأماتهم الله، قال ابن كثير: وفي هذه القصة عبرة على أنه لا يغني حذر
من قدر، وأنه لا ملجأ من الله إلا إليه

[إن الله لذو فضل على الناس] أي ذو إنعام وإحسان على الناس، حيث يريهم من
الآيات الباهرة والحجج القاطعة، ما يبصرهم بما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة

[ولكن أكثر الناس لا يشكرون] أي لا يشكرون الله على نعمه، بل ينكرون ويجحدون

[وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم] أي قاتلوا الكفار لإعلاء دين
الله، لا لحظوظ النفس وأهوائها، واعلموا أن الله سميع لأقوالكم، عليم بنياتكم
وأحوالكم، فيجازيكم عليها، وكما أن الحذر لا يغني من القدر، فكذلك الفرار من
الجهاد لا يقرب أجلا ولا يبعده

[من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافاً كثيرة] أي من الذي يبذل
ماله وينفقه في سبيل الخير ابتغاء وجه الله، ولإعلاء كلمة الله في الجهاد وسائر
طرق الخير، فيكون جزاؤه أن يضاعف الله تعالى له ذلك القرض أضعافاً كثيرة؟ لأنه
قرض لأغنى الأغنياء رب العالمين جل جلاله، وفي الحديث (من يقرض غير عديم ولا
ظلوم)

[والله يقبض ويبسط] أي يقتر على من يشاء ويوسع على من يشاء ابتلاء وامتحاناً

[وإليه ترجعون] أي يوم القيامة فيجازيكم على أعمالكم

[ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى] أي ألم يصل خبر القوم إليك؟ وهو
أسلوب تعجيب وتشويق للسامع كما تقدم، وكانوا من بني إسرائيل وبعد وفاة موسى
عليه السلام كما دلت عليه الآية

[إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله] أي حين قالوا لنبيهم
"شمعون" – وهو من نسل هارون – أقم لنا أميرا واجعله قائدا لنا لنقاتل معه
الأعداء في سبيل الله

[قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا] أي قال لهم نبيهم: أخشى أن
يفرض عليكم القتال، ثم لا تقاتلون عدوكم، وتجبنون عن لقائه

[قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا] أي أي
سبب لنا في ألا نقاتل عدونا، وقد أخذت منا البلاد، وسبيت الأولاد؟ قال تعالى
بيانا لما انطوت عليه نفوسهم من الهلع والجبن

[فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم] أي لما فرض عليهم القتال، نكل
أكثرهم عن الجهاد، إلا فئة قليلة منهم صبروا وثبتوا، وهم الذين عبروا النهر مع
طالوت، قال القرطبي: وهذا شأن الأمم المتنعمة المائلة إلى الدعة، تتمنى الحرب
أوقات الأنفة، فإذا حضرت الحرب جبنت وانقادت لطبعها

[والله عليم بالظالمين] وعيد لهم على ظلمهم بترك الجهاد عصيانا لأمره تعالى

[وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا] أي أخبرهم نبيهم بأن الله
تعالى قد ملك عليهم (طالوت) ليكونوا تحت إمرته، في تدبير أمر الحرب، واختاره
ليكون أميرا عليهم

[قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال]؟ أي
قالوا معترضين على نبيهم: كيف يكون ملكا علينا والحال أننا أحق بالملك منه؟ لان
فينا من هو من أولاد الملوك، وهو مع هذا فقير لا مال له، فكيف يكون ملكا علينا؟

[قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم] أي أجابهم نبيهم على
ذلك الاعتراض فقال إن الله اختاره عليكم، وهو أعلم بالمصالح منكم، والعمدة في
الاختيار أمران: (العلم) ليتمكن به من معرفة أمور السياسة، والأمر الثاني (قوة
البدن) ليعظم خطره في القلوب، ويقدر على مقاومة الأعداء ومكابدة الشدائد، وقد
خصه الله تعالى منهما بحظ وافر، قال ابن كثير: ومن ههنا ينبغي أن يكون الملك ذا
علم، وشكل حسن، وقوة شديدة في بدنه ونفسه،

[والله يؤتي ملكه من يشاء] أي يعطي الملك لمن شاء من عباده من غير إرث أو مال

[والله واسع عليم] أي واسع الفضل عليم بمن هو أهل له فيعطيه إياه.. ولما طلبوا
آية تدل على اصطفاء الله لطالوت أجابهم إلى ذلك

[وقال لهم نبيهم إن آية ملكه] أي علامة ملكه واصطفائه عليكم

[أن يأتيكم التابوت] أي يرد الله إليكم التابوت الذي أخذ منكم، وهو كما قال
الزمخشري: (صندوق التوراة) الذي كان موسى عليه السلام إذا قاتل قدمه أمامه،
فكانت تسكن نفوس بني إسرائيل ولا يفرون

[فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة] أي في
التابوت السكون والطمأنينة والوقار، وفيه أيضا بقية من آثار آل موسى وآل هارون
وهي عصا موسى وثيابه وبعض الألواح التى كتبت فيها التوراة تحمله الملائكة، قال
ابن عباس: جاءت الملائكة تحمل التابوت بين السماء والأرض حتى وضعته بين يدي
طالوت والناس ينظرون

[إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين] أي إن في نزول التابوت لعلامة واضحة أن
الله اختاره ليكون ملكا عليكم، إن كنتم مؤمنين بالله واليوم الآخر

[فلما فصل طالوت بالجنود] أي خرج بالجيش وانفصل عن بيت المقدس، وجاوزه وكانوا
(ثمانين ألفا)، أخذ بهم في أرض قفرة فأصابهم حر وعطش شديد

[قال إن الله مبتليكم بنهر] أي مختبركم بنهر وهو نهر الشريعة المشهور بين
الأردن وفلسطين

[فمن شرب منه فليس مني] أي من شرب منه فلا يصحبني – وأراد بذلك أن يختبر
إرادتهم وطاعتهم قبل أن يخوض بهم غمار الحرب .

[ومن لم يطعمه فإنه مني] أي من لم يشرب منه ولم يذقه فإن من جندى الذين يقاتلون
معي

[إلا من اغترف غرفة بيده] أي لكن من اغترف قليلا من الماء ليبل عطشه وينقع غلته
فلا بأس بذلك، فأذن لهم برشفة من الماء تذهب بالعطش

[فشربوا منه إلا قليلا منهم] أي شرب الجيش منه إلا فئة قليلة صبرت على العطش،
قال السدي: شرب منه ستة وسبعون ألفا وتبقى معه أربعة آلاف

[فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه] أي لما اجتاز النهر مع الذين صبروا على العطش
والتعب، ورأوا كثرة عدوهم اعتراهم الخوف فقال فريق منهم

[قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده] أي لا قدرة لنا على قتال الأعداء مع
قائد جيشهم (جالوت)، فنحن قلة وهم كثرة كاثرة

[قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله] أي قال الذين يعتقدون بلقاء الله، وهم
الصفوة الأخيار والعلماء الأبرار من أتباع طالوت

[كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله] أي كثيرا ما غلبت الجماعة القليلة
الجماعة الكثيرة، بإرادة الله ومشيئته، فليس النصر عن كثرة العدد وإنما النصر
من عند الله

[والله مع الصابرين] أي معهم بالحفظ والرعاية والتأييد، ومن كان الله معه فهو
منصور بحول الله

[ولما برزوا لجالوت وجنوده] أي ظهروا في الفضاء المتسع وجها لوجه، أمام ذلك
الجيش الجرار، جيش (جالوت) المدرب على الحروب

[قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا] دعوا الله ضارعين إليه بثلاث دعوات تفيد إدراك
أسباب النصر فقالوا أولا: ربنا أفض علينا صبرا يعمنا في جمعنا وفي خاصة نفوسنا
لنقوى على أعدائك

[وثبت أقدامنا] أي ثبتنا في ميدان الحرب ولا تجعل للفرار سبيلا إلى قلوبنا وهي
الدعوة الثانية

[وانصرنا على القوم الكافرين] أي انصرنا على من كفر بك وكذب رسلك، وهم جالوت
وجنوده وهي الدعوة الثالثة !! قال تعالى إخباراً عنهم

[فهزموهم بإذن الله] أي هزموا جيش جالوت بنصر الله وتأييده إجابة لدعائهم
وانكسر عدوهم رغم كثرته

[وقتل داود جالوت] أي وقتل داود – وكان في جيش المؤمنين مع طالوت – رأس الطغيان
جالوت واندحر جيشه

[وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء] أي أعطى الله تعالى (داود) الملك
والنبوة، وعلمه ما يشاء من العلم النافع الذي أفاضه عليه، قال ابن كثير: كان
طالوت قد وعده إن قتل جالوت أن يزوجه ابنته ويشاطره نعمته، ويشركه في أمره،
فوفى له، ثم آل الملك إلى داود عليه السلام مع ما منحه الله به من النبوة
العظيمة

[ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض] أي لولا أن يدفع الله شر
الأشرار بجهاد الأخيار لفسدت الحياة، لأن الشر إن غلب كان الخراب والدمار

[ولكن الله ذو فضل على العالمين] أي ذو تفضل وإنعام على البشر، حيث لم يمكن
للشر من الاستعلاء

[تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق] أي ما قصصنا عليك يا محمد من الأمور
الغريبة، والقصص العجيبة التى وقعت في بني إسرائيل، هي من آيات الله وأخباره
المغيبة، التي أوحاها إليك بالحق بواسطة جبريل الأمين

[وإنك لمن المرسلين] أي وإنك يا محمد لمن جملة الرسل، الذين أرسلهم الله لتبليغ
دعوة الله عز وجل للناس

MERAMADA
2009-01-03, 07:35 AM
===============
البلاغة:
===============
1- قال أبو حيان: تضمنت الآية الكريمة من ضروب البلاغة وصنوف البيان أمورا
كثيرة منها الاستفهام الذي أجري مجرى التعجب في قوله [ألم تر إلى الذين] والحذف
بين [موتوا ثم أحياهم] أي "فماتوا" ثم أحياهم، والطباق في قوله [موتوا] و
[أحياهم] وكذلك في قوله [يقبض] و [يبسط] والتكرار في قوله [فضل على الناس] و
[ولكن أكثر الناس] والالتفات في [وقاتلوا في سبيل الله] والتشبيه بدون الأداة
في قوله [قرضا حسنا] شبه قبوله تعالى إنفاق العبد في سبيله بالقرض الحقيقي
فأطلق اسم القرض عليه، والتجنيس المغاير في قوله [فيضاعفه] وقوله [أضعافا]

2- [أفرغ علينا صبرا] فيه استعارة تمثيلية، فقد شبه حالهم والله تعالى يفيض
عليهم الصبر، بحال الماء يصب ويفرغ على الجسم فيعمه كله، ظاهره وباطنه فيلقي في
القلب برداً وسلاماً، وهدوءاً واطمئناناً.

===============
الفوائد:
===============
الأولى: أسند الاستقراض إلى الله في قوله [من ذا الذي يقرض الله] وهو المنزه عن
الحاجات، ترغيبا في الصدقة، كما أضاف الإحسان إلى المريض والجائع والعطشان، إلى
نفسه تعالى في قوله جل وعلا في الحديث القدسي [ابن آدم مرضت فلم تعدني] و
(استطعمتك فلم تطعمني) و (استسقيتك فلم تسقني) تعظيما وتفخيما لشأن الإحسان
للعباد.

الثانية: روي أنه لما نزلت الآية الكريمة جاء "أبو الدحداح الانصاري" إلى رسول
الله (ص) فقال يا رسول الله: وإن الله ليريد منا القرض؟ قال: نعم يا أبا
الدحداح! قال: أرني يدك يا رسول الله، فناوله يده قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي
– أي بستاني وكان فيه ستمائة نخلة وأم الدحداح فيه وعيالها – فجاء أبو الدحداح
فنادها: يا أم الدحداح قالت: لبيك، قال: أخرجي فقد أقرضته ربي عز وجل، وفي
رواية قالت: ربح بيعك يا أبا الدحداح وخرجت منه مع عيالها.

الثالثة: قال البقاعي: ولعل ختام أخبار بني إسرائيل بهذه القصة، لما فيها النبي
(ص) من واضح الدلالة على صحة رسالته، لأنها مما لا يعلمه إلا القليل من حذاق
علماء بني إسرائيل..


###############
قال الله تعالى: [تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض .. إلى .. والكافرون هم
الظالمون] من آية (253) إلى نهاية آية (254).
###############

===============
المناسبة:
===============
لما ذكر تعالى في الآيات السابقة اصطفاء طالوت على بني إسرائيل، وتفضيل داود
عليهم بالملك والنبوة، ذكر في هذه الآية أن المرسلين ليسوا في درجة واحدة، بل
بعضهم أفضل من بعض كما يكون التفاضل بين البشر.

===============
اللغة:
===============
[درجات] جمع درجة وهي المنزلة الرفيعة السامية

[البينات] المعجزات

[وأيدناه] قويناه من التأييد بمعنى التقوية

[روح القدس] القدس: الطهارة، وروح القدس "جبريل" عليه السلام وقد تقدم

[خلة] الخلة: الصداقة والمودة سميت بذلك لأنها تتخلل الجسد

[شفاعة] مأخوذة من الشفع بمعنى الضم، والشفاعة الانضمام إلى آخر ناصرا له
وسائلا عونه.

===============
التفسير:
===============
[تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض] أي أولئك الرسل الكرام الذين قصصنا عليك من
أنبائهم يا محمد، هم رسل الله حقا، وقد فضلنا بعضهم على بعض، في الرفعة
والمنزلة والمراتب العالية

[منهم من كلم الله] أي منهم من خصه الله بالتكليم بلا واسطة كموسى عليه السلام

[ورفع بعضهم درجات] أي ومنهم من خصه الله بالمرتبة الرفيعة السامية كخاتم
المرسلين (محمد) (ص) فهو سيد الأولين والآخرين في الدنيا والآخرة، وكأبي
الأنبياء إبراهيم الخليل

[وآتينا عيسى ابن مريم البينات] أي ومنهم من أعطاه الله المعجزات الباهرات،
كإحياء الموتى، وإبراء الأعمى والأبرص، والإخبار عن المغيبات

[وأيدناه بروح القدس] أي قويناه بجبريل الأمين وهو "عيسى ابن مريم"

[ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البيانات] أي لو أراد
الله ما اقتتل الأمم الذين جاءوا بعد الرسل، من بعد الحجج الباهرة والبراهين
الساطعة التي جاءتهم بها رسلهم، فلو شاء الله ما تنازعوا ولا اختلفوا ولا
تقاتلوا، ولجعلهم متفقين على اتباع الرسل، كما أن الرسل متفقون على كلمة الحق

[ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر] أي ولكن الله لم يشأ هدايتهم بسبب
اختلافهم في الدين، وتشعب مذاهبهم وأهوائهم، فمنهم من ثبت على الإيمان، ومنهم
من حاد وكفر

[ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد] أي لو شاء الله جل وعلا لجعل
البشر على طبيعة الملائكة، لا يتنازعون ولا يقتتلون، ولكن الله حكيم يفعل ما
فيه المصلحة، وكل ذلك عن قضاء الله وقدره، فهو الفعال لما يريد

[يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم] أي أنفقوا في سبيل الله من مال الله
الذي منحكم إياه، ادفعوا الزكاة، وأنفقوا في وجوه الخير والبر والصالحات

[من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة] أي من قبل مجيء ذلك اليوم
الرهيب، الذي لا تستطيعون أن تفتدوا منه نفوسكم بمال تقدمونه فيكون كالبيع، ولا
تجدون صديقا يدفع عنكم العذاب، ولا شفيعاً لكم ليحط عنكم من سيئاتكم، إلا أن
يأذن الله رب العالمين

[والكافرون هم الظالمون] أي لا أحد أظلم ممن وافى الله يومئذ كافرا، والكافر
بالله هو الظالم المعتدي، الذي يستحق العقاب، لأنه ظلم نفسه بالكفر

MERAMADA
2009-01-03, 07:38 AM
===============
البلاغة:
===============
1- [تلك الرسل] الإشارة بالبعيد "تلك" لبعد مرتبتهم في الكمال.

2- [منهم من كلم الله..] الآية تفصيل لذلك التفضيل ويسمى هذا في البلاغة:
التقسيم، وكذلك في قوله: [فمنهم من آمن ومنهم من كفر] وبين لفظ "آمن" و"كفر"
طباق.

3- الإطناب وذلك في قوله [ولو شاء الله ما اقتتلوا] حيث كرر جملة [ولو شاء
الله].

4- [والكافرون هم الظالمون] فيه قصر الصفة على الموصوف، وقد أكدت بالجملة
الأسمية وبضمير الفصل، فكأن الظلم قاصر عليهم لا يجاوزهم إلى غيرهم.

===============
فائدة:
===============
روي عن عطاء بن دينار أنه قال: الحمد لله الذي قال [والكافرون هم الظالمون] ولم
يقل "والظالمون هم الكافرون" ومراده أنه لو نزل هكذا لكان قد حكم على كل ظالم
بالكفر، فلم يخلص منه إلا من عصمه الله تعالى.

===============
تنبيه:
===============
يحتمل أن يراد بالكفر المعنى الحقيقي أو المجازي فيكون المراد بالكافر تارك
الزكاة، كما ذهب إليه الزمخشري حيث قال أراد والتاركون للزكاة هم الظالمون،
وإيثاره عليه للتغليظ والتهديد كما في آية الحج [ومن كفر] مكان [ومن لم يحج]
ولأنه جعل ترك الزكاة من صفات الكفار في قوله تعالى [وويل للمشركين الذين لا
يؤتون الزكاة].


###############
قال الله تعالى: [الله لا إله إلا هو الحي القيوم.. إلى .. أولئك أصحاب النار
هم فيها خالدون] من آية (255) إلى نهاية آية (257).
###############

===============
المناسبة:
===============
لما ذكر تعالى تفضيل بعض الأنبياء على بعض، وبين أن الخلائق قد اختلفوا من
بعدهم، وتنازعوا وتقاتلوا بسبب الدين، ذكر أن هذا التفضيل بين الأنبياء لا
يستدعي الصراع بين الأتباع، ولا الخصام والنزاع، فالرسل صلوات الله عليم وإن
كانوا متفاوتين في الفضل، إلا أنهم جميعا جاءوا بدعوة واحدة هي (دعوة التوحيد)
فرسالتهم واحدة، ودينهم واحد، وانه لا إكراه في الدين، فقد سطع نور الحق وأشرق
ضياؤه.

===============
اللغة:
===============
[الحي] ذو الحياة الكاملة ومعناه الباقي الدائم الذي لا سبيل للفناء عليه

[القيوم] القائم بتدبير الخلق

[سنة] بكسر السين النعاس، وهو ما يسبق النوم من فتور قال الشاعر:
وسنان أقعده النعاس فرنقت في عينه سنة وليس بنائم

[يؤوده] يثقله ويتعبه

[العلي] المراد علو المنزلة والشأن، الذي تعالى في جلاله، وعظم في سلطانه

[إكراه] الإكراه: حمل الشخص على ما يكره بطريق القسر والجبر

[الطاغوت] من الطغيان وهو كل ما يطغي الإنسان ويضله عن طريق الحق والهدى

[الوثقى] مؤنث الأوثق وهو الشيء المحكم الموثق

[انفصام] الانفصام: الانكسار، قال الفراء: الانفصام والانقصام لغتان وبالفاء
أفصح وقال بعضهم: الفصم: انكسار بغير بينونة، والقصم: انكسار ببينونة.

===============
سبب النزول:
===============
كان لرجل من الأنصار ابنان تنصرا قبل بعثة النبي (ص) ثم قدما المدينة في نفر من
التجار يحملون الزيت، فلزمهما أبوهما وقال: لا أدعكما حتى تسلما، فنزلت [لا
إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي]. (( وهذه الرواية ذكرها ابن كثير عن
ابن جرير الطبري، والآية منسوخة بآية القتال لقوله تعالى (تقاتلونهم أو يسلمون)
)) الآية، فبين تعالى أنه لا يجبر أحد بالكره على الإيمان، لأن الحق واضح

MERAMADA
2009-01-03, 07:42 AM
===============
التفسير:
===============
[الله لا إله إلا هو الحي القيوم] أي هو الله جل جلاله الواحد الأحد الفرد
الصمد، ذو الحياة الكاملة، الباقي الدائم الذي لا يموت، القائم على تدبير شؤون
الخلق، بالرعاية والحفظ والتدبير

[لا تأخذه سنة ولا نوم] أي لا يأخذه نعاس ولا نوم، كما ورد في الحديث الصحيح:
"إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه"

[له ما في السموات وما في الأرض] أي جميع ما في السموات والأرض ملكه وعبيده،
وتحت قهره وسلطانه

[من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه] أي لا أحد يستطيع أن يشفع لأحد إلا إذا أذن
له الله تعالى، قال ابن كثير: وهذا بيان لعظمه وجلاله وكبريائه بحيث لا يتجاسر
أحد على الشفاعة إلا بإذن المولى

[يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم] أي يعلم ما هو حاضر مشاهد لهم وهو (الدنيا)

[وما خلفهم] أي أمامهم وهو (الآخرة)، فقد أحاط علمه بالكائنات والعوالم

[ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء] أي لا يعلمون شيئا من معلوماته إلا بما
أعلمهم إياه على ألسنة الرسل

[وسع كرسيه السموات والأرض] أي أحاط كرسيه بالسموات والأرض لبسطته وسعته،
والسموات السبع والأرضون بالنسبة للكرسي كحلقة ملقاة في فلاة، وروي عن ابن عباس
[وسع كرسيه] قال: علمه بدلالة قوله تعالى [ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما] فأخبر
أن علمه وسع كل شيء ((قال ابن جرير: وقول ابن عباس هذا يدل على صحته ظاهر
القرآن، ولأن أصل الكرسي العلم، ومنه يقال للعلماء كراسي لأنهم المعتمد عليهم،
كما يقال أوتاد الأرض انتهى، والصحيح ما قاله ابن كثير أن الكرسي خلق من
مخلوقات الله عظيم غير العرش )). وقال الحسن البصري: الكرسي هو العرش، قال ابن
كثير: والصحيح أن الكرسي غير العرش، وأن العرش أكبر منه كما دلت على ذلك الآثار
والأخبار

[ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم] أي لا يثقله ولا يعجزه حفظ السموات والأرض
ومن فيهما، وهو العلي فوق خلقه ذو العظمة والجلال كقوله [وهو الكبير المتعال]

[لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي] أي لا إجبار ولا إكراه لأحد على
الدخول في دين الإسلام، فقد بان ووضح الحق من الباطل والهدى من الضلال

[فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة والوثقى] أي من كفر بما
يعبد من غير الله، كالشيطان والأوثان، وآمن بالله فقد تمسك من الدين بأقوى سبب

[لا انفصام لها] أي لا انقطاع لها ولا زوال

[والله سميع عليم] أي سميع لأقوال عباده، عليم بأفعالهم

[الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور] أي الله ناصر المؤمنين
وحافظهم ومتولي أمورهم، يخرجهم من ظلمات الكفر والضلالة، إلى نور الإيمان
والهداية

[والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات] أي وأما
الكافرون فأولياؤهم الشياطين، يخرجونهم من نور اليقين والإيمان، إلى ظلمات الشك
والضلال

[أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون] أي ماكثون في نار جهنم لا يخرجون منها
أبدا.

===============
البلاغة:
===============
1- في آية الكرسي أنواع من الفصاحة وعلم البيان منها (حسن الافتتاح)، لأنها
افتتحت بأجل أسماء الله تعالى، و(تكرار اسمه تعالى) ظاهرا ومضمرا في ثمانية عشر
موضعا، و(الإطناب) بتكرير الصفات، و(قطع الجمل) حيث لم يصلها بحرف العطف،
و(الطباق) في قوله: [ما بين أيديهم وما خلفهم] أفاده صاحب البحر المحيط.

2- [استمسك بالعروة الوثقى] استعارة تمثيلية حيث شبه المستمسك بدين الإسلام
بالمستمسك بالحبل المحكم، وعدم الانفصام ترشيح لهذه الاستعارة.

3- [من الظلمات إلى النور] استعارة تصريحية حيث شبه الكفر بالظلمات، والإيمان
بالنور، قال في تلخيص البيان: وذلك من أحسن التشبيهات، لأن الكفر كالظلمة التى
يتسكع فيها الخابط ويضل القاصد، والإيمان كالنور الذي يؤمه الجائر ويهتدي به
الحائر، وعاقبة الإيمان مضيئة بالنعيم والثواب، وعاقبة الكفر مظلمة بالجحيم
والعذاب

MERAMADA
2009-02-02, 04:13 AM
متأسف على التأخير لظروف الامتحانات

==============================
===============
فائدة:
===============
أفرد النور وجمع الظلمات، لأن الحق واحد لا يتعدد، وأما طرق الضلال فكثيرة
ومتشعبة، وكثيرا ما يأتي في القرآن كقوله تعالى [وجعل الظلمات والنور].

===============
تنبيه:
===============
آية الكرسي لها شأن عظيم وقد صح الحديث عن رسول الله (ص) بأنها أفضل آية في
كتاب الله وفيها اسم الله الأعظم كما جاء في الحديث الشريف: "اسم الله الأعظم
الذي إذا دعي به أجاب في ثلاث: سورة البقرة، وآل عمران، وطه" قال هشام: أما
البقرة فقوله [الله لا إله إلا هو الحي القيوم] وفي آل عمران [ألم. الله لا إله
إلا هو الحي القيوم] وفي طه [وعنت الوجوه للحي القيوم] قال ابن كثير: وقد
اشتملت على عشر جمل مستقلة، متعلقة بالذات الإلهية وفيها تمجيد الواحد الأحد.


###############
قال الله تعالى: [ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه.. إلى .. يأتينك سعيا
واعلم أن الله عزيز حكيم] من آية (258) إلى نهاية آية (260).
###############

===============
المناسبة:
===============
لما ذكر تعالى الإيمان بالله وصفاته القدسية العلية، وذكر ولايته للمؤمنين،
وولاية الطاغوت للكافرين، ذكر هنا نموذجا عن تحكم الطغيان في نفوس الكفرة
المعاندين، ومجادلتهم في وحدانية الله، فذكر هنا قصصا ثلاثة، الأولى في بيان
إثبات الخالق الحكيم والثانية والثالثة في إثبات الحشر، والبعث بعد الفناء.

===============
اللغة:
===============
[حاج] المحاجة: المغالبة يقال: حاججته فحججته، وحاجة أي بادلة الحجة

[فبهت] انقطع وسكت متحيرا، قال العذري:
فما هو ألا أن أراها فجاءة فأبهت حتى ما أكاد أجيب.

[خاوية] ساقطة

[عروشها] العرش: سقف البيت، وكل ما يهيأ ليظل أو يكن فهو عريش

[يتسنه] يتغير ويتبدل، من تسنهت النخلة إذا أتت عليها السنون وغيرتها

[ننشزها] نركب بعضها فوق بعض، من النشاز وهو الرفع يقال لما ارتفع من الأرض نشز
ومنه نشوز المرأة

[فصرهن] ضمهن إليك ثم اقطعهن، من صار الشيء يصوره: إذا قطعه.

===============
التفسير:
===============
[ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه] تعجيب للسامع من أمر هذا الكافر، المجادل
في قدرة الله، أي ألم ينته علمك إلى ذلك المارد وهو "النمروذ بن كنعان" الذي
جادل إبراهيم في وجود الله؟

[أن آتاه الله الملك] أي لأن آتاه الله الملك، حيث حمله بطره بنعم الله، على
إنكار وجود الله، فقابل الجود والإحسان، بالكفر والطغيان

[إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت] أي حين قال له إبراهيم مستدلا على وجود
الله: إن ربي هو الذي يخلق الحياة والموت في الأجساد فهو وحده رب العالمين

[قال أنا أحيي وأميت] أي قال ذلك الطاغية: وأنا أيضا أحيي وأميت، روي أنه دعا
برجلين حكم عليهما بالإعدام، فأمر بقتل أحدهما فقال: هذا قتلته، وأمر بإطلاق
الآخر وقال: هذا أحييته، ولما رأى الخليل حماقته ومشاغبته في الدليل، عدل إلى
دليل آخر أجدى وأروع وأشد إفحاما

[قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب] أي إذا كنت
تدعي الألوهية وأنك تحيي وتميت كما يفعل رب العالمين جل جلاله، فهذه الشمس تطلع
كل يوم من المشرق بأمر الله ومشيئته، فأطلعها من المغرب بقدرتك وسلطانك ولو مرة
واحدة

[فبهت الذي كفر] أي أخرس ذلك الفاجر بالحجة القاطعة، وأصبح مبهوتاً دهشا لا
يستطيع الجواب

[والله لا يهدي القوم الظالمين] أي لا يلهمهم الحجة والبيان في مقام المناظرة
والبرهان، بخلاف أوليائه المتقين

[أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها] وهذه هي القصة الثانية وهي مثل
لمن أراد الله هدايته، والمعنى: ألم ينته إلى علمك كذلك مثل الذي مر على قرية،
وقد سقطت جدرانها على سقوفها، وهي قرية (بيت المقدس) لما خربها بختنصر

[قال أني يحيي هذه الله بعد موتها] أي قال ذلك الرجل الصالح واسمه "عزير" على
الرأي الأشهر: كيف يحي الله هذه البلدة بعد خرابها ودمارها؟ قال ذلك استعظاما
لقدرة الله تعالى وتعجباً من حال تلك المدينة، وما هي عليه من الخراب والدمار،
وكان راكباً على حماره حينما مر عليها

[فأماته الله مائة عام ثم بعثه] أي أمات الله ذلك السائل، واستمر ميتاً مائة
سنة، ثم أحياه الله ليريه كمال قدرته

[قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم] أي قال له ربه بواسطة الملك: كم مكثت
في هذه الحال؟ قال يوما، ثم نظر حوله فرأى الشمس باقية لم تغب فقال: أو بعض يوم
أي أقل من يوم، فخاطبه ربه بقوله

[قال بل لبثت مائة عام] أي بل مكثت ميتاً مائة سنة كاملة

[فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه] أي إن شككت فانظر إلى طعامك لم يتغير بمرور
الزمان، وكان معه عنب وتين وعصير، فوجدها على حالها لم تفسد

[وانظر إلى حمارك] أي كيف تفرقت عظامه ونخرت وصار هيكلا من البلى

[ولنجعلك آية للناس] أي فعلنا ما فعلنا لتدرك قدرة الله سبحانه، ولنجعلك معجزة
ظاهرة تدل على كمال قدرتنا

[وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما] أي تأمل في عظام حمارك النخرة،
كيف نركب بعضها فوق بعض، وأنت تنظر، ثم نكسوها لحما بقدرتنا؟

[فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير] أي فلما رأى الآيات الباهرات،
قال: أيقنت وعلمت علم مشاهدة أن الله على كل شيء قدير

[وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى] وهذه هي القصة الثالثة وفيها الدليل
الحسي على الإعادة بعد الفناء، والمعنى: اذكر حين طلب إبراهيم من ربه أن يريه
كيف يحي الموتى؟ سأل الخليل عن (الكيفية) مع إيمانه الجازم بالقدرة الربانية،
فكان يريد أن يعلم بالعيان ما كان يوقن به بالوجدان، ولهذا خاطبه ربه بقوله

[قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي] أي أو لم تصدق بقدرتي على الإحياء؟
قال بلى آمنت، ولكن أردت أن أزداد بصيرة وسكون قلب برؤية ذلك

[قال فخذ أربعة من الطير فصرهن اليك] أى خذ أربعة طيور فضمهن اليك ثم اقطعهن ،
ثم اخلط بعضهن بببعض ، حتى يصبحن كتلة واحدة

[ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا] أى فرق أجزاءهن على رءوس الجبال

[ثم ادعهن يأتينك سعيا] أي نادهن يأتينك مسرعات، قال مجاهد: كانت (طاووسا،
وغرابا، وحمامة، وديكا)، فذبحهن ثم فعل بهن ما فعل، ثم دعاهن فأتين مسرعات

[واعلم أن الله عزيز حكيم] أي لا يعجزه شيء عما يريده، حكيم في تدبيره وصنعه.
قال المفسرون: ذبحهن ثم قطعهن ثم خلط بعضهن ببعض حتى اختلط ريشها ودماؤها
ولحومها، ثم أمسك برءوسها عنده وجزأها أجزاء على الجبال، ثم دعاهن كما أمره
تعالى، فجعل ينظر إلى الريش يطير إلى الريش، والدم إلى الدم، واللحم إلى اللحم،
حتى عادت طيرا كما كانت وأتينه يمشين ليكون أبلغ له في الرؤية لما سأل. ذكره
ابن كثير في تفسيره.

MERAMADA
2009-02-02, 04:17 AM
===============
البلاغة:
===============
1- [ألم تر] الرؤية قلبية والاستفهام للتعجيب أي ألم تعلم وتوقن.

2- [يحيي ويميت] التعبير بالمضارع يفيد التجدد والاستمرار، والصيغة تفيد القصر
[ربي الذي يحيي ويميت] لأن المبتدأ والخبر وردا معرفتين والمعنى أنه وحده
سبحانه هو الذي يحيي ويميت، وبين كلمتي "يحيي" و "يميت" طباق وهو من المحسنات
البديعية وكذلك بين لفظ "المشرق" و"المغرب".

3- [فبهت الذي كفر] التعبير بالنص السامي يشعر بالعلة، وأن سبب الحيرة هو كفره،
ولو قال: فبهت الكافر لما أفاد ذلك المعنى الدقيق.

4- [أني يحيي هذه الله بعد موتها] موت القرية هو (موت السكان) فهو من قبيل
إطلاق المحل وإرادة الحال، ويسمى "المجاز المرسل".

5- [ثم نكسوها لحما] نسترها به كما يستر الجسد باللباس، قال أبو حيان: الكسوة
حقيقة هي ما وراء الجسد من الثياب، واستعارها هنا لما أنشأ من اللحم الذي غطى
العظم وهي استعارة في غاية الحسن.

===============
الفوائد:
===============
الأولى: قال مجاهد: ملك الدنيا مشارقها ومغاربها أربعة: مؤمنان، وكافران،
فالمؤمنان: "سليمان بن داود" و "ذو القرنين" والكافران "النمرود" و"بختنصر"
الذي خرب بيت المقدس.

الثانية: لما رأى الخليل تجاهل الطاغية معنى (الحياة والموت) وسلوكه التلبيس
والتمويه على الرعاع، وكان بطلان جوابه من الجلاء بحيث لا يخفى على أحد، انتقل
إبراهيم إلى حجة أخرى، لا تجري فيها المغالطة، ولا يتيسر للطاغية أن يخرج عنها
بمكابرة أو مشاغبة فقال [إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب]
فلوى خليل الله عنق الكافر، حتى أراه عجزه وأخرس لسانه!!.

الثالثة: سؤال الخليل ربه بقوله [كيف تحي الموتى] ليس عن شك في قدرة الله،
ولكنه سؤال عن (كيفية الإحياء)، ويدل عليه وروده بصيغة [كيف] وموضوعها السؤال
عن الحال، ويؤيد المعنى قول النبى (ص) (نحن أحق بالشك من إبراهيم) ومعناه: ونحن
لم نشك، فلأن لا يشك إبراهيم أحرى وأولى!!.


###############
قال الله تعالى: [مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله.. إلى .. وما يذكر إلا
أولوا الألباب] من آية (261) إلى نهاية آية (269).
###############

===============
المناسبة:
===============
لما ذكر تعالى في الآيات السابقة أن الناس فريقان: أولياء الله، وأولياء
الطاغوت، ثم أعقبه بذكر نموذجا للإيمان ونموذج للطغيان، ذكر هنا ما يرغب المؤمن
في الإنفاق في سبيل الله، وبخاصة في أمر الجهاد لأعداء الله، لأن ميادين الجهاد
ثلاثة: أولها الإقناع بالحجة والبرهان، وثانيها الجهاد بالنفس، وثالثها الجهاد
بالمال، فلما ذكر فيما سبق جهاد الدعوة، وجهاد النفس، شرع الآن في ذكر الجهاد
بالمال.

===============
اللغة:
===============
[المن] أن يعتد بإحسانه على من أحسن إليه، وأن يذكره النعمة على سبيل التطاول
والتفضل، قال الشاعر:
أفسدت بالمن ما أسديت من حسن ليس الكريم إذا أسدى بمنان

[رئاء الناس] أي لا يريد بإنفاقه رضى الله وإنما يريد ثناء الناس، وأصله من
(الرؤية) وهو أن يرى الناس ما يفعله حتى يثنوا عليه ويعظموه

[صفوان] الصفوان: الحجر الأملس الكبير، قال الأخفش: وهو جمع، واحده صفوانة
وقيل: هو اسم جنس كالحجر

[وابل] الوابل: المطر الشديد

[صلدا] الصلد: الأملس من الحجارة وهو كل ما لا ينبت شيئا، ومنه جبين أصلد

[بربوة] الربوة: المكان المرتفع من الأرض، يقال: ربوة ورابية وأصله من ربا
الشيء إذا زاد وارتفع

[طل] الطل المطر الخفيف الذي تكون قطراته صغيرة، وقال قوم منهم مجاهد: الطل
الندى

[وإعصار] الإعصار: الريح الشديدة التى تهب من الأرض، وترتفع إلى السماء
كالعمود، ويقال لها: الزوبعة

[تيمموا] تقصدوا

[تغمضوا] من أغمض الرجل في أمر كذا إذا تساهل فيه وهذا كالإغضاء عند المكروه.

===============
سبب النزول:
===============
نزلت في "عثمان بن عفان" و "عبد الرحمن بن عوف" في غزوة تبوك، حيث جهز (عثمان)
ألف بعير بأحلاسها وأقتابها ووضع بين يدي رسول الله (ص) ألف دينار، فصار رسول
الله (ص) يقلبها ويقول: ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم، وأتى (عبد الرحمن بن
عوف) النبى (ص) بأربعة آلاف درهم فقال يا رسول الله : كان عندى ثمانية آلاف
درهم فأمسكت منها لنفسى ولعيالى أربعة آلاف ، وأربعة آلاف أقرضتها ربي، فقال له
رسول الله (ص): بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت، فنزلت فيهما الآية [مثل
الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله..] الآية. (( أخرجه البخاري، ومعناه كما قال
الخطابي: نفي الشك عنهما يقول: إذا لم أشك أنا في قدرة الله تعالى على إحياء
الموتى، فإبراهيم أولى بأن لا يشك!! قال (ص) ذلك على سبيل التواضع والهضم للنفس

MERAMADA
2009-02-02, 04:21 AM
===============
التفسير:
===============
[مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل] قال ابن
كثير: هذا مثل ضربه الله تعالى لتضعيف الثواب لمن أنفق في سبيله وابتغاء
مرضاته، وأن الحسنة تضاعف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف أي مثل نفقتهم كمثل حبة
زرعت فأنبتت سبع سنابل

[في كل سنبلة مائة حبة] أي كل سنبلة منها تحتوي على مائة حبة فتكون الحبة قد
أغلت سبعمائة حبة، وهذا تمثيل لمضاعفة الأجر لمن أخلص في صدقته، ولهذا قال
تعالى

[والله يضاعف لمن يشاء] أي يضاعف الأجر لمن أراد على حسب حال المنفق، من إخلاصه
وابتغائه بنفقته وجه الله

[والله واسع عليم] أي واسع الفضل، عليم بنية المنفق

[الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى] أي لا
يقصدون بإنفاقهم إلا وجه الله، ولا يعقبون ما أنفقوا من الخيرات والصدقات،
بالمن على من أحسنوا إليه، كقوله: قد أحسنت إليك وجبرت حالك، ولا بالأذى كذكره
لغيره فيؤذيه بذلك

[لهم أجرهم عند ربهم] أي لهم ثواب ما قدموا من الطاعة عند الله

[ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون] أي لا يعتريهم فزع يوم القيامة، ولا هم يحزنون
على فائت من زهرة الدنيا

[قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى] أي رد السائل بالتي هي أحسن والصفح
عن إلحاحه، خير عند الله وأفضل من إعطائه ثم إيذائه، أو تعييره بذل السؤال

[والله غني حليم] أي مستغن عن الخلق حليم لا يعاجل العقوبة لمن خالف أمره.. ثم
أخبر تعالى عما يبطل الصدقة ويضيع ثوابها فقال

[يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى] أي لا تحبطوا أجرها
بالمن والأذى

[كالذي ينفق ماله رئاء الناس] أي كالمرائي الذي يبطل إنفاقه بالرياء

[ولا يؤمن بالله واليوم الآخر] أي لا يصدق بلقاء الله حتى يرجو ثوابا أو يخشى
عقابا

[فمثله كمثل صفوان عليه تراب] أي مثل ذلك المرائى بإنفاقه، كمثل الحجر الأملس
الذي عليه شيء من التراب، يظنه الظان أرضا طيبة منبتة

[فأصابه وابل فتركه صلدا] أي فإذا أصابه مطر شديد أذهب عنه التراب، فيبقى صلدا
أملس ليس عليه شيء من الغبار أصلا، كذلك هذا المنافق يظن أن له أعمالا صالحة،
فإذا كان يوم القيامة، اضمحلت وذهبت ولهذا قال تعالى

[لا يقدرون على شيء مما كسبوا] أي لا يجدون له ثوابا في الآخرة، فلا ينتفع بشيء
منها أصلا

[والله لا يهدي القوم الكافرين] أي لا يهديهم إلى طريق الخير والرشاد.. ثم ضرب
تعالى مثلا آخر للمؤمن المنفق ماله ابتغاء مرضات الله فقال

[ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم] أي ينفقونها
طلبا لمرضاته، وتصديقا بلقائه، وتحقيقا للثواب عليه

[كمثل جنة بربوة] أي كمثل بستان كثير الشجر بمكان مرتفع من الأرض، وخصت بالربوة
لحسن شجرها وزكاء ثمرها

[أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين] أي أصابها مطر غزير، فأخرجت ثمارها جنية
مضاعفة، ضعفي ثمر غيرها من الأرض

[فإن لم يصبها وابل فطل] أي فإن لم ينزل عليها المطر الغزير، فيكفيها المطر
الخفيف، أو يكفيها الندى، لجودتها وكرم منبتها، ولطافة هوائها فهي تنتج على كل
حال

[والله بما تعملون بصير] أي لا يخفى عليه شيء من أعمال العباد

[أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب] أي أيحب أحدكم أن تكون له حديقة
غناء، فيها من أنواع النخيل والأعناب والثمار الشيء الكثير؟

[تجري من تحتها الأنهار] أي تمر الأنهار من تحت أشجارها

[له فيها من كل الثمرات] أي ينبت له فيها جميع الثمار ومن كل زوج بهيج

[وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء] أي أصابته الشيخوخة فضعف عن الكسب، وله أولاد
صغار لا يقدرون على الكسب

[فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت] أي أصاب تلك الحقيقة ريح عاصفة شديدة معها
نار، فأحرقت الثمار والأشجار، أحوج ما يكون الإنسان إليها؟

[كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون] أي مثل هذا البيان الواضح في هذا
المثل الرائع المحكم، يبين الله لكم آياته في كتابه الحكيم، لكي تتفكروا
وتتدبروا بما فيها من العبر والعظات

[يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم] أي أنفقوا من الحلال الطيب من
المال الذي كسبتموه

[ومما أخرجنا لكم من الأرض] أي ومن طيبات ما أخرجنا لكم من الحبوب والثمار

[ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون] أي ولا تقصدوا الرديء الخسيس فتتصدقوا منه

[ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه] أي لستم تقبلونه أنتم لو أعطيتموه، إلا إذا
تساهلتم وأغمضتم البصر، فكيف تؤدون منه حق الله!!

[واعلموا أن الله غني حميد] أي أنه سبحانه غني عن نفقاتكم، حميد يجازي المحسن
أفضل الجزاء.. ثم حذر تعالى من وسوسة الشيطان فقال

[الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء] أي الشيطان يخوفكم من الفقر إن تصدقتم،
ويغريكم بالبخل ومنع الزكاة

[والله يعدكم مغفرة منه وفضلا] أي وهو سبحانه يعدكم على إنفاقكم في سبيله مغرفة
للذنوب، وخلفا لما أنفقتموه زائدا عن الأصل

[والله واسع عليم] أي واسع الفضل والعطاء، عليم بمن يستحق الثناء

[يؤتي الحكمة من يشاء] أي يعطي العلم النافع المؤدي إلى العمل الصالح من شاء من
عباده

[ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا] أي من أعطي الحكمة فقد أعطي الخير
الكثير، لمصير صاحبها إلى السعادة الأبدية

[وما يذكر إلا أولوا الألباب] أي ما يتعظ بأمثال القرآن وحكمه، إلا أصحاب
العقول النيرة الخالصة من الهوى

MERAMADA
2009-02-02, 04:24 AM
===============
البلاغة:
===============
1- [كمثل حبة] شبه سبحانه الصدقة التى تنفق في سبيله بحبة زرعت وباركها المولى،
فأصبحت سبعمائة حبة، ففيه تشبيه "مرسل مجمل" لذكر أداة التشبيه وحذف وجه الشبه،
قال أبو حيان: وهذا التمثيل تصوير للأضعاف كأنها ماثلة بين عيني الناظر.

2- [أنبتت سبع سنابل] إسناد الإنبات إلى الحبة إسناد مجازي، ويسمى "المجاز
العقلي" لأن المنبت في الحقيقة هو الله تعالى لا الحبة، ولا الأرض.

3- [منا ولا أذى] من باب ذكر العام بعد الخاص، لإفادة الشمول لأن الأذى يشمل
المن.

4- [كمثل صفوات عليه تراب] فيه تشبيه يسمى "تشبيها تمثيليا" لأن وجه الشبه
منتزع من متعدد، وكذلك يوجد تشبيه تمثيلي في قوله [كمثل جنة بربوة]

5- [أيود أحدكم أن تكون له جنة..] الآية، لم يذكر المشبه ولا أداة التشبيه وهذا
النوع يسميه علماء البلاغة "استعارة تمثيلية" وهي تشبيه حال بحال لم يذكر فيه
سوى المشبه به فقط، وقامت قرائن تدل على إرادة التشبيه، والهمزة للاستفهام
والمعنى على التبعيد والنفي أي ما يود أحد ذلك.

6- [تغمضوا فيه] المراد به هنا التجاوز والمساهلة، لأن الإنسان إذا رأى ما يكره
أغمض عينيه لئلا يرى ذلك، ففي الكلام استعارة لطيفة.

===============
الفوائد:
===============
الأولى: قال الزمخشري: المن أن يعتد على من أحسن إليه بإحسانه، وفي نوابغ الكلم
"صنوان من منح سائله ومن، ومن منع نائله وضن"، وقال الشاعر:
وإن امرءا أسدى إلى صنيعة وذكر فيها مرة للئيم

الثانية: المطر أوله رش، ثم طش، ثم طل، ثم نضح، ثم هطل، ثم وابل، والمطر
الوابل: الشديد الغزير.

الثالثة: قال عمر بن الخطاب يوما لأصحاب النبى (ص): "فيمن ترون هذه الآية نزلت
[أيود أحدكم أن تكون له جنة]؟ قالوا: الله أعلم !! فغضب عمر فقال: قولوا نعلم
أو لا نعلم، فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين، فقال عمر: يا
ابن أخي قل، ولا تحقر نفسك، فقال ابن عباس: ضربت مثلا بعمل لرجل غني يعمل بطاعة
الله، ثم بعث له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله" أخرجه البخاري.

الرابعة: قال الحسن البصرى: ( هذا مثل قل والله من يعقله: شيخ كبير، ضعف جسمه،
وكثر صبيانه، أفقر ما كان إلى جنته، فجاءها الإعصار فأحرقها، وإن أحدكم والله
أفقر ما يكون إلى عمله إذا انقطعت عنه الدنيا ) .


###############
قال الله تعالى: [وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر.. إلى .. ولا خوف عليهم
ولا هم يحزنون] من آية (270) إلى نهاية آية (274).
###############

===============
المناسبة:
===============
لا تزال الآيات تتحدث عن الإنفاق في وجوه البر والخير، وأعلاها الجهاد في سبيل
الله، والإنفاق لإعلاء كلمته، وترغب في إخفاء الصدقات، لأنها أبعد عن الرياء،
فوجه المناسبة ظاهر.

===============
اللغة:
===============
[فنعما] أصلها "نعم ما" أدغمت الميمان فصارت نعما، قال الزجاج: أي نعم الشيء
هو،

[أحصروا] الحصر: الحبس أي حبسوا أنفسهم على الجهاد، وقد تقدم معنى الحصر

[التعفف] من العفة يقال: عف عن الشيء أمسك عنه وتنزه عن طلبه والمراد التعفف عن
السؤال

[بسيماهم] السيما العلامة التي يعرف بها الشيء، ويقال: سيمياء كالكيمياء،
وأصلها من السمة بمعنى العلامة، قال تعالى

[سيماهم في وجوههم من أثر السجود]

[إلحافا] الإلحاف: الإلحاح في السؤال يقال: ألحف: إذا ألح ولج في السؤال
والطلب.

===============
سبب النزول:
===============
عن سعيد بن جبير أن المسلمين كانوا يتصدقون على فقراء أهل الذمة، فلما كثر
فقراء المسلمين قال رسول الله (ص) "لا تتصدقوا إلا على أهل دينكم" فنزلت هذه
الآية [ليس عليك هداهم] مبيحة للصدقة على من ليس من دين الإسلام. ((والرواية
أخرجها ابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير 1/331 والمراد بالصدقة هنا (الصدقة
النافلة)، وأما الزكاة فلا تجوز إلا للمسلمين

MERAMADA
2009-02-04, 04:27 AM
===============
التفسير:
===============
[وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه] أي ما بذلتم أيها
المؤمنون من مال، أو نذرتم من شيء في سبيل الله، فإن الله يعلمه ويجازيكم عليه

[وما للظالمين من أنصار] أي وليس لمن منع الزكاة أو صرف المال في معاصي الله،
من معين أو نصير ينصرهم من عذاب الله

[إن تبدوا الصدقات فنعما هي] أي إن تظهروا صدقاتكم فنعم هذا الشيء الذي تفعلونه

[وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم] أي وإن تخفوها وتدفعوها للفقراء فهو
أفضل لكم لأن ذلك أبعد عن الرياء

[ويكفر عنكم من سيئاتكم] أي يزيل بجميل أعمالكم سيء آثامكم

[والله بما تعملون خبير] أي هو سبحانه مطلع على أعمالكم يعلم خفاياكم، والآية
ترغيب في الإسرار بالصدقة

[ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء] أي ليس عليك يا محمد أن تهدي الناس،
فإنك لست بمؤاخذ بجريرة من لم يهتد، إنما أنت ملزم بتبليغهم فحسب، والله يهدي
من شاء من عباده إلى الإسلام

[وما تنفقوا من خير فلأنفسكم] أي أي شيء تنفقونه من المال، فهو لأنفسكم لا
ينتفع به غيركم لأن ثوابه لكم

[وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله] خبر بمعنى النهي أي لا تجعلوا إنفاقكم إلا
لوجه الله، لا لغرض دنيوي

[وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون] أي فإن أجره وثوابه أضعافا
مضاعفة تنالونه أنتم، ولا تنقصون شيئا من حسناتكم

[للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله] أي اجعلوا ما تنفقونه للفقراء، الذين
حبسوا أنفسهم للجهاد والغزو في سبيل الله

[لا يستطيعون ضربا في الأرض] أي لا يستطيعون بسبب الجهاد السفر في الأرض
للتجارة والكسب

[يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف] أي يظنهم الذي لا يعرف حالهم، أغنياء موسرين
من شدة تعففهم

[تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا] أي تعرف حالهم أيها المخاطب بعلامتهم،
من التواضع وأثر الجهد، وهم مع ذلك لا يسألون الناس شيئا أصلا، فلا يقع منهم
إلحاح

[وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم] أي ما أنفقتموه في وجوه الخير، فإن الله
يجازيكم عليه أحسن الجزاء

[الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية] أي الذين ينفقون في سبيل
الله ابتغاء مرضاته، في جميع الأوقات، من ليل أو نهار، وفي جميع الأحوال من سر
وجهر

[فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون] أي لهم ثواب ما أنفقوا، ولا
خوف عليهم يوم القيامة، ولا هم يحزنون على ما فاتهم في الدنيا.

===============
البلاغة:
===============
1- [وما أنفقتم من نفقة] بين أنفقتم و"نفقة" جناس يسمى جناس الاشتقاق، وكذلك
بين نذرتم و"نذر" جناس، وهو من المحسنات البديعية.

2- [إن تبدوا الصدقات] في الإبداء والإخفاء طباق لفظي، وكذلك بين لفظ "الليل
والنهار" و"السر والعلانية" وهو من المحسنات البديعية.

3- [وأنتم لا تظلمون] إطناب لورودها بعد قوله [يوف إليكم] الذي معناه يصلكم
وافيا غير منقوص.

===============
فائدة:
===============
قال بعض الحكماء: إذا اصطنعت المعروف فاستره، وإذا اصطنع إليك فانشره، وأنشدوا:
يخفي صنائعه والله يظهرها إن الجميل إذا أخفيته ظهرا


###############
قال الله تعالى: [الذين يأكلون الربا لا يقومون.. إلى .. ثم توفى كل نفس ما
كسبت وهم لا يظلمون] من آية (275) إلى نهاية آية (281).
###############

MERAMADA
2009-02-04, 04:31 AM
===============
المناسبة:
===============
لما أمر تعالى بالإنفاق من طيبات ما كسبوا، وحض على الصدقة ورغب في الإنفاق في
سبيل الله، ذكر هنا ما يقابل ذلك وهو الربا: الكسب الخبيث ذو الوجه الكالح
الطالح، الذي هو شح وقذارة ودنس، بينما الصدقة عطاء وسماحة وطهارة، وقد جاء
عرضه مباشرة بعد عرض ذلك الوجه الطيب، في الإنفاق في سبيل الله، ليظهر الفارق
بجلاء بين الكسب الطيب والكسب الخبيث، كما قيل: "وبضدها تتميز الأشياء".

===============
اللغة:
===============
[الربا] لغة: الزيادة يقال: ربا الشيء إذا زاد ومنه الربوة والرابية، وشرعاً:
زيادة على أصل المال، يأخذها الدائن من المدين مقابل الأجل

[يتخبطه] التخبط: الضرب على غير استواء، كخبط البعير الأرض بأخفافه، ويقال للذي
يتصرف ولا يهتدي: خبط في عشواء وتورط في عمياء، وتخبطه الشيطان إذا مسه بخبل أو
جنون

[المس] الجنون وأصله من المس باليد، كأن الشيطان يمس الإنسان فيحصل به الجنون

[سلف] مضى وانقضى ومنه سالف الدهر أي ماضيه

[يمحق] المحق: نقصان الشيء حالا بعد حال ومنه المحاق في الهلال، يقال محقه الله
فانمحق وامتحق

[أثيم] كثير الإثم، وهو المتمادي في الذنوب والآثام.

===============
سبب النزول:
===============
كان لبني (عمرو من ثقيف) ديون ربا على بني المغيرة فلما حل الأجل أرادوا أن
يتقاضوا الربا منهم، فنزلت الآية [يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي
من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله..] الآية
فقالت ثقيف: لا يد لنا "أي لا طاقة لنا" بحرب الله ورسوله، وتابوا وأخذوا رءوس
أموالهم فقط.

===============
التفسير:
===============
[الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس] أي
الذين يتعاملون بالربا ويمتصون دماء الناس، لا يقومون من قبورهم يوم القيامة،
إلا كما يقوم المصروع من جنونه، يتعثر ويقع، ولا يستطيع أن يمشي سويا، يقومون
مخبولين كالمصروعين، تلك سيماهم يعرفون بها عند الموقف، هتكا لهم وفضيحة

[ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا] أي ذلك التخبط والتعثر بسبب استحلالهم
ما حرمه الله، وقوله: الربا كالبيع، فلماذا يكون حراما؟ قال تعالى ردا عليهم

[وأحل الله البيع وحرم الربا] أي أحل الله البيع لما فيه من تبادل المنافع،
وحرم الربا لما فيه من الضرر الفادح، بالفرد والمجتمع، لأن فيه زيادة مقتطعة من
جهد المدين ولحمه، وهو ظلم صارخ، فيه تهديم لاقتصاد المجتمع

[فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف] أي من بلغه نهي الله عن الربا
فانتهى عن التعامل به، فلما ما مضى قبل التحريم

[وأمره إلى الله] أي أمره موكول إلى الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه

[ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون] أي ومن عاد إلى التعامل بالربا
واستحله بعد تحريم الله له، فهو من المخلدين في نار جهنم، وإنما يخلد في النار،
لأنه استحل ما حرم الله، واستحلال الحرام خروج عن الملة وكفر بالله

[يمحق الله الربا ويربى الصدقات] أي يذهب ريعه ويمحو خيره وإن كان زيادة في
الظاهر، ويكثر الصدقات وينميها وإن كانت نقصانا في الظاهر

[والله لا يحب كل كفار أثيم] أي لا يحب كل كفور القلب، أثيم القول والفعل، وفي
الآية تغليظ في أمر الربا، وإيذان بأنه منه فعل الكفار.. ثم قال تعالى مادحا
المؤمنين المطيعين أمره في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة

[إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة] أي صدقوا بالله
وعملوا الصالحات التي من جملتها إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة

[لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولاهم يحزنون] أي لهم ثوابهم الكامل في
الجنة، ولا يخافون يوم الفزع الأكبر، ولا يحزنون على ما فاتهم في الدنيا

[يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين] أي
اخشوا ربكم وراقبوه فيما تفعلون، واتركوا ما لكم من الربا عند الناس، إن كنتم
مؤمنين بالله حقا

[فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله] أي وإن لم تتركوا التعامل بالربا،
فأيقنوا بحرب الله ورسوله لكم، قال ابن عباس: يقال لآكل الربا يوم القيامة: خذ
سلاحك للحرب ((تجرأ بعض المفتونين بالجاه والمنصب، ممن ينتسب إلى أهل العلم،
بتحليل (فوائد البنوك) الربوية، وزعم أنه نوع من الاستثمار، وهو تضليل للأمة
خطير، تحت ستار (الفتوى) وقد باء بالخزي والعار، وغضب الجبار، وقد رددت عليه في
رسالة خاصة بعنوان (جريمة الربا أخطر الجرائم الدينية والاجتماعية) ونسأل الله
أن يعصم الأمة، من فتنة علماء السوء، الذين حذر منهم رسول الله (ص) بقوله:
(إنما أخشى على أمتي الأئمة المضلين))!!

[وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون] أي إن رجعتم عن الربا
وتركتموه، فلكم أصل المال الذي دفعتموه من غير زيادة ولا نقصان

[وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة] أي إذا كان المستدين معسرا، فعليكم أن
تمهلوه إلى وقت اليسر، لا كما كان أهل الجاهلية يقول أحدهم لمدينه: إما أن تقضي
وإما أن تربي

[وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون] أي إن تجاوزتم عما لكم عنده فهو أكرم
وأفضل، إن كنتم تعلمون ما فيه من الذكر الجميل والأجر العظيم.. ثم حذر تعالى
عباده من ذلك اليوم الرهيب، الذي لا ينفع فيه إلا العمل الصالح فقال سبحانه:

[واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون] أي
احذروا يوما سترجعون فيه إلى ربكم، ثم توفى كل نفس حسابها وأنتم لا تظلمون، وقد
ختمت هذه الآيات الكريمة بهذه الآية الجامعة المانعة التي كانت آخر ما نزل من
القرآن، وبنزولها انقطع الوحي، وفيها تذكير العباد بذلك اليوم العصيب الشديد،
قال ابن كثير: هذه الآية آخر ما نزل من القرآن العظيم، وقد عاش النبى (ص) بعد
نزولها تسع ليال، ثم انتقل إلى الرفيق الأعلى (ص